4 أشهر
بين فشل السلاح وضرورة الدولة.. قراءة في تجربة "العمال الكردستاني" وسياقها السوري
الثلاثاء، 13 يناير 2026
تُظهر التجربة الطويلة لـ"حزب العمال الكردستاني" في تركيا حدود العمل المسلح، حين يتحوّل من أداة ضغط سياسي إلى غاية بحد ذاته، ويكشف كيف يمكن لقضية قد تكون عادلة في أصلها أن تُفرغ من مضمونها الإنساني، حين تُختزل في صراع عسكري مفتوح لا نهاية له.
فمنذ انخراط الحزب في مواجهة مسلّحة طويلة مع الدولة التركية، دخلت القضية الكردية هناك في نفق دموي عميق، لم يؤدِّ إلى تحقيق الحقوق السياسية أو الثقافية التي طُرحت باسمه، بل أسهم في تكريس مناخ أمني معقد دائم وعمّق الانقسام داخل المجتمع، وحول مناطق كاملة إلى ساحات استنزاف بشري واقتصادي، كانت الكلفة الأكبر فيها من نصيب المدنيين والعناصر الشابة التي زُجّ بها في معارك خاسرة، في حين راكمت قيادات محدودة نفوذاً سياسياً ومصالح مالية وشبكات علاقات عابرة للحدود.
إسقاط التجربة التركية على الواقع السوري يمثل قراءة خاطئة وليست صحية سياسياً في آن معاً، فالأكراد في سوريا عاشوا تاريخاً مختلفاً، صحيح أنهم تعرضوا لسياسات تمييز وتهميش، لكنهم لم يكونوا الاستثناء الوحيد في دولة حكمها الاستبداد..
إنّ هذا المسار، الذي انتهى عملياً إلى فشل سياسي واضح داخل تركيا، يفسّر محاولات الحزب المتكررة لإعادة إنتاج نفسه في ساحات أخرى، وعلى رأسها سوريا، ليس استناداً إلى خصوصية الحالة السورية أو حاجات الأكراد السوريين، بل بدافع الحفاظ على البنية التنظيمية والمصالح التي نشأت خلال عقود الصراع.
غير أن إسقاط التجربة التركية على الواقع السوري يمثل قراءة خاطئة وليست صحية سياسياً في آن معاً، فالأكراد في سوريا عاشوا تاريخاً مختلفاً، صحيح أنهم تعرضوا لسياسات تمييز وتهميش، لكنهم لم يكونوا الاستثناء الوحيد في دولة حكمها الاستبداد، بل شاركهم العرب وغيرهم من المكوّنات السورية المعاناة نفسها من القمع السياسي ومن غياب الحريات واحتكار السلطة والثروة من قبل نظام الأسد البائد.
ولذلك فإنّ تحويل القضية الكردية في سوريا إلى نسخة عن الصراع في تركيا لا يخدم الأكراد ولا السوريين عموماً، بل يعيد إنتاج منطق الإقصاء والعنف، ويزرع الشكوك بين المكونات في لحظة تاريخية تحتاج فيها البلاد إلى أعلى درجات التفاهم الوطني وبناء الثقة.
الرهان على الخارج يسوق إلى خيبات
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن هناك تقديراً سياسياً وثقافياً للكرد في العديد من العواصم المؤثرة ، لكن هذا الواقع يجب أن يُقرأ بوعي سياسي عميق، فالدعم الخارجي لا يكون في الغالب دعماً مطلقاً لحقوق الشعوب بقدر ما هو توظيف مؤقت لبعض الأطراف التي تدّعي تمثيل مظلومية شعب ما، ويكون هذا الدعم في سياقات جيوسياسية متغيرة.
وقد أثبتت تجارب المنطقة أن الرهان على الخارج، حين ينفصل عن مشروع وطني جامع غالباً ما ينتهي إلى خيبات قاسية، تُدفع أثمانها من دماء المجتمعات المحلية واستقرارها، في حين تبقى القيادات التي تدّعي تمثيل مظلومية الشعب بعيدة عن المحاسبة، محمية بتوازنات إقليمية ودولية متقلبة ومستعدة لحمل ثروتها والهروب إلى عواصم الدول الأوروبية لممارسة حياتهم الطبيعية من دون أي مبالاة.
في هذا الإطار، تبرز مسؤولية السوريين جميعاً في التعامل مع المرحلة الانتقالية بوصفها فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
الدولة السورية اليوم، بكل ما تحمله من هشاشة وتحديات، تحتاج إلى أن تُمنح المساحة الكافية لتجاوز إرث العنف والانقسام، ولبناء عقد اجتماعي حديث يضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، من دون تمييز قومي أو ديني أو سياسي.
حقوق الأكراد في سوريا لا تتعارض مع حقوق العرب أو غيرهم، بل تتكامل معها في إطار دولة القانون والمواطنة، حيث تُحمى اللغة والثقافة والهوية عبر الدستور والمؤسسات، لا عبر السلاح والتنظيمات العابرة للحدود.
التجربة التركية مع "حزب العمال الكردستاني"
إن التجربة التركية مع "حزب العمال الكردستاني" تقدم درساً بالغ الوضوح وتؤكد على أن السلاح لا يصنع حلاً دائماً بل يؤجل الانفجار فقط، بل ويضاعف كلفته لذلك، فإن منع تغلغل هذا الحزب شعبياً في سوريا لا يعني استهداف الأكراد أو إنكار مظلومياتهم، بل على العكس، هو خطوة ضرورية لحمايتهم وحماية المجتمع السوري بكامله من مسار دموي أثبت فشله.
