6 أشهر
استراتيجية فكت استعصاء جبل زين العابدين.. كيف دخلت إدارة العمليات العسكرية حماة؟
الجمعة، 5 ديسمبر 2025
بعد سيطرة إدارة العمليات العسكرية على كل من محافظة حلب وريفها الغربي، وسراقب ومعرة النعمان وخان شيخون في ريف إدلب الجنوبي وعدد من قرى وبلدات استراتيجية في ريف حماة الشمالي، توجهت الأنظار لمدينة حماة إلا أن عقدة "جبل زين العابدين" ستكسر رتابة السيطرة السريعة أمام قوات "إدارة العمليات العسكرية".
شكل كل من "جبل زين العابدين" وبلدة "قمحانة" خطّي الدفاع الأول عن المدينة، إذ إن الأخيرة تحوّلت خلال سنوات الثورة إلى معقل للفرقة 25 وفوجها البارز في المنطقة "الطراميح"، لتغدو المقاومة في هذين الموقع استعصاءً لافتاً أمام القوات المهاجمة وعقبة أمام الدخول السريع إلى حماة، كما كان في حلب.
التحوّل الميداني: من خان شيخون ومورك إلى أبواب حماة
توجهت فصائل إدارة العمليات العسكرية إلى أطراف مدينة حماة بعد معارك شرسة في ريف المدينة الشمالي، إلا أنّ الطرق المؤدية لـ جبلِ زين العابدين الاستراتيجي وبلدة قمحانة كانت ترصد كل التحركات الفصائل العسكرية.
زاد هذا الرصد من تعقيد المعركة، لتتخذ الفصائل طريقاً مختلفاً في المعركة: "الالتفاف الواسع، التحرّك المحسوب، افتتاح محاور جديدة بالتتابع"، ما جعل خطوط الدفاع الأولى تنهار بصورة بدت صادمة حتى لمن يعرف تعقيدات المنطقة جغرافياً.
التفاف يكسر الاستعصاء
وحول هذه التفاصيل العسكرية الدقيقة، قال العميد منير الشيخ العامل في وزارة الدفاع السوريّة والذي شارك في معركة تحرير حماة لموقع تلفزيون سوريا: "رغم الانهيار المتسارع لقوات النظام المخلوع بعد حلب ثم سراقب، بقي محور حماة ـ ولا سيما جبل زين العابدين ـ الأصعب ميدانيًا بسبب ما أبدته قوات العدو من مقاومة شرسة ومحاولة تثبيت خط دفاع أخير هناك".
وتابع العميد: "تواصل الضغط من عدة محاور والاستجابة الميدانية السريعة لقواتنا أفقدتهم القدرة على الصمود، وحوّل هذا الاستعصاء إلى اختراق ناجح أنهى أهم نقاط قوتهم في المنطقة".
وأشار العميد الشيخ حول الخطّة التي وُضِعت للتعامل مع جبل زين العابدين الاستراتيجي من خلال آلية تعامل خاصة مع الجبل وذلك ضمن تصور شامل لاقتحام حماة من خمسة محاور متزامنة، مع إدراكٍ كامل أن الجبل هو مركز الثقل في دفاعات النظام المخلوع وخطه الأكثر تحصينًا بحكم إشرافه المباشر على المدينة.
وأضاف الشيّخ أنّه وفي الأيام الأولى تبيّن لقوات الفصائل أنّ الاقتحام المباشر للجبل سيكلف وقتًا وجهدًا كبيرين، ما دفع غرفة العمليات لاعتماد خيار الالتفاف عبر المحور الشرقي، حيث كان خرق مدرسة المجنزرات نقطة التحول الفاصلة التي فتحت الطريق نحو الأحياء الأولى داخل المدينة، أما الضربة التي عجّلت بسقوط الجبل فقد جاءت من العملية النوعية التي نفذتها قوات العصائب الحمراء على قمته، وأسفرت عن مقتل نحو ستين عنصرًا من قوات العدو، الأمر الذي تسبب بانهيار منظومة الدفاع كاملة ومهّد لتحريره.
وفي سياق متصل، أكد عبد الرحمن الحاجم ـ مقاتل ميداني ويتبع لغرفة عمليات ردع العدوان ـ لموقع تلفزيون سوريا، أنّ تقدم الثوار نحو حماة كان سريعًا نتيجة للانهيارات المتتالية في صفوف قوات النظام المخلوع وميليشياته تحت ضربات كتائب الاقتحام التي شقّت خطوط الدفاع الأولى، وذلك لاعتماد الخطة العسكرية "الالتفاف وتطويق حماة بدل التقدم المباشر، نظرًا لوجود جبل زين العابدين وبلدة قمحانة كمراكز دفاع متقدمة للنظام المخلوع".
ويتابع الحاجم أن الثوار طبقوا حصارًا تدريجيًا على المدينة وقطعوا خطوط الإمداد عن الجبل، ما دفع القوات المتمركزة هناك للنزول تحت الضغط العسكري.
في حين أشار العميد منير الشيخ إلى أنّ خط قمحانة – جبل زين العابدين كان يُعدّ من أعقد المحاور، وهو ما أخذوه بالحسبان منذ البداية.
