يمكن أن يخسر مبنى جزءًا كبيرًا من قيمته دون أن يفقد مستأجرًا واحدًا، أو تتراجع إيراداته التشغيلية، ففي عالم الاستثمار العقاري، يكفي أحيانًا أن يطلب المستثمرون عائدًا أعلى مقابل الإيجارات نفسها، حتى يصبح العقار أقل قيمة.
هذه المفارقة عادت إلى الواجهة بعدما أعلنت "بلاكستون"، التي تدير أصولًا بنحو 1.4 تريليون دولار، تخفيض تقييمات بعض استثماراتها العقارية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة واضطراب الأسواق العالمية.
والأكثر إثارة للاهتمام أن المجموعة أرجأت بعض الطروحات العامة لشركات محفظتها، ما يطرح سؤالًا يتجاوز أداء مؤسسة واحدة.
فهل تتعرض العقارات العالمية لموجة جديدة من انخفاض الأسعار؟ أم أن مديري الأصول بدأوا الاعتراف متأخرًا بتغير قيمتها الحقيقية؟
كيف يفقد العقار قيمته دون تغير إيراداته؟
- تعتمد تقييمات العقارات الاستثمارية على العلاقة بين صافي الدخل التشغيلي ومعدل الرسملة العقارية (Cap Rate)، الذي يعكس العائد المطلوب من المستثمرين، ويتأثر بأسعار الفائدة والمخاطر وتوقعات نمو الإيجارات.
- فمثلًا، عقار يحقق مليون دولار سنويًا، وتبلغ رسملته 5%، يُقدَّر بنحو 20 مليون دولار، لكن ارتفاع المعدل إلى 6% يخفض قيمته النظرية إلى 16.7 مليون دولار، بانخفاض 16.7% دون تغير الدخل.
- الأمر ليس مجرد مثال حسابي، إذ كشفت القوائم المالية لـ "بروكفيلد" أن تغييرًا افتراضيًا بمقدار 25 نقطة أساس في مدخلات التقييم قد يُحدث فرقًا بنحو 3.81 مليار دولار في قيمة عقارات مجمعة تبلغ 84.24 مليار دولار.
- هذه حساسية محاسبية افتراضية، وليست خسارة فعلية، لكنها تكشف حجم تأثير التغيرات المحدودة في معدلات الخصم والرسملة على محافظ عقارية بمليارات الدولارات.
هل تخفض المؤسسات الكبرى تقييماتها بالفعل؟
- تكشف مراجعة الإفصاحات المالية لمديري الأصول البديلة أن "بلاكستون" ليست الوحيدة التي تواجه ضغوط التقييم، لكن النتائج لا تشير إلى موجة تخفيضات متزامنة تشمل جميع المؤسسات أو الاستراتيجيات العقارية.
التغيرات لدى كبار مديري الأصول
انخفاض 3.2% للصناديق الانتهازية، مقابل ارتفاع 1.6% لصناديق "كور بلس"
انخفاض 81 مليون دولار لاستثمارات القيمة المضافة، مقابل ارتفاع 80 مليونًا لاستثمارات "سوبر كور"
تغيرات القيمة العادلة
انخفاض 0.4% لاستراتيجية الأسهم العقارية بالأمريكتين، و0.2% في أوروبا
12 شهرًا حتى يونيو 2026
ارتفاع 1% في قيمة محفظة العقارات الانتهازية
تغير قيمة الاستثمارات
- تكشف المقارنة مفارقة مهمة: حتى داخل المؤسسة الواحدة، يمكن أن تنخفض تقييمات محفظة وترتفع أخرى، تبعًا لتوقيت شراء العقارات، ومستويات المديونية، ونمو الإيجارات، وجودة الأصول.
- يفسر ذلك استمرار ارتفاع تقييمات بعض استثمارات مراكز البيانات والمستودعات اللوجستية، بينما تواجه قطاعات أخرى صعوبات أكبر في تعويض تكاليف التمويل المرتفعة بنمو الإيرادات.
هل الأسعار تؤكد المخاوف؟
- خارج دفاتر المؤسسات، تظهر إشارات مستقلة على تجدد الضغوط، فقد انخفض مؤشر "جرين ستريت" لأسعار العقارات التجارية الأوروبية بنسبة 1% خلال الربع الثالث من هذا العام.
- كانت العقارات الصناعية الأكثر تضررًا بانخفاض 2.1%، تلتها العقارات السكنية الاستثمارية بنسبة 2%، ثم المكاتب بنسبة 1.7%، مع ارتفاع العوائد التي يطلبها المشترون المحتملون.
