لم يخرج السوريون من الحرب بخير، بل خرجوا منها أحياء فقط، ربما كانت النجاة ضرورةً بيولوجية، وردّة فعل غريزية في وجه الموت، لكنها لم تكن يوماً نهاية الألم. فالنجاة في معناها الأعمق، لا تُقاس بعدد الذين بقوا على قيد الحياة، بل بقدرتهم على استعادة أنفسهم، وعلى الشعور بأنهم ما زالوا ينتمون إلى ذواتهم، لا إلى ما حدث لهم.
إن ما يُسمّى تعافياً اليوم، قد لا يكون سوى شكلٍ مهذّب من أشكال التكيّف الصامت مع خسارات لم تُفهم بعد، مع ذاكرة لم تُروَ، ومع واقعٍ فُرض كأمر واقع. كأن السوريين لم يُمنحوا الوقت الكافي للحزن، ولا المساحة للاعتراف بما فقدوه، بل طُلب منهم بشكلٍ أو بآخر، أن يتابعوا الحياة كما لو أن شيئاً لم يكن، أن يعملوا ويربّوا ويبتسموا، ويخفوا تحت ذلك كله تعباً لم يجد لغته للسرد بعد.
في هذا السياق، يبدو التفريق بين "التعافي" و"التعايش" ضرورة حالّة لا ترفاً لغوياً، فالتعافي عملية داخلية معقّدة، تتطلب المرور عبر الألم، لا القفز فوقه. وهو يحتاج إلى اعتراف وإلى وقت، وإلى بيئة تعطي الحق للإنسان بأن ينهار، وأن يعيد بناء نفسه من دون استعجال. أما التعايش، فهو أقرب إلى تسوية مؤقتة مع الواقع؛ لا يُشترط فيها فهم ما حدث، ولا يَعِدُ بتجاوزه، بل يكتفي بإمكانية الاستمرار على الرغم من كل شيء.
من الناحية النفسية والعصبية، لا تمرّ الصدمات الكبيرة من دون أن تترك أثراً عميقاً، فالجهاز العصبي، حين يتعرّض لتهديد مستمر، يعيد ضبط نفسه على حالة تأهّب دائمة، وكأن الخطر لم ينتهِ بعد. وهذا ما يفسّر شعور كثيرين بالقلق حتى في لحظات الأمان، أو صعوبة الاسترخاء، أو التوتر غير المفهوم في مواقف عادية.
لا يمكن الحديث عن تعافٍ حقيقي في غياب العدالة، ليس فقط بمعناها القانوني، بل أيضاً بمعناها الرمزي: بالاعتراف بما حدث، وتسمية الأشياء بأسمائها، وإعطاء الضحايا حقهم في أن تُروى قصصهم.
الذاكرة أيضاً لا تعمل كما كانت؛ فبدل أن تُخزَّن الأحداث بشكل متسلسل، تبقى بعض التجارب الصادمة مجزّأة، حاضرة كصور أو مشاعر مفاجئة، تظهر من دون إنذار واضح. وهذا لا يعني ضعفاً فردياً، بل هو طريقة الدماغ في محاولة حماية نفسه من عبء التجربة.
ومع الوقت، قد يتحوّل هذا النمط إلى جزء من الحياة اليومية، فيعتاد الإنسان على القلق، أو على الانفصال الجزئي عن مشاعره، أو على مراقبة العالم بحذر زائد. وهنا تحديداً يصبح التمييز بين الطبع والأثر صعباً؛ فما يبدو كسمات شخصية، قد يكون في الحقيقة بقايا تجربة لم تُستكمل معالجتها بعد.
يحيلنا هذا إلى أن كثيراً من السوريين اليوم لم يتعافوا تماماً، بل تعايشوا، مع ذاكرة مشوشة وصور لا تختفي. وتعايشوا مع فكرة أن ما حدث قد لا يُروى يوماً كما يجب، وأن العدالة قد تبقى مؤجلة إلى أجل غير مسمّى. لقد اختاروا التعايش والاستمرار لأن الانهيار الكامل له كلفته باهظة وهو ليس خياراً متاحاً في حياةٍ لا تحتمل التوقّف، لكن هذا التعايش على الرغم من ضرورته، لا يخلو من كلفة هو الآخر.
إن أي تجربة قد يمر بها الإنسان لا تتبخر، فكيف إذا كانت تجربة قاسية متل التي عاشها السوريون، والتي يبدو أن نتائجها ممتدة حتى اللحظة الراهنة في حياتهم اليومية، وكيف يمكن أن يعيش الإنسان حياة طبيعية بعد سنوات من الاضطراب أو أن يقترب من التعافي؟
قد يعتقد البعض أن ذلك يكون بالعودة إلى العمل أو الدراسة أو بتأسيس عائلة، لكن مع الوقت يتوضح أنها مجرد محاولات لبناء واقع جديد في محاكاة لواقع السابق ومحاولة التعايش معه، يتعلم فيه الإنسان كيف يتجنّب ما يؤلمه، ويخفّف حدّته.
لا يقتصر ما نتكلم حوله على الأفراد، ذلك أن المجتمع السوري كاملاً يحاول إعادة تشكيل نفسه تحت الضغط، لكن ذلك يترك أثره أيضاً فيغير منظومة القيم ويبدل الأولويات، وتتراجع بعض المعايير الأخلاقية أمام ضرورات البقاء في لحظات الخطر، وتصبح النجاة هي القيمة العليا، حتى لو جاءت على حساب أشياء كانت تُعتبر أساسية سابقاً.