وأوضح العميد الشيخ أنّ طبيعة المنطقة الحاكمة وتعقيد التحصينات جعلت التعامل معه يتطلب مسارين في آن واحد: الأول عبر محاولات الاقتحام المباشر لامتحان قوة الخط الدفاعي، والثاني عبر الدفع بمحاور التفاف والتي تعمل على فتح ثغرات جانبية تطوّق الجبل وتفصله عن مدينة حماة، بهدف قطع الإمداد وإجبار القوات المتمركزة على الانهيار التدريجي.
وحول الصعوبات التي واجهت قوات الثوار قال العميد "وأصعب ما واجهناه في الأيام الأولى كان تداخل النيران من قمم الجبل مع قواعد الـ م.د المنتشرة في تخوم قمحانة، ما جعل أي تقدم مكشوفًا ويحتاج إلى دقة عالية في المناورة وتثبيت النقاط".
وخلال سيّر العملية، أضاف العميد الشيخ أنّ أولى مؤشرات الانهيار ظهرت فور سقوط أولى النقاط المحيطة بحماة، إذ انكشفت هشاشة التشكيلات المدافعة واعتمادها على خط واحد صلب.. فإذا سقط، تسقط بقية الخطوط تباعًا.
وأكد أيضاً أنّه "ومع التسارع الذي حققناه بدءًا من حلب وصولًا إلى سراقب، دخلت قوات النظام المخلوع وميليشياتها في حالة ارتباك واضحة، ولم تستطع بناء خط دفاع بديل أو إعادة تموضع منظّم، هذا الانهيار المبكر منح غرفة العمليات أفضلية المبادرة، فزادت سرعة القرارات الميدانية، وتحوّلت المحاور إلى ضغط مستمر لم يمنح العدو أي فرصة لالتقاط الأنفاس أو إعادة تجميع قواته، الأمر الذي سرّع وتيرة التقدم داخل الأحياء حتى السيطرة الكاملة، فتقدمنا من المجنزرات باتجاه جبل كفراع ثم اللواء 87 ثم تخوم حماة، وبعدها دخلنا حماة من جهة جسر المزاريب".
ولم تكن ميليشيا الطراميح في بلدة قمحانة بمعزل عن المعركة، فقد كان لهذه البلدة شأن كبير لدى جيش نظام الأسد المخلوع، باعتبارها معقل للفرقة 25 والتي تُعرف بـ "قوات المهام الخاصة، الطراميح"، التي يقودها العميد سهيل الحسن المُلقب بـ"النمر"، وهي خزان بشري كبير وحاجز دفاعي أول لمدينة حماة من الجهة الشمالية، وأشار العميد منير الشيخ إلى أنّ قمحانة اعتبرت القوة الضاربة الرئيسة داخل قوات النمر، وعلى الرغم من صلابة الخط الدفاعي الذي حاولت تشكيله حول البلدة، جرى اختراقه بضغط عسكري والتفاف مدروس، ما أسهم في انهيار دفاعات الطراميح بسرعة متزامناً مع سقوط جبل زين العابدين، مما أدى لفتح الطريق لدخول البلدة من دون خسائر واسعة.
حول الحالة النفسية للمقاتلين أكد العميد منير الشيخ أنها كانت عاملاً مؤثرًا، وبرزت ثمارها في "زهو النصر في حلب وسراقب، ما جعل للمقاتلين دافعًا إضافيًا للثبات والمضي قدمًا رغم صعوبة المهمة"، أما جبل زين العابدين، فالتقييم العسكري والجغرافي للميدان كان واضحًا: صعوبة الجبل تكمن في موقعه الاستراتيجي، لكن سقوطه يعني فتح الطريق أمام تحرير مدينة حماة بالكامل وهو ما حصل عبر استخدام سلاح الالتفاف.
رمزية مدينة حماة لدى السوريين
عانت مدينة حماة خلال سنوات حكم الأسد المخلوع والأب حافظ الأسد، وما أعطاها رمزية ذلك، أحداث الثمانينيات المعروفة، فقد دمّر رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد مدينة حماة وقتل الآلاف وسجن المئات، لتبقى حماة عصيّة مواجع في ذاكرة السوريين.
يستعرض الباحث السياسي جمعة لهيب رمزية هذه المدينة معتبراً أنّ تحريرها خلال المعركة أعاد ذاكرة وطنية دُفنت لعقود.. ويقول حول ذلك لموقع تلفزيون سوريا: إنّ تحرير المدينة غيّر معادلة الصراع السوري عبر رمزية تاريخية وسرعة ميدانية ورسائل سياسيّة أعادت رسم خريطة مراكز الثقل في البلاد.
ووصف العميد منير الشيخ لحظة دخول أول حي في مدينة حماة في الخامس من كانون الأول 2024، من أجمل اللحظات في مسيرةِ المعركة مشيراً إلى أنّ الدموع امتزجت بالزغاريد ودعاء الأمهات تعبيراً عن فرحة طال انتظارها، وكل بيت بدا وكأنه امتداد للمقاتلين، وكان دعم الأهالي عاملاً فعّالًا أسهم بشكل ملموس في تسريع وتيرة التمشيط والتحرك.
