14 أيام
تركيا بين الحرب الإيرانية والتحدي الكردي.. لماذا تتحرك أنقرة الآن؟
الإثنين، 9 مارس 2026
في السياسة لا تتحرك الدول الكبرى وفق ردود الفعل فقط، بل وفق قراءة مبكرة لمسارات الأحداث. وعند النظر إلى الخطوات التي اتخذتها أنقرة خلال العام الأخير، يتضح أن الحكومة التركية لم تكن تتعامل مع التطورات الإقليمية بوصفها أحداثا منفصلة، بل كجزء من مسار استراتيجي طويل يتطلب استشرافًا سياسيًا مبكرًا. وهذا ما يفسر إطلاق مسار "تركيا بلا إرهاب" قبل نحو عام، وهو مسار لم يكن موجّهًا فقط لمعالجة الملف الكردي داخل تركيا، بل كان في جوهره محاولة استباقية لتحييد أحد أخطر الملفات التي قد تُستخدم لاحقًا في الصراعات الإقليمية.
لقد علمت التجربة التركية خلال العقود الماضية صُنّاع القرار في أنقرة أن الجماعات المسلحة الكردية كثيرًا ما تتحول إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى في المنطقة. فبعد أن استُخدمت هذه الجماعات في سوريا والعراق ضمن سياقات متعددة، كان واضحًا بالنسبة إلى صُنّاع القرار الأتراك أن السيناريو نفسه قد يتكرر في إيران إذا ما تصاعدت المواجهة بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا يمكن فهم الحساسية التركية المتزايدة تجاه تحركات جماعة حزب الحياة الحرة الكردستاني المعروفة باسم بيجاك، والتي تُعد فرعًا إيرانيًا مرتبطًا تنظيميًا وفكريًا بـ حزب العمال الكردستاني.
تركيا تدرك أن أي دعم غربي للمجموعات الكردية المسلحة داخل إيران لن يبقى محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية، بل قد ينعكس مباشرة على التوازنات في العراق وسوريا وحتى داخل تركيا نفسها.
التقارير الأمنية والإخبارية التي تحدثت عن متابعة تركيا لتحركات هذه الجماعة لم تأتِ من فراغ. فأنقرة تنظر إلى بيجاك ليس كتنظيم محلي داخل إيران فحسب، بل كامتداد لشبكة تنظيمية عابرة للحدود تمتد من جبال قنديل إلى سوريا والعراق. ومن هذا المنطلق أعربت وزارة الدفاع التركية عن قلقها من أنشطة هذا التنظيم، معتبرة أن تحركاته لا تشكل تهديدًا لإيران وحدها، بل قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. ويعكس هذا الموقف إدراكًا تركيًا بأن أي انفجار جديد في الملف الكردي داخل إيران قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى الحدود التركية.
السياق الإقليمي يزيد من حساسية هذا الملف. فالتقارير التي تحدثت عن مشاورات بين فصائل كردية إيرانية والولايات المتحدة حول إمكانية تنفيذ هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في المناطق الغربية من إيران تعكس احتمال دخول الملف الكردي الإيراني إلى لعبة التوازنات الدولية. وإذا صح هذا السيناريو، فإن المنطقة قد تشهد تكرارًا لنموذج استُخدم سابقًا في سوريا، حيث تحولت بعض الفصائل الكردية إلى شريك ميداني للقوى الغربية في صراعاتها الإقليمية.
هذا الاحتمال هو ما يقلق تركيا بالدرجة الأولى. فتركيا تدرك أن أي دعم غربي للمجموعات الكردية المسلحة داخل إيران لن يبقى محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية، بل قد ينعكس مباشرة على التوازنات في العراق وسوريا وحتى داخل تركيا نفسها. ولهذا ترى أنقرة أن منع تحول الملف الكردي الإيراني إلى ورقة صراع دولي هو جزء أساسي من حماية استقرارها الداخلي ومنع انتقال عدوى النزاعات المسلحة إلى حدودها.