وهنا لا يمكن أن نطلق حكم قيمة بقدر ما يجب علينا توصيف الحالة فحسب، وذلك لا يعني أن المجتمع تدهور بقدر ما يعني أنه تأقلم مع شروط قاسية، لكن هذا التأقلم نفسه يحتاج لاحقاً إلى مراجعة، فالقيم التي تُبنى في زمن الحرب لا تصلح دائمًا لزمن السلم، والعلاقات التي تشكّلت تحت الضغط قد لا تصمد عندما تتغيّر الظروف.
وعلى الرغم من أن الهجرة خيارٌ للنجاة، لكنها لا تعني بالضرورة بداية جديدة خالية من الأعباء، على العكس، قد تفتح سلسلة جديدة من الأسئلة عن الهوية والانتماء، إذ ليس من السهل أن يبدأ الإنسان من الصفر، وهو يحمل كل هذا التاريخ معه، ولا أن يطلب منه أن يتجاوز ما لم يُمنح فرصة لفهمه أصلاً.
لا يمكن الحديث عن تعافٍ حقيقي في غياب العدالة، ليس فقط بمعناها القانوني، بل أيضاً بمعناها الرمزي: بالاعتراف بما حدث، وتسمية الأشياء بأسمائها، وإعطاء الضحايا حقهم في أن تُروى قصصهم، وحين تغيب هذه العناصر، يصبح التعافي مهمة فردية شبه مستحيلة، يُترك فيها الإنسان ليواجه ذاكرته وحده، من دون إطار يساعده على فهمها أو احتوائها.
إلى جانب الألم الواضح الذي يعيشه السوريون في حيواتهم اليومية، ثمّة شعورٌ أقلّ ظهوراً، لكنه أكثر تعقيداً: إنه شعور بالذنب، هو خفي لكنه يرافق كثيراً من الناجين، من دون أن يُقال صراحة، وهو ليس ذنباً ناتجاً عن خطأ، بقدر ما هو شعور بالعجز لعدم إمكانية إنقاذ الآخرين، وإحساس الناجي بنفسه بأنه ليس بريئاً تماماً لأنه جزء من الاختلال الأخلاقي غير المفهوم.
قد يحاول بعضنا تجاوز هذا الإحساس عبر مضاعفة الجهد بالعمل أكثر، كمحاولة تعويضية عن خسارة لم نكن طرفاً فيها، وكأن الاستمرار يجب أن يكون مبرَّراً، بينما يحاول بعضنا الآخر من دون وعي الانزواء فيدخل في حالة اكتئابية يتجنّب فيها الفرح الكامل، والبقاء في منطقة وسطى لا تتطلب مواجهة هذا التناقض، لأنه لا يمتلك رفاهية التأقلم مع العالم بعد كل الأهوال التي رآها.
وعلى الرغم من أن النجاة كانت فردية وأن لكل حالة سياقها، لا يبدو أن الإحساس بالذنب هنا يحتاج إلى معالجة فردية فقط، بل إلى سياق أوسع يعيد ترتيب المعنى وإلى رواية جماعية تعترف بأن النجاة لم تكن خياراً، وأن البقاء ليس امتيازاً يُحاسب عليه صاحبه، بل نتيجة لظروف لم تكن عادلة أصلاً.
يبدو أن التعافي التام ليس قراراً فردياً ولا يمكن أن يحدث من تلقاء ذاته أو مع الوقت، بل إنه سيتخذ مساراً طويلاً ومتعرّجاً، ويحتاج إلى بيئة أكثر عدلاً، وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى التعايش هو الخيار الأكثر واقعية صحيح أنه خيارٌ غير مثالي، لكنه على الأقل ممكن.
السؤال الحقيقي ليس بسيطاً إذاً، ويبدو سؤال "هل نجا السوريون؟" بتجرده سطحياً وفجاً وغير ناضج، والإجابة بنعم لا تعني سوى المعنى البيولوجي للكلمة، لكن النجاة، إذا فُهمت كاستعادة للحياة بمعناها الكامل، فما تزال غير مكتملة.
يقف السوريون اليوم في منطقة رمادية بين التعافي والتعايش، ليسوا كما كانوا، ولم يصبحوا بعد ما يمكن أن يكونوا عليه، يحملون حياتهم على أكتافٍ تعبت، ويكملون مسيرهم لأنهم يسيرون في مسار إجباري لا عودة منه.
من نافل القول أنه في مكانٍ آخر من هذه الحكاية، يكبر جيلٌ لم يعرف الحرب كحدثٍ طارئ بل كخلفية دائمة للحياة، أطفالٌ تعلّموا مبكراً معنى الخوف، الفقد، وعدم اليقين، وهذا الجيل لا يعرف شيئاً عن شكل الحياة قبل الحرب لقد عاش في داخلها فقط وهو مضطر اليوم للتعايش مع ما بعدها، قد لا تبدو آثار ذلك واضحة الآن، لكنها تتشكّل بهدوء في طريقة فهمهم للعالم، في إحساسهم بالأمان، وفي توقعاتهم من الحياة.
في النهاية، لا يمكن اختصار تجربة السوريين بسؤالٍ واحد، ولا الإجابة عنها بنعم أو لا، فالنجاة حدثت، نعم، لكنها لم تكن كاملة. والتعافي، إن وُجد فهو جزئي ومتقطّع، وغير متاحٍ للجميع بالقدر نفسه.
Loading ads...
إن ما يحدث اليوم أقرب إلى محاولة مستمرة لتنظيم الحياة حول ما لا يمكن إصلاحه بسهولة، محاولة للعيش لا كما كان ينبغي أن تكون الحياة، بل وفق الشروط الممكنة والمتاحة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

