"الكوع" في القاموس السوري الحديث ليس مجرد انعطافة لأنبوب ماء، ولا مجرد تغيير اتجاه في طريق أو مسار. صار "الكوع"– كأحد مفرزات سنوات الحرب وتبدل موازين القوى فيها - اسما لـ اللحظة التي يبدّل فيها المرء اتجاه مواقفه: كنت تسير أسديا، ثم انعطفت يمينا أو إلى الخلف ثوريا، تلك النقطة اسمها كوع. فالكوع عندنا لا يظهر فقط في الطرقات، بل يظهر في الأفكار، والمواقف، وفي الذاكرة أيضا. كأن بلادنا لا تعترف بالخط المستقيم أو الإنسيابي، وتفضل على الدوام طرقا "مفاجئة" فيها التفاف، ثم التفاف مضاد، ثم تبرير يبدو لطيفا: "هاد حال الدنيا"!
ظاهرة تبديل المواقف ليست اختراعا سوريا محليا على كل حال، ولا حكرا على شعب محدد دون آخر. ففي كل الحضارات والدول والمجتمعات سوف تعثر على من يغير معطفه عندما يتغير الطقس السياسي. لكن الذي يطبع "الكوع السوري" بطابعه الخاص هو أن تبديل الاتجاه عندنا لم يكن دائما ترفا فكريا، بل غالبا هو واحد من آليات البقاء: حين تكون القوة المسيطرة - أيا كانت - قادرة على تحويل الكلمة إلى تهمة، وتحول الرأي إلى جريمة، فيصبح الصمت حزاما للأمان، وتصبح المرونة أو "التكويع" قاربا للنجاة.
كوع النجاة وكوع الاستثمار
لنضع معيارا بسيطا كي لا نشارك بعملية ظلم الناس في ظل الاستسهال الأخير في إطلاق الأحكام وتقييم المواقف: أعتقد أنه ليست كل "تكويعة" بمنزلة خيانة، ولا كل "ثبات" يعتبر بطولة.
فكوع النجاة هو حينما يساير الإنسان سلطة قاهرة خوفا على نفسه وأهله، دون أن يؤذي غيره أو مجتمعه، ودون أن يتحول إلى مخبر أو محرض. فهذا نوع من التكيف الذي لا بد من تفهمه حتى لو كان مؤلما وصعب الاستيعاب .فالمشكلة برأيي تكمن في كوع الاستثمار والمتاجرة، وهو حينما يبدل الإنسان موقفه لا لينجو، بل ليحصل على مكاسب، وحين يبيع مواقف الأمس ليشتري رضا سلطة اليوم، وحين يعود ليقول لك بثقة: "أنا كنت معكم دائما.. أنتم لم تلاحظوا ذلك" أو أي كلام آخر من نوع التبرير والفهلوة، وهنا نحن أمام شخص يمتهن التكويع للتكسب لا لأجل الحماية لينجو.
في محاولة لفهم الظاهرة الاجتماعية لا بد من فهم الظرف العام للبلد، فسوريا نفسها –باعتقادي - تقف على "كوع" جغرافي وجيوسياسي. حيث تقع في منطقة وسط بين إمبراطوريات تاريخية متصارعة ومصالح متنافسة.
التقية كإدارة للخطر
في تراثنا العربي والإٍسلامي، وبالطبع في تراثنا السوري، يوجد مفهوم يستدعى عادة لتفسير المسايرة تحت التهديد والخطر: التقية ورديف هذا المفهوم "الباطنية". وأصل دلالة التقية – المتداول شعبيا – هو اتقاء شر القوة الغالبة عبر تجنب الصدام معها، سواء في التعبير أوالسلوك، إلى أن يزول الخطر.
وفي الواقع السوري الطويل خصوصا في عهدي الأسدين، عاش كثيرون هذا النوع من الاتقاء أو التقية: لم يكن يصفق الجميع حبا بهما، ولا كانوا صامتين عن قناعة، بل كان الصمت احتياطا أمنيا لا بد منه، كان منطقا سائدا للتدرب على البقاء.
لكن من الممكن أن تتحول التقية إلى مأزق، وذلك حينما لا تكون أمرا مؤقتا، ومن ثم تحولها لتكون ثقافة دائمة، وهذا ما يؤدي بقطاع واسع من المجتمع ليصير مقنعا وانتهازيا تحت غطاء التقية والبحث عن السلامة، وبالتالي التأسيس لعلاقة فاسدة تنخر ببنية المجتمع.
