ساعة واحدة
كيف تحوّل تقليص وزن الخبز وثبات سعره إلى زيادة غير مباشرة على السوريين؟
الإثنين، 11 مايو 2026
أقدمت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، في خطوة وصفت بأنها العبء الأحدث على الموائد السورية، على تخفيض وزن ربطة الخبز التمويني من 1200 غرام إلى 1050 غرامات.
القرار، الذي دخل حيز التنفيذ السبت الماضي، أبقى على السعر الرسمي ثابتاً عند أربعة آلاف ليرة سورية، في مسعى لتجنب رفع مباشر يضاف إلى معاناة المواطنين.
هذا التثبيت الظاهري للسعر يستبطن زيادة فعلية في كلفة السلعة الأساسية، إذ يحصل المستهلك على كمية أقل من الخبز مقابل المبلغ نفسه، وهو ما يترجم اقتصادياً بارتفاع سعر الكيلوغرام الواحد بنحو 476 ليرة سورية.
ومع تراجع وزن ربطة الخبز بنسبة 12.5بالمئة، تكون هذه التعديلات، التي بدأت من 1500 غرام وصولاً إلى 1200 غرام في شباط/ فبراير 2025 قبل أن تستقر على الوزن الجديد، قد أدت إلى انكماش كمي في الخبز المدعوم بنحو 30 بالمئة خلال ستة عشر شهراً فقط.
وبينما تبرر الجهات المعنية القرار بضغوط التكاليف، خصوصاً بعد رفع أسعار المحروقات بنسبة 30 بالمئة، يرى محللون أن هذا الأسلوب في إدارة الدعم يمثل تغييباً للشفافية وتحميل المواطن تكاليف الإنتاج من دون أي حوار مجتمعي، خاصة وأن الخطوة جاءت دون إعلان رسمي مسبق أو توضيح للأسباب الاقتصادية، مما خلق حالة من الإرباك في الشارع السوري الذي يعاني أصلا من ضغوط تضخمية حادة.
هذا الإجراء الذي تجلى بوضوح في مخابز العاصمة دمشق عبر ملصقات ورقية حددت السعر والوزن الجديدين، يطرح تساؤلات جوهرية حول شفافية القرارات الحكومية وتوقيتها، خاصة وأنه سبقه بأيام قليلة الإعلان الرسمي عن رفع أسعار المحروقات في السابع من أيار الجاري، ما يوحي بأن تقليص الوزن كان خطوة استباقية لإستيعاب جزء من ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل المتوقعة.
في هذا السياق، يشرح الخبير الاقتصادي جورج خزام، في منشور له عبر منصة “فيسبوك” الآلية الحسابية الدقيقة وراء ما يعتبره “زيادة غير مباشرة”، موضحاً أن قرار تخفيض وزن ربطة الخبز المدعوم، يمثل عملياً زيادة غير مباشرة على المواطنين بنسبة تصل إلى 12.5بالمئة.
وأوضح أن المستهلك بات يحصل على كمية أقل من الخبز مقابل السعر ذاته، الأمر الذي يرفع الكلفة الفعلية لكيلو الخبز بنحو 476 ليرة سورية، في وقت تعاني فيه الأسر السورية من تراجع غير مسبوق في القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر والتضخم، وفق تقارير صادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي.
يضيف خزام موضحاً تناقضات القرار الاقتصادية قائلاً: “إن خفض وزن الربطة بمقدار 150 غراماً لا يحقق وفراً حقيقياً في تكاليف الإنتاج كما يُعتقد، بل يقود إلى زيادة الأعباء التشغيلية على الأفران والجهات الحكومية الداعمة”، مشيراً إلى أن إنتاج الكمية نفسها من الخبز، والمقدرة بـ120 كيلوغراماً، كان يحتاج سابقاً إلى 100 ربطة فقط، بينما بات بعد القرار يحتاج إلى أكثر من 114 ربطة، ما يعني ارتفاع استهلاك الأكياس بنسبة 14.28بالمئة، ما يؤدي إلى زيادة مباشرة في تكاليف التعبئة والتغليف والنقل.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على الأكياس فقط، بل تمتد إلى استهلاك المازوت والطاقة، لأن زمن بقاء الأرغفة داخل الأفران لا ينخفض فعلياً مع تقليص وزن الرغيف، ما يعني أن إنتاج العدد الأكبر من الأرغفة يتطلب استهلاكاً إضافياً للوقود بالنسبة نفسها تقريباً.
