في تجربته التشكيليَّة، يُقدِّم الفنان عبيد الصافي الفنَّ بوصفه مساحةً للسؤالِ والصدقِ قبل أن يكون مساحةً للون. ومنذ بداياته القائمةِ على الدهشةِ والتجريب، إلى المرحلةِ التاليةِ حيث النضجُ البصري الذي يبحثُ عمَّا خلفَ الصورةِ، تتجلَّى النخلةُ في أعماله رمزاً للهويَّةِ والذاكرة، وحضوراً، يتقاطعُ مع روحِ يوم التأسيس، وتأمُّلاتِ رمضان، إذ تتحوَّلُ الجذورُ إلى معنى، والفنُّ إلى صوتٍ، يُوقظ الانتماء.
كيف بدأت رحلتُك مع الفنِّ التشكيلي، ومتى اكتشفت أن الفنَّ مسارُك الحقيقي؟
رحلتي مع الفنِّ بدأت بالتجريبِ، والدهشةِ تُجاه الأشياءِ، وبالرغبةِ الداخليَّةِ في التعبيرِ عن فكرةٍ لطالما كانت تراكماً صامتاً. كنتُ أمارسُ الفنَّ قبل أن أُسمِّيه فناً. الرسمُ، التفكيكُ، والتأمُّلُ في الأشياء كلُّها كانت طرقاً لفهمِ العالمِ أكثر من كونها هوايةً. لاحقاً أدركتُ أن الفنَّ اللغةُ الوحيدةُ التي أستطيع من خلالها قولَ ما لا يُقال بالكلمات.
ما أبرزُ المحطَّاتِ التي شكَّلت تحوُّلاً في تجربتِك الفنيَّة؟
كلُّ محطَّةٍ فيها سؤالٌ، كانت تحوُّلاً. السفرُ، الاحتكاكُ بثقافاتٍ مختلفةٍ، العملُ مع التقنيَّاتِ الحديثة، وحتى العودةُ إلى الذاكرةِ المحليَّة، هي لم تكن محطَّاتِ نجاحٍ بقدرِ ما كانت محطَّاتِ شكٍّ، والشكُّ عندي دائماً بدايةُ النضج.
كيف تصفُ تطوُّرَ أسلوبك الفنِّي عبر السنين؟
أراه انتقالاً من الشكلِ إلى المعنى، ومن الرغبةِ في الإبهارِ إلى الحاجةِ للصدق. في البدايةِ كنتُ أبحثُ عن الصورة، أمَّا اليوم فأبحثُ عمَّا خلفها. الأسلوبُ عندي لم يعد ثابتاً، بل صار متحوِّلاً مثل الزمن.
مَن الفنَّانون، أو البيئاتُ التي أثَّرت في رؤيتك التشكيليَّة؟
تأثَّرتُ بالبيئاتِ أكثر من الأسماء. الصحراءُ، المدنُ، الورشُ، الحكاياتُ الشعبيَّة، وحتى التكنولوجيا. الإنسانُ والمكانُ، هما الفنَّانان الأكثر تأثيراً بي.
تحتلُّ النخلةُ حضوراً لافتاً في أعمالك، ماذا تُمثِّل لك شخصياً؟
النخلةُ رمزٌ وذاكرةٌ لنا نحن السعوديين. هي تُشبه الإنسانَ في هذه الأرض: صامدةٌ، معطاءةٌ، وجذورها في العمقِ ورأسها في السماء. أراها مرآةً للذات.
ومن عالم الفن التشكيلي أيضأً اخترنا لك اللقاء مع الرسام السعودي عبدالمحسن الرويس
«النخلة رمز الجمال العابق بالتاريخ، تحمل تعب الإنسان، اقتصاده، روحه، وحتى علاقته بالزمن، هي رمز هوية بقدر ما هي عنصر بصري»
كيف تُوظِّف رمزَ النخلةِ بصرياً وفكرياً داخلَ اللوحة؟
أتعاملُ معها بوصفها جسداً، وأثراً، وأحياناً بوصفها غياباً. هي ليست واضحةً دائماً، وقد تظهرُ ظلاً، وملمساً، وإيقاعاً بصرياً. المهمُّ أن تحضر بوصفها فكرةً، لا كزخرفة.
هل ترى أن النخلةَ عنصرٌ جمالي فقط، أم أنها تحملُ بُعداً ثقافياً وتراثياً أعمق؟
