6 أشهر
ما قبل "ردع العدوان".. كيف كان اليأس يخيم على مناطق الشمال المحرر؟
الخميس، 27 نوفمبر 2025
تحل الذكرى السنوية الأولى لانطلاق عملية "ردع العدوان"، وتليها بأيام ذكرى تحرير سوريا، لا بوصفهما مجرد مناسبتين للاحتفال بالنصر أو طي صفحة أربعة عشر عاماً من العذاب في الثورة السورية ضد نظام وصف بالفاشي، ولا باعتبارهما فرصة لاستعراض ما تحقق خلال عام كامل من إنجازات على مختلف الصعد، بل تأتيان قبل كل شيء كمحطة لاستحضار تلك اللحظات الثقيلة التي سبقت العملية العسكرية الكبرى، تلك التي انطلقت في 27 من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وكانت نقطة تحول فارقة في تاريخ الشمال المحرر وسوريا بأكملها.
في ذلك الوقت، كان السوريون محاصرين في بقعة جغرافية صغيرة في أقصى الشمال الغربي، في المناطق التي يصفها أهلها والثوار بأنها "الشمال المحرر" والتي تضم ريف حلب الشمالي وأجزاء واسعة من محافظة إدلب، بينما كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها قتامة منذ انطلاق الثورة في عام 2011.
يأس يتسلل وصورة قاتمة للمستقبل
قبيل المعركة، سيطر شعور باليأس على الناس مع كل يوم يمر بلا تغيير، في ظل تصاعد الخطوات الخارجية الهادفة للتطبيع مع النظام المخلوع، ثقة الأهالي بالفصائل والإدارات المحلية، والحكومتين المؤقتة والإنقاذ، كانت في حدودها الدنيا، بعدما بدت عاجزة عن حماية المدنيين أو تحسين واقعهم اليومي، أو على الأقل التعالي عن خلافاتها البينية المستمرة والانخراط في جسم معارض موحد.
كانت القرى والبلدات تتلقى الضربات بين الحين والآخر، في حين تطوق خطوط اشتباك طويلة مناطق الشمال المحرر بحشود ضخمة من قوات النظام والمليشيات، بالتوازي، كانت دعاية النظام وحلفائه تروج لانتصاره وقرب القضاء على الثورة، وتسوّق لمعركة “أخيرة” تنهي حلم التحرر بالكامل.
الأشهر التي سبقت "ردع العدوان" كانت مليئة بإشارات تؤكد أن الشمال المحرر ذاهب نحو المجهول، هذا أقل ما كان يشعر به الأهالي، كانوا يحاولون التأقلم مع الاحتمالات القاتمة، في لحظة بدا فيها الشمال على مفترق طرق يبحث عن بارقة أمل تعيد ترتيب موازين القوى وتخفف وطأة الخوف الذي خيّم على يوميات الناس، حتى جاءت المعركة التي كانت صدمة ومفاجأة، غيرت ملامح الشمال برمته.
شهادات من الميدان.. استرجاع أيام اليأس
استطلع موقع تلفزيون سوريا آراء ناشطين وصحفيين وثوار من اختصاصات مختلفة كانوا في مناطق الشمال المحرر، لاسترجاع تفاصيل تلك الفترة السوداء السابقة للتحرير، وكيف كان اليأس سيد الموقف قبل أن تنقلب المعادلات.
الأشهر الثقيلة، قلق وضبابية وخوف من الانهيار هكذا وصف أبو الحكم شعوره قبيل انطلاق معركة التحرير بأشهر قليلة، قال لموقع تلفزيون سوريا: "مع اقتراب الذكرى الأولى لمعركة ردع العدوان، ومن ثم مناسبة التحرير وسقوط النظام المخلوع، يعود بنا الزمن إلى تلك الأشهر الثقيلة التي سبقتها، حين كان الشمال المحرر يعيش حالة من القلق والضبابية، وكأن المستقبل قد أُغلق في وجهه، المعركة لم تكن مجرد حدث عسكري، بل نقطة تحول في الوعي الجمعي، إذ نقلت الناس من شعور بالخذلان إلى يقين بأن الثورة محقة، وعظيمة، وأن إرادة الصمود قادرة على قلب الموازين".
ويضيف: "النظام وحلفاؤه كانوا يلوحون بالتصعيد، ومع كل قصف كانت المخاوف تتجدد من انهيار خطوط الدفاع، كثير من الأهالي كانوا يتهيؤون لسيناريو نزوح جديد، وكأن مأساة أخرى تلوح في الأفق".
يتابع أبو الحكم: "محاولات التطبيع مع النظام في بعض الدول خلقت شعوراً عميقاً بالخذلان، وكأن العالم قرر طي صفحة الثورة، في المجالس، كان سؤال موجع يتكرر: هل انتهت الثورة؟ هل سيُفرض علينا القبول بالنظام؟ كانت هذه الكلمات تعكس حالة نفسية جماعية مثقلة بالهم".