وبيّن أن كل 100 ربطة بالنظام القديم كانت تعادل نحو ألف رغيف خبز، في حين أن الكمية ذاتها من الطحين بعد تخفيض الوزن ستنتج أكثر من 1140 رغيفاً، وهو ما يرفع استهلاك الطاقة التشغيلية ويؤدي إلى هدر إضافي يُقدّر بنحو 14.28بالمئة.
أشار خزام إلى أن أي وفر ظاهري يقدّر بـ500 ليرة في قيمة الربطة سيقابله ارتفاع أكبر في تكاليف المازوت والأكياس تتحمله الخزينة العامة في نهاية المطاف، ما يجعل القرار غير مجدٍ اقتصادياً من منظور الكلفة والعائد، معتبراً أن المعالجة الحقيقية لملف الخبز يجب أن تقوم على تحسين كفاءة الإنتاج وتقليل الهدر في سلاسل التوريد وتطوير إدارة الدعم، بدلاً من تحميل المستهلك أعباء إضافية بصورة غير مباشرة، داعياً إلى التراجع عن القرار وإعادة تقييمه وفق أسس اقتصادية دقيقة تراعي مصالح المواطنين والاستقرار المالي للدولة.
وبالعودة إلى الأرقام الصادرة عن المؤسسة السورية للمخابز، والتي تفيد بأن الإنتاج اليومي يبلغ نحو 4.4 ملايين ربطة، فإن تخفيض الوزن قد يخلق فائضاً افتراضياً في الإنتاج يقدر بـ660 ألف ربطة يومياً، لكن هذا الفائض لا يتحول إلى رفاهية استهلاكية، بل يُمكن أن يذهب إلى السوق السوداء أو يُستخدم لسد فجوات التوزيع في ظل غياب آليات رقابية.
وهو ما يثير تساؤلات حول الجهة المستفيدة الفعلية من هذا التوفير، في ظل تزايد أعداد السوريين الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 9.1 مليون شخص في سوريا يواجهون الجوع، فيما الخبز هو خط الدفاع الأخير لمعظم الأسر.
يشار إلى أن هذا القرار يأتي في لحظة اقتصادية بالغة الحساسية، فبينما يتحدث البنك الدولي في تقريره الصادر في تموز/يوليو 2025 عن نمو متواضع ومخاطر مرتفعة، وصندوق النقد الدولي عن فائض طفيف في الميزانية، يعيش المواطن السوري واقعاً مختلفاً تماماً، فالراتب الشهري الذي لا يتجاوز في كثير من الأحيان نصف مليون ليرة سورية، لم يعد يكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية لأي أسرة.
مع تثبيت سعر الخبز المدعوم وتراجع وزنه مقابل ارتفاع أسعار سلة الغذاء والطاقة والمواصلات، يجد المواطن السوري نفسه أمام نمط من التضخم الخفي الذي لا تظهره الإحصاءات الرسمية، والذي ربما يكون أكثر إيلاماً من التضخم المعلن لأنه يتسلل إلى الحياة اليومية في صورة رغيف أصغر حجماً، وأمام هذا التعقيد.
Loading ads...
وبذلك يظل الخبز هو المؤشر الأصدق لحالة الاقتصاد السوري، والتعديلات المستمرة على وزنه وسعره تكشف أكثر من أي مؤشر آخر حجم الهوة بين وعود التعافي الاقتصادي وواقع معيشة السوريين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

