داخل أحد المصانع الشاسعة في الصين، يقف عامل لا يتعب، ولا يطالب بزيادة أجر، ولا يُضرب عن العمل، إنه ليس بشرًا، لكنه يسير بقدمين، ويحمل بيدين، ويُفكر بعقل تحركه الخوارزميات، إنه الروبوت الشبيه بالبشر.
ستظل الآلات تتحرك، والصناديق تُنقل، والأجزاء تركب، والسيارات تخرج من خطوط الإنتاج بوتيرة منتظمة، كل هذا دون الاعتماد على البشر، هذا ليس مشهدًا من رواية خيال علمي، بل هو المستقبل الذي تركز عليه بكين لإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي.
شبح الماضي يلوح في الأفق
لطالما وقف العالم يراقب بقلق سرعة تطور السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، والإلكترونيات الاستهلاكية الصينية وقدرتها على غزو الأسواق والإطاحة بالمنافسين التقليديين، واليوم، يتكرر المشهد ذاته ولكن بوجوه آلية، إذ تسعى بكين للهيمنة على مجال الروبوتات الشبيهة بالبشر حتى تكون المحرك الاستراتيجي القادم لنموها الاقتصادي بحلول عام 2027.
تمتلك الصين اليوم ما يقارب مليوني روبوت صناعي في منشآت تصنيعها، وفي العام الماضي وحده، أنتجت نحو ثلاثة عشر ألف روبوت شبيه بالبشر، تمثل 90% من الإنتاج العالمي بأسره، حسب تقارير معهد "ميركاتور" للدراسات الصينية.
ورغم أن كفاءتها الحالية لا تتجاوز نصف كفاءة العامل البشري ولا تزال تتعثر أحيانًا، وغالبًا ما تعمل بكفاءة أكبر في بيئات محكمة ، إلا أن الاستهانة ببداياتها يشبه تمامًا الخطأ التاريخي الذي ارتكبه كبار مصنعي السيارات الأجانب عندما سخروا من أولى السيارات الكهربائية الصينية، ليجدوا أنفسهم لاحقًا يلهثون في سباق خاسر.
وذلك لأن القطاع يمتلك ذات القدرات التغييرية الجذرية، إذ تضخ الصين عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع دعم تلك الصناعة الوليدة، والأهم من ذلك، أنها تملك ما لا تملكه كثير من منافسيها: مصانع ضخمة مستعدة للتجريب، وقاعدة موردين لا مثيل لها، ومنافسة داخلية شرسة تُبقي حرارة الابتكار مشتعلة.
خلف هذه الطفرة يكمن سحر التعلم العميق "ديب ليرنينج"، ففي الماضي، كان المبرمجون يكتبون الأكواد يدويًا لكل حركة، في عملية شديدة البطء والتعقيد، أما اليوم، فلا يتم تلقين الروبوت قواعد صارمة، بل يغذى بكميات هائلة من البيانات عبر التشغيل عن بُعد.
يستوعب الروبوت هذه البيانات ليتعلم التفاعل مع العالم المادي تمامًا كما تعلمت نماذج مثل "شات جي بي تي" إتقان لغة البشر، متجاوزة عقبة ندرة البيانات نحو براعة اصطناعية مذهلة.
تحتضن الصين أكثر من 140 شركة تأمل في بناء روبوتات شبيهة بالبشر، منها شركة "غوتشي روبوتيكس" التي تأسست بهدف معالجة أصعب مهمة أتمتة في مصانع السيارات وهي التجميع النهائي، حيث تقوم آلاتها بتركيب العجلات ولوحات القيادة دون أي تدخل بشري.
وفي صيدليات بكين، تقدم روبوتات شركة "غالبوت" - المدعومة برقائق "إنفيديا" والتي تبلغ تكلفتها 103 آلاف دولار - الأدوية على مدار الساعة للزبائن.
حتى عمالقة التكنولوجيا انخرطوا في اللعبة، ففي مصانع "هواوي"، تجمع أجزاء سيارات "ماكسترو" بأيدٍ آلية، بينما أثبتت تجارب "شاومي" أن روبوتين فقط قادران على إنجاز 90% من مهام مصانع السيارات في ثلاث ساعات، لتقدم رسالة واضحة: الاستبدال قادم لإنجاز ما يعجز عنه البشر.
الفخ المزدوج: السعر والأمن
على الجانب الآخر من المحيط، يقف "إيلون ماسك" محاولًا حجز مقعد لشركته في المستقبل بإعلانه تحويل مصنع "تسلا "في فريمونت لتصنيع روبوتات "أوبتيموس"، في ظل تسابق الشركات الأمريكية للحفاظ على تفوقها في نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية التي تشكل عقول الروبوتات، لكنها تواجه كابوسًا مزدوجًا.
بينما يقدر "مورجان ستانلي" تكلفة الروبوت البشري حالياً بما يتراوح بين 10 آلاف و300 ألف دولار، تضرب الصين بقوة بأسعار تبدأ من 13.5 ألف دولار فقط، هذا السعر الزهيد كفيل بقلب اقتصاديات العمل رأسًا على عقب في المستودعات والمصانع.
هذه الميزة السعرية القاتلة، تجعل المحللين يتوقعون انقسامًا جيوسياسيًا في التكنولوجيا: أمريكا قد تقود تقنية الذكاء الاصطناعي الشامل، بينما تغرق الصين العالم بأجساد روبوتية رخيصة وذات كفاءة مبهرة في مهام محددة.
هذا الغزو المحتمل دفع واشنطن لقرع ناقوس الخطر، مع تقديم مشروع قانون من الحزبين يحظر استخدام الروبوتات الصينية في الوكالات الفيدرالية، خوفًا من تحولها من مجرد عمالة رخيصة إلى جواسيس متنقلة وعيون رقمية داخل البيئات الحساسة.
نهاية اللعبة أم بدايتها؟
مع تقلص القوى العاملة، وارتفاع الأجور، وضعف الطلب المحلي، تمثل هذه الروبوتات طوق نجاة للاقتصاد الصيني، وبحسب تقديرات "آر بي سي كابيتال ماركتس"، نحن نقف على أعتاب سوق عالمي ستنفجر قيمته لتصل إلى 9 تريليونات دولار بحلول عام 2050، وسوف تستحوذ الصين على 60% منها.
قد يرى المتشككون في هذا المشهد مجرد فقاعة عابرة، ولكن مع تصدر الصين لطلبات براءات الاختراع، يبدو أن البشرية تقترب بسرعة من لحظة تاريخية ستتغير فيها البنية الديموغرافية للقوى العاملة في المصانع للأبد، لحظة تُسلّم فيها الراية من الأيدي الخشنة المتعبة إلى أصابع الفولاذ الباردة.
Loading ads...
المصادر: أرقام – رويترز - الجارديان – ماركت ووتش – سي إن بي سي - مورجان ستانلي – وول ستريت جورنال
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