وأوضح أبو الحكم أنه وبرغم المناخ القاتم، بدأت تظهر بوادر خفية تشير إلى أن شيئاً ما يُحضر، يقول: "التحركات العسكرية، الخطاب المتصاعد عن ضرورة الرد، والهمسات في المجالس بأن الميدان سيتكلم قريبا، كلها بثت شرارة أمل وسط الظلام". يضيف: "الناس شعروا أن الشمال لن يسلم، وأن معركة قادمة ستعيد التوازن، وحين اندلعت المعركة، لم تكن مواجهة عسكرية فقط، بل إعلاناً بأن الشمال قادر على الدفاع عن نفسه". ويختم: "كثيرون لم يتوقعوا أن تكون نتائج المعركة بهذا الحجم، لقد أعادت للناس شعور الانتماء والثقة بأن الثورة لم تنتهِ".
الصحفي السوري محمد هنداوي قال لموقع تلفزيون سوريا إن الأشهر القليلة التي سبقت معركة التحرير كانت "ثقيلة جداً" على السوريين في الشمال المحرر، من شمال حلب حتى إدلب، بسبب محاولات تعويم النظام عربياً ودولياً، "الشعور العام كان شعوراً بالخذلان، وكأن نهاية الثورة اقتربت"، يقول هنداوي: "المهجرون شعروا بأنهم قد لا يرون منازلهم مرة أخرى، وأن النظام الوحشي باق، وأن تضحياتهم عبر 14 عاماً ذهبت أدراج الرياح".
يضيف هنداوي: "الحالة التي عاشها الناس كانت طبيعية، فهي نتيجة سلسلة خسارات لم تكن في صالح الثورة، بل في صالح النظام وحلفائه". ومع ذلك، يشير إلى أن شريحة واسعة من مقاتلي الفصائل كانت تؤمن بالنصر وتعمل لتغيير المعادلة، رغم كل الظروف.
يقول هنداوي إن الفترة التي سبقت المعركة شهدت اجتماعات عديدة بين القادة وفعاليات المجتمع المدني "القلق كان سيد الموقف، كانت هناك خشية من أن أي معركة قد تقابل برد عنيف من النظام يخلف مجازر مروعة، خاصة مع الاكتظاظ السكاني في الشمال". ويضيف: "الحرب الإسرائيلية على غزة آنذاك عمّقت مخاوف الناس من احتمال تكرار توحش مشابه في سوريا".
رغم كل ذلك، كان هناك تيار واسع يرى أن المبادرة بالهجوم خيار لا بد منه، في ظل حالة اليأس وانعدام الخيارات، وكان رأياً صائباً، وفق هنداوي، إذ غير وجه سوريا إلى الأبد، ووضع حداً لواحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث، المذبحة الممتدة لأربعة عشر عاماً ضد السوريين.
قال المحامي عثمان الخضر ظننا أننا وصلنا إلى آخر الطريق، جمود طويل ويأس متراكم، يضيف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "شعرنا في الشمال المحرر أننا وصلنا إلى آخر المطاف عام 2024، منذ الحملة الكبيرة للنظام المخلوع وحلفائه عام 2019، التي سيطر فيها على ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي وريف حلب الجنوبي حتى حدود الأتارب، لم نعش معارك كبرى بعدها، بل عمليات محدودة هنا وهناك". ويضيف: "هذا الركود الطويل أصابنا باليأس وجعلنا نشعر أن التحرير بعيد، وأن الأيام تمضي بلا أمل".
يتابع الخضر: "عندما بدأ الحديث عن معركة جديدة، اعتقدنا أنها ستكون محدودة كالعادة، وربما نخسرها، ما يعني سنوات أخرى دون التفكير بأي عمل عسكري، كثيرون كانوا يرجحون أن تكون وجهة العمليات نحو حلب فقط، ولم يكن أحد يتخيل أن تمتد إلى دمشق، وأن ينهار النظام بهذه السرعة".
ويواصل: "استمر الحديث عن المعركة شهوراً، بين تأجيل وانتظار للوقت المناسب، حتى دقت ساعة الصفر، انطلق الشمال المحرر بحماس هائل، وكان فتح حلب بداية السلسلة التي وصلت بنا إلى حماة وحمص ثم إلى دمشق العاصمة".
يقول الخضر: "ما زلنا في حالة صدمة حتى الآن، كأنه حلم بعد سنوات من المعاناة والتهجير، أثبتنا للعالم أن إرادة الشعب لا تكسر، وأن القدر يستجيب لمن صبر وناضل، ومع اقتراب الذكرى الأولى للتحرير، تعود تلك اللحظات وكأنها حدثت أمس، بفرحها وسرورها، نأمل تعافي الوطن الجريح وانضواء كل مكوناته تحت ظله".
من قلب اليأس ولدت المعركة
قبل "ردع العدوان"، كان الشمال المحرر يعيش على أنفاسه الأخيرة، محاصراً بالخوف، محاطاً بخذلان العالم، ومثقلًا بالهجمات والتطبيع والآلام، لكن خلف تلك الصورة القاتمة، كانت روح الثورة تختبئ تحت الرماد، تنتظر لحظة اشتعال جديدة، وحين دقت ساعة الصفر، انقلبت المعادلة، وتحول اليأس إلى قوة دافعة، والخوف إلى جرأة، والضباب إلى يقين بأن الثورة ما زالت تنبض، لقد كانت معركة غيرت خريطة سوريا ومسار تاريخها، وأعادت للأهالي ثقتهم بأنفسهم وبثورتهم وبقدرتهم على صناعة مستقبل لا يمليه عليهم أحد.