- لكن الصورة الأمريكية مختلفة؛ إذ ارتفع مؤشر العقارات التجارية الأمريكية بنسبة 4.7% خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في سبتمبر، رغم انخفاضه 0.1% خلال الشهر الأخير.
- في مؤشر أوسع، سجلت الصناديق العقارية العالمية غير المدرجة عائدًا موجبًا بنسبة 1.29% خلال الربع الثاني، للمرة الثامنة على التوالي، وفقًا لمؤشر مشترك يضم 464 صندوقًا بأصول تقارب 989 مليار دولار.
- توضح بيانات "إنريف" أن العوائد تشمل الدخل والتغير في التقييمات، ما يعني أن تحقيق عائد موجب لا يستبعد انخفاض القيمة الرأسمالية لبعض العقارات.
- أما السوق السكنية الأوسع، فقد سجلت انخفاضًا عالميًا حقيقيًا، بعد استبعاد التضخم، بنسبة 1.2% خلال الربع الأول، بحسب بنك التسويات الدولية، مع تفاوت كبير بين الأسواق.
هل التقييمات الخاصة متفائلة أكثر من اللازم؟
- المشكلة الأعمق ربما تكمن في الفجوة بين التقييمات الدفترية وأسعار السوق، فالعقارات غير المدرجة لا تتداول يوميًا، ويعتمد تسعيرها غالبًا على تقييمات دورية وافتراضات مالية قد تستجيب للتغيرات تدريجيًا.
- بحسب دراسة لـ "ماكينزي"، بلغت الفجوة بين معدلات الرسملة الضمنية للعقارات المدرجة والتقييمات الخاصة نحو 130 نقطة أساس، مقارنة بنحو 240 نقطة أساس في 2023.
- هذه الفجوة لا تثبت أن كل العقارات الخاصة مبالغ في تقييمها؛ فتركيبة المحافظ مختلفة، لكنها تشير إلى أن عملية التقارب بين تقييمات السوقين لم تكتمل.
- الأخطر أن ارتفاع أسعار الفائدة لا يضغط على التقييمات فحسب، وإنما يعطل التخارج، فالمشتري يريد عائدًا أعلى، والبائع لا يرغب في الاعتراف بخسارة، فتتراجع الصفقات وتتراكم الاستثمارات غير المبيعة.
- تشير "إم إس سي آي" إلى أن المؤسسات الاستثمارية استحوذت على 37% فقط من المشتريات العالمية للعقارات المدرة للدخل خلال النصف الأول من 2026، بينما بلغت حصة المستثمرين من القطاع الخاص 38%.
- يعني ضعف السيولة تأخر إعادة الأموال للمستثمرين، وتقليص قدرتهم على تمويل صناديق جديدة، في حلقة قد تطيل أمد التصحيح حتى لو استقرت الإيرادات العقارية.
- تزداد حساسية القطاع لهذه الضغوط مع اقتراب استحقاق قروض عقارية تجارية أمريكية بنحو 2.1 تريليون دولار خلال ثلاث سنوات، وفق تقديرات "ماكينزي"، ما يفرض إعادة تمويل أصول بأسعار فائدة مختلفة عن ظروف شرائها.
هل انتهت الموجة القديمة أم بدأت أخرى؟
- لا تثبت الأدلة تعرض العقارات العالمية لانهيار جديد، لكنها تستبعد اعتبار تخفيضات "بلاكستون" مشكلة منعزلة، فارتفاع تكلفة رأس المال يمثل ضغطًا مشتركًا، بينما تختلف قدرة الأصول على مقاومته.
- الأرجح أن ما نشهده ليس انهيارًا عامًا بقدر ما هو اختبار غير متكافئ للتقييمات، قد يفرض تخفيضات إضافية على بعض المحافظ، خصوصًا إذا استمرت عوائد السندات مرتفعة.
- هكذا، ربما لا يكون السؤال الأهم مقدار ما فقدته العقارات من قيمتها حتى الآن، وإنما مقدار الفارق المتبقي بين الأسعار التي يحتفظ بها مديرو الأصول في دفاترهم، والأسعار التي يستطيع المشترون دفعها بالفعل.
Loading ads...
المصادر: أرقام- البيانات المالية لبروكفيلد- البيانات المالية لبلاكستون- البيانات المالية لآريس- البيانات المالية لكيه كيه آر- الرابطة الأوروبية للمستثمرين في العقارات غير المدرجة "إنريف"- بنك التسويات الدولية- إم إس سي آي- ماكينزي آند كومباني
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ضريبة الغريب في وول ستريت
منذ ساعة واحدة
0

صيادو الذهب الرقمي
منذ ساعة واحدة
0
هل تستشرف السوق العقارية أزمة ما؟
منذ ساعة واحدة
0