التحركات الميدانية الأخيرة تزيد من هذه المخاوف. فالتقارير التي تحدثت عن تحرك مقاتلي بيجاك وفصائل كردية أخرى نحو مواقع استراتيجية في جبال زاغروس وعلى الحدود الإيرانية العراقية تشير إلى أن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من التصعيد. كما أن الأنباء عن ضربات إيرانية استهدفت مواقع لهذه المجموعات تؤكد أن طهران نفسها تتعامل مع هذه التحركات بوصفها تهديدًا أمنيًا مباشرًا. وفي حال تحول هذا التصعيد إلى مواجهة أوسع، فإن تداعياته لن تبقى داخل إيران وحدها.
في هذا السياق تحاول تركيا أن تلعب دورًا مزدوجًا يجمع بين الأمن والدبلوماسية. فمن جهة تعمل أنقرة على تعزيز التنسيق الأمني والاستخباري مع الجهات المعنية داخل إيران لمراقبة تحركات الجماعات المسلحة ومنعها من تحويل المناطق الحدودية إلى منصات صراع إقليمي. ومن جهة أخرى تسعى تركيا إلى تقصير مدة الحرب الدائرة في المنطقة عبر فتح قنوات سياسية قد تقود إلى تسوية قبل اتساع نطاق المواجهة.
وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي أشار إلى أن أي قيادة إيرانية جديدة قد تظهر خلال المرحلة المقبلة يمكن أن تشكل فرصة لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كلام فيدان لا يعكس مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل يعبّر عن رؤية تركية أوسع ترى أن استمرار الحرب سيؤدي إلى فوضى إقليمية قد تستغلها أطراف متعددة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة.
تعمل تركيا على عرقلة أي محاولة لجر الفاعلين الأكراد في العراق أو سوريا أو حتى داخل تركيا إلى المشاركة في أي مسار عسكري داخل إيران.
ومن هنا تحاول أنقرة طرح نفسها كوسيط محتمل قادر على استضافة مفاوضات بين الولايات المتحدة وبعض الشخصيات الإيرانية التي قد تلعب دورًا في المرحلة السياسية المقبلة داخل إيران. والهدف التركي من هذه المبادرة ليس فقط إنهاء الحرب، بل أيضًا منع تفكك الدولة الإيرانية أو تحولها إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية. فمثل هذا السيناريو سيؤدي حتمًا إلى انفجار ملفات قومية وطائفية جديدة، وعلى رأسها الملف الكردي.
وفي الوقت نفسه تعمل تركيا على عرقلة أي محاولة لجر الفاعلين الأكراد في العراق أو سوريا أو حتى داخل تركيا إلى المشاركة في أي مسار عسكري داخل إيران. فأنقرة تدرك أن مشاركة أطراف كردية مثل قوات سوريا الديمقراطية أو بعض القوى في أربيل في أي صراع داخل إيران قد تفتح الباب أمام إعادة إنتاج مشروع كردي مسلح عابر للحدود. ولذلك فإن السياسة التركية الحالية تقوم على مبدأ احتواء هذا الاحتمال قبل أن يتحول إلى واقع.
Loading ads...
في المحصلة تبدو الاستراتيجية التركية في هذه المرحلة قائمة على معادلة دقيقة تجمع بين الاستباق الأمني والحراك الدبلوماسي. فأنقرة تحاول من جهة منع استخدام الورقة الكردية في الصراع الإيراني الغربي، ومن جهة أخرى تسعى إلى لعب دور سياسي يساهم في تقليص مدة الحرب ومنع تحولها إلى حرب إقليمية طويلة. وتعكس هذه المقاربة إدراكًا عميقًا لدى صُنّاع القرار في تركيا بأن استقرار المنطقة لا يتحدد فقط بنتائج المعارك العسكرية، بل أيضًا بكيفية إدارة التوازنات السياسية قبل أن تنفجر الأزمات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