هي جمالٌ، نعم، لكنَّها جمالٌ مُحمَّلٌ بالتاريخ. النخلةُ تحملُ تعبَ الإنسان، واقتصادَه، وروحَه، وحتى علاقتَه بالزمن. هي رمزُ هويَّةٍ بقدرِ ما هي عنصرٌ بصري.
كيف يتفاعلُ الجمهورُ مع الأعمالِ التي تتضمَّنُ رمزَ النخلة؟
اللافتُ أن كلَّ شخصٍ يراها بطريقته. بعضهم يراها حنيناً، وآخرون يرونها قوَّةً، أو فقداً. هذا التعدُّدُ في القراءةِ يهمُّني أكثر من الفهمِ الواحد.
في سياقِ يوم التأسيس، كيف تقرأ رمزيَّةَ النخلةِ بوصفها أحدَ الرموزِ المرتبطةِ بالهويَّةِ السعوديَّة؟
أراها شاهداً صامتاً على البدايات. النخلةُ كانت موجودةً قبل الدولةِ، وستبقى. هي رمزُ الاستمراريَّةِ والشموخ.
هل قدَّمت أعمالاً فنيَّةً، استلهمت فيها روحَ التأسيس، أو الجذورَ التاريخيَّةَ للسعوديَّة؟
الفنَّانُ ابن بيئته وأرضه، لذا حتى وإن لم يكن اشتغالك الفنِّي جلياً في تناولِ موضوعِ التأسيس، تبقى الأرض تأخذُ منك وتُعطيك. بوصفي فناناً أنا لا أوثِّقُ الحدث، بل أشتغلُ على أثره. ما يهمُّني تشريحُ هذا الشعور الداخلي.
كيف يُسهم الفنُّ في ترسيخِ مفاهيمِ الانتماء والاعتزازِ بالتاريخ؟
الفنُّ لا يفرضُ الانتماء، بل يُوقظه. حين يرى الإنسانُ نفسه في العملِ الفنِّي، يشعرُ بأن هناك شيئاً ما يخصُّه.
ما رأيك بالتعرف على المغامر السعودي بدر الشيباني
النخلة وروح رمضان
هل تختلفُ قراءَتك البصريَّةُ للنخلةِ في رمضان عنها في بقيَّةِ العام؟
كلا، لكنْ رمضان شهرٌ للروح، وفرصةٌ للتأمُّلِ بشكلٍ أكثر عمقاً.
ما العلاقةُ التي تراها بين الفنِّ والقيمِ الروحيَّةِ التي يُعزِّزها الشهرُ الكريم؟
الفنُّ انتباهٌ، ويحتاجُ إلى حضورٍ داخلي. كلاهما محاولةٌ لفهمِ الذاتِ والعالمِ بهدوءٍ.
هل تعدُّ نفسك فناناً يُوثِّق الهويَّة، أم يُعيد صياغتها برؤيةٍ معاصرةٍ؟
أنا لا أوثِّق، فقط أحاولُ أن أضعَ الهويَّةَ في حوارٍ مع الحاضر. الهويَّةُ الحيَّةُ، هي التي تقبلُ إعادةَ السؤال.
كيف توازنُ بين الحفاظِ على التراثِ، والانفتاحِ على الأساليبِ الحديثة؟
التراثُ، ليس مادةً هشَّةً. حين نثقُ به، يمكننا أن نُجرِّبه بلا خوفٍ. التقنيَّةُ عندي أداةٌ لا غاية.
ما الرسالةُ التي تحرصُ على إيصالها عبر حضورِ النخلةِ في لوحاتك؟
الجذورُ لا تمنعُ الحركة، بل تمنحها معنى.
ماذا تقولُ للفنَّانين الشباب الذين يستلهمون من الرموزِ التراثيَّةِ في أعمالهم؟
لا تنظروا إلى الرمزِ بوصفه صورةً جاهزةً، بل بوصفه سؤالاً مفتوحاً. التراثُ، ليس خلفكم، بل داخلكم.
Loading ads...
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

زهرة الخليج - كريمات الكولاجين.. موضة أم حل فعلي؟
منذ دقيقة واحدة
0

من التأسيس إلى الرؤية.. سردية الدولة التي تُقرأ
منذ ساعة واحدة
0

منال الحصيني
منذ ساعة واحدة
0