كشف الصورة الحقيقية لهذا التنظيم، بوصفه مشروعاً عسكرياً استنزافياً يخدم مصالح قيادات ضيقة أكثر مما يخدم الشعوب، هو واجب سياسي وأخلاقي، شرط أن يترافق ذلك مع خطاب واضح وصادق يؤكد الحرص الكامل على حقوق الأكراد، تماماً كما يحرص السوريون على حقوقهم التي سُلبت منهم جميعاً لعقود طويلة تحت حكم الاستبداد.
وللمفارقة، في اللحظات التي انتقلت فيها المطالب الكردية من ساحات القتال إلى المجال السياسي والمؤسساتي، استطاع الأكراد في تركيا تحقيق جزء كبير من الحقوق التي عجز السلاح عن انتزاعها طوال عقود من الحرب منذ ثمانينيات القرن الماضي.
الاعتراف النسبي بالهوية الثقافية، وتوسيع هامش استخدام اللغة الكردية في المجال العام، وفتح المجال أمام التمثيل السياسي للأكراد داخل البرلمان والإدارة المحلية، كلها مكاسب تحققت حين أصبح الحوار والسياسة أدوات الضغط لا حين كانت البندقية هي اللغة الوحيدة السائدة.
هذه التجربة تؤكد أن العمل العسكري رغم كلفته البشرية الهائلة، لم يكن هو الطريق الذي قاد إلى هذه الحقوق، بل على العكس، فإن تجميد العنف وتقدّم الفعل السياسي هو ما فرض وقائع جديدة على الدولة، وفتح مساحات كان من المستحيل الوصول إليها في ذروة الصراع المسلح.
مسار الحلول السلميّة
وتصبح الحاجة إلى هذا المسار أوضح عند مقارنة الحالة السورية بتجارب أقرب جغرافياً وسياسياً، حيث أظهرت صراعات طويلة أن عسكرة الهويات القومية أو الطائفية لم تنتج حلولاً مستدامة.
ففي العراق، أدّى تسييس الهويات وتحويلها إلى أطر مسلحة بعد سقوط الدولة المركزية إلى إضعاف فكرة المواطنة، وفتح المجال أمام صراعات داخلية أنهكت المجتمع، في حين بقيت الحقوق الحقيقية للمكوّنات مرهونة بموازين القوة لا بضمانات دستورية، ما جعل الدولة رهينة للتنظيمات لا العكس.
وفي لبنان، ورغم خصوصية تجربته، فإنّ استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة (ميليشيات حزب الله) بحجة حماية جماعاتها أدى عملياً إلى شلل سياسي دائم، وعطّل بناء دولة عادلة قادرة على تمثيل مواطنيها بالتساوي.
أمّا في السودان، فقد أفضى الاعتماد الطويل على الحركات المسلحة كوسيلة لانتزاع الحقوق إلى تفكك الدولة نفسها، حيث لم يؤدِّ انفصال الجنوب ولا عسكرة الأقاليم الأخرى إلى إنهاء المظالم، بل فتح أبواباً جديدة للصراع والانقسام، وأعاد إنتاج العنف بأشكال أكثر تعقيداً.
وهي خلاصة ينبغي أن تؤخذ بجدية في سوريا، حيث إن حماية حقوق الأكراد، كما حقوق العرب وسائر المكونات، لا يمكن أن تتحقق عبر استنساخ نماذج أثبتت فشلها في دول مجاورة، بل عبر إعادة بناء الدولة السورية نفسها على أساس عقد اجتماعي عادل..
وتشير هذه التجارب القريبة من الوجدان السوري إلى أنّ غياب الدولة الجامعة، أو إضعافها لصالح تنظيمات مسلحة، لا يحمي الحقوق بل يبددها، وأن تحويل المظلومية إلى مشروع عسكري دائم يمنح القيادات المسلحة سلطة تفوق سلطة المجتمع ذاته.
وهي خلاصة ينبغي أن تؤخذ بجدية في سوريا، حيث إن حماية حقوق الأكراد، كما حقوق العرب وسائر المكونات، لا يمكن أن تتحقق عبر استنساخ نماذج أثبتت فشلها في دول مجاورة، بل عبر إعادة بناء الدولة السورية نفسها على أساس عقد اجتماعي عادل، يمنع الاحتكار المسلح للهوية، ويضع الحقوق في يد القانون لا في يد البندقية.
ختاماً، لا يقف السوريون اليوم أمام صراع قومي، بل أمام خيارين سياسيين متناقضين: إما السير نحو دولة مدنية جامعة، تتسع لكل أبنائها وتطوي صفحة السلاح خارج المؤسسات، أو السماح بإعادة تدوير مشاريع مسلحة أثبت التاريخ القريب أنها لا تنتج إلا مزيداً من الدماء والانقسامات.
Loading ads...
لكن يحب إدراك إن الانحياز للدولة وللعقد الاجتماعي ولحقوق متساوية تحمي الجميع، هو الطريق الوحيد القادر على حماية الأكراد والعرب معاً، ومنع تكرار المآسي التي عاشتها شعوب المنطقة باسم قضايا عادلة أُفرغت من مضمونها الإنساني.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