قالت الباحثة الاقتصادية علياء الأحمد لموقع تلفزيون سوريا: "في مثل هذا اليوم قبل عام، كانت أمي تتحدث إلي وهي قلقة من إشاعة قوية تفيد بأن النظام سيهاجم ريف حلب الغربي، كان أهلي وأعمامي وأخوالي جميعهم في حالة استنفار، يستعدون للمبيت خارج منازلهم، في حين بدأت حركات نزوح جديدة تعيد إلى الذاكرة مشاهد الفوضى والخوف، كنت أحاول طمأنة أمي بأن الأمر مجرد إشاعات، وأن شيئاً لن يحدث بإذن الله، لكن قلبي كان يشتعل قلقاً، فالنزوح الكبير عام 2019 لم يكن سهلاً على أحد، كان بمثابة ثوب من النار ارتداه كل نازح ومهجر من ريف حلب الغربي إلى ريف حلب الشمالي".
وتضيف: "قبل أن تُنهي أمي الاتصال، قالت جملة ما زالت ترنّ في أذني حتى اليوم: نحن بالتفكير، ورب العالمين بالتدبير؛ كانت كلماتها بمثابة ما تبقى لنا من طمأنينة وسط العاصفة".
وتتابع الأحمد: "دعوات العالم للمصالحة مع نظام الأسد، وحجم الضغط الدولي على أهل المحرر لإبرام صفقة تعيد تدوير النظام وتعويمه، كانت صادمة، لكن رد الثوار جاء سريعاً وقوياً عبر مظاهرات عارمة في أكثر من منطقة، وتأكيد جماعي على الاستمرار في النضال، كان شعور الناس مزيجاً غريباً من اليأس والإحباط من جهة، والأمل والإصرار من جهة أخرى، كنا حرفياً في مواجهة المجهول".
وتختم الأحمد شهادتها بقولها: "عندما بدأ الثوار معركة التحرير وسيطروا على قبتان الجبل، كنت أتابع فيديوهات التقدم ولم أصدق ما أراه، شعرت بأنني في حلم لا أريد الاستيقاظ منه، أيقنت حينها أن العناية الإلهية قد نزلت، وأن رحمة الله شملت الشمال المحرر، وأن ذلك المجهول الذي كنا نخافه تحول إلى نصر وتحرير وانهيار مذل للنظام المجرم".
ومع اقتراب الذكرى الأولى للتحرير، يعود السوريون إلى تلك اللحظات التي سبقت معركة ردع العدوان، ليسترجعوا مقدار الهوة التي فصلت بين مرحلة اليأس التي خيمت على الشمال المحرر حينها، ومرحلة التحول الجذري التي أحدثتها المعركة لاحقاً، فما كان قبلها يعد بحق إحدى أكثر الفترات قتامة منذ انطلاق الثورة، إذ تزامنت الضغوط الدولية للتطبيع مع النظام، وانسداد الأفق السياسي، وتراجع ثقة الناس بقدرة الفصائل والإدارات على حماية ما تبقى من الأرض والناس، كان كل شيء يشير إلى أن الثورة تقترب من نهايتها، وأن الشمال يمضي نحو مصير مجهول.
لكن ما حدث بعد ذلك قلب المعادلة كاملة، فقد أثبتت المعركة أن الثورة لم تكن جثة تنتظر الدفن كما روج النظام وحلفاؤه، بل كانت قوة كامنة تنتظر لحظة الاشتعال، أثبتت أن الإرادة الشعبية حين تتلاقى مع العمل المنظم تستطيع أن تغير الموازين، وأن ما يعتقده بعضهم مستحيلاً قد يتحقق في يوم واحد، ولعل هذا ما يجعل ذكرى التحرير اليوم أكثر من مجرد حدث، إنها تذكير بأن الخوف ليس قدراً، وأن الشعوب التي تتمسك بحقها في الحياة قادرة على صناعة مفاجآت تتجاوز حدود التوقعات.
Loading ads...
وهنا يبرز سؤال لا بد من طرحه: إن كان ما قبل "ردع العدوان" يمثل أسوأ لحظات الثورة وأكثرها قسوة وظلمة، فماذا يمكن أن ينجزه السوريون حين يجتمع الأمل بالإرادة، وحين تتلاقى رغبة التحرر مع قدرة الفعل؟ ما الذي قد يحدث حين يكتب الميدان فصله الجديد، ليس بانتظار العالم ولا بإذن أحد، بل بقرار شعب يرفض أن تمحى ثورته أو يطوى تاريخه؟ قد تحمل السنوات المقبلة الإجابة، لكن ما أثبته يوم المعركة وصولاً إلى التحرير، هو أن السوريين، حين يقررون، قادرون على قلب الصفحة، وتغيير المشهد، وإعادة رسم مستقبل يليق بتضحياتهم ودمائهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