وتابع لهيب، أن تحرير حماة كسر حاجز الصمت المفروض منذ المجزرة، حيث بات بإمكان الناجين وأبنائهم الحديث علناً عن مآسيهم، بعد أن كانت المدينة تعيش في عزلة اجتماعية وأمنية ممنهجة، وأيضاً الرمزية الأخلاقية والسياسية لتحرير المدينة تتجاوز بعدها الجغرافي، لتُعيد الاعتبار لضحايا المجزرة، وتُسقط سردية النظام المخلوع حول "الاستقرار مقابل القمع".
يقول المراسل الحربي محمد بلعاس في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن الطريق إلى حماة بدأ فعليًا بعد تحرير خان شيخون ومورك، بوصفهما "مفتاح المدينة" والبوابتين اللتين كان تجاوزهُما يعني فتح المسار نحو مركز المحافظة.
ويوضح البلعاس أنّ المعارك كانت في ذروتها على محاور الأرياف الغربية الشمالية والشرقية الشمالية والشمالية، في حين ظلّت أنظار الأهالي داخل المدينة معلّقة بقدوم الثوار، خصوصًا بعد التجربة الإيجابية التي شهدتها مدينة حلب عقب تحريرها وطريقة تعامل المقاتلين مع المدنيين هناك.
ويشير بلعاس إلى أن حماة كانت "على صفيح ساخن"، وأن جزءًا كبيرًا من المقاتلين المنخرطين في العملية ينحدرون أصلًا من المدينة، ما جعل الأهالي ينتظرون أبناءهم القادمين في صفوف القوى المهاجمة.
ويتوقف بلعاس عند جانب تكتيكي وإعلامي مهم في مسار الاقتحام، موضحًا أن الفريق الإعلامي دخل المدينة من الجهة الشرقية قبل التقدم نحو جبل زين العابدين، الذي كان اقتحامه مباشرة محفوفًا بالمخاطر، ويشرح حول ذلك، "دخلنا من الشرق وأعلنّا سقوط المدينة، ثم انسحبنا سريعًا، كان ذلك جزءًا من خطة ساهمت في إحداث انهيار أولي في خطوط الدفاع، ومهّدت لسقوط جبل زين العابدين لاحقًا".
رمزية التحرير
يؤكد الباحث جمعة لهيب لموقع تلفزيون سوريا أنّ كل ذلك يتوضح في السرعة التي حُررت بها حماة خلال الأيام الأولى لمعركة ردع العدوان، لتشكّل صدمة استراتيجية للنظام المخلوع السوري من خلال انهيار دفاعات المدينة بسرعة، والتي كشفت هشاشة المنظومة الأمنية والعسكرية للنظام المخلوع، خاصة في المدن ذات الثقل الرمزي والتاريخي، ثم أدى ذلك إلى تسارع انهيارات متتالية في مناطق أخرى وصولا لدمشق، والزخم المعنوي الذي اكتسبته إدارة المعركة من هذا الانتصار أسهم في إعادة تشكيل ديناميكيات الصراع، ورفع منسوب الثقة الشعبية بها.
وأوضح لهيب أنّ التسلسل المتسارع للأحداث، حمل مشاهد ورسائل سياسيّة كثيرة خصوصاً في مشهد استقبال الأهالي في حماة للثوار وقراءة المشهد في ذلك من خلال أنها كانت مشبعة بالرمزية السياسية والاجتماعية، من خلال كسر حاجز الخوف، فبعد عقود من القمع، خرج الأهالي لاستقبال المقاتلين بالورود والهتافات، في مشهد يعكس تعطشاً للحرية والانعتاق من سطوة النظام.
بعد تحرير حماة وما أحدثه من تحوّل في المشهد العسكري والسياسي، برز سؤال جوهري حول ما إذا كانت المدينة قد أعادت فعلاً رسم موازين القوى داخل سوريا، وفي هذا الإطار يرى الباحث السياسي جمعة لهيب أن تحرير حماة أعاد ترتيب "مراكز الثقل" في البلاد، فلم تعد دمشق وحدها مركز القرار، بل برزت المدن المحررة ذات الثقل السكاني والتاريخي كمحاور فاعلة في المرحلة الجديدة.
ويعتبر لهيب أن موقع حماة، منحها دورًا استراتيجيًا في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية مقبلة، إضافة إلى رمزيتها في ملفات العدالة الانتقالية بعد فتح ملفات المجازر.
وبالعودة لمشهد دخول مدينة حماة وتحريرها، يستعيد الصحفي محمد البلعاس لحظات دخول حماة بوصفها التجربة الأكثر رسوخًا في ذاكرته، رغم أنه لم يشعر بالخوف داخلها كما حدث في مدن أخرى.
Loading ads...
فحماة، كما يقول، عانت عقودًا طويلة من القمع منذ الثمانينيات، وكانت لحظة التحرير بالنسبة لأهلها حدثًا لا يشبه أي مدينة أخرى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