سوريا التي تقع على كوع استراتيجي
في محاولة لفهم الظاهرة الاجتماعية لا بد من فهم الظرف العام للبلد، فسوريا نفسها –باعتقادي - تقف على "كوع" جغرافي وجيوسياسي. حيث تقع في منطقة وسط بين إمبراطوريات تاريخية متصارعة ومصالح متنافسة، وحضارات وسرديات متصادمة. والتاريخ السوري مليء بتحولات السلطة وتبدلات موازين القوة والسيطرة. وبرزت في السنوات والعقود الأخيرة شهية شركات النفط لاستثمار ومد الأنابيب التي فيها كوع، لتزيد من تعقيد الموقف، وليكتمل المشهد. فطالما تحولت هذه الأرض إلى ساحة لاستعراض القوة - استعراضا صاخبا - بينما يدفع السكان ثمن هذه التغيرات والتي غالبا ما تكون جذرية، فتدفعهم لتبديل اصطفافاتهم.
حتى الطبيعة – بتصوري - تشارك في هذه الحكاية، تباينات بيئية جذرية، سهل قريب من جبل مرتفع، يليه أخفض منطقة على سطح الكوكب، مناطق أكثر مطرا بجوار مناطق أكثر قحطا، ثم فسيفساء ديموغرافية ومذهبية واجتماعية، يبدو أنه تنوع جميل إذا حكم بالعدل، ومادة قابلة للانفجار في أي لحظة إذا سيطر منطق التحريض والتمييز.
في بيئة كهذه، قد يصبح "الكوع" لدى بعض الناس أسلوب حياة، وليس موقفا طارئا من قضية بعينها، وهذا لا يعني أنهم "أسوأ أخلاقيًا"، لكن لأنهم تربّوا في بلد اعتاد أن يرى التاريخ ينعطف فوق رؤوسهم أو يكوع على رقابهم مباشرة. وبالتالي لا بد من التكيف كوسيلة أساسية للبقاء.
الشطارة الشامية
يستشهد بعض الأدباء بفكرة "الشطارة الشامية" بوصفها قدرة على التكيف مع تقلبات الزمان وتغيرات السلطة. وقد أشار الروائي السوري خيري الذهبي رحمه الله - في سياقات مشابهة - إلى براغماتية دمشقية تاريخية، تقرأ أحيانا كذكاء في سبيل النجاة.
واستشهد الذهبي في هذا السياق بالروايات المتداولة لابن طولون الصالحي وابن عماد الحنبلي عن قصة القاضي ومفتي دمشق ولي الدين بن الفرفور زمن دخول الدولة العثمانية إلى دمشق عام 1516م بعد مرج دابق، وما رافق ذلك من تكيف "مذهبي" للبقاء ضمن النظام الجديد تحت راية السلطان سليم الأول. ولأن العثمانيين يعتمدون المذهب الحنفي مذهباً رسمياً للدولة، أعلن المفتي ابن الفرفور تحوله إلى المذهب الحنفي ليتمكن من الاستمرار في منصب القضاء والإفتاء تحت الحكم الجديد ثم تُذكر لاحقا واقعة تمرد والي دمشق جانبرد الغزالي عام 1520م "بعد وفاة السلطان سليم الأول" ومحاولة إعادة نفوذ المماليك، وما تفرضه تلك اللحظات من مراجعة مواقف اضطرارية. فعاد ابن الفرفور مع فقهاء دمشق إلى المذهب الشافعي، ولكن بعد قمع العثمانيين لثورة الغزالي واستعادة دمشق نهائياً، ثبتت الدولة المذهب الحنفي كمرجعية وحيدة للقضاء الرسمي، واستقر ابن الفرفور قاضيا ومفتيا على المذهب الحنفي.
وسواء اتفقت الروايات في التفاصيل أم اختلفت، فالدلالة ثابتة: حينما تتغير السلطة بسرعة، يتغير خطاب كثيرين بالسرعة ذاتها وربما أكثر سرعة. لكن الفارق الأخلاقي من المفترض أن يبقى، فالتكيف لا يعني تزوير الذاكرة، ولا يعني التحول إلى مداح وطبال.
لن تنتهي ظاهرة الكوع والتكويع من خلال إدانة الناس "المكوعين"، ولا بمديح "اللامكوعين"، بل بتأسيس بنى تحتية تكون ملائمة بحيث يصير الطريق مستقيما أو سلسا بما يكفي، ولا توجد فيه منعطفات حادة، بنى قانونية تحمي التعبير.
تكويع بالسيف والشعر
لم تكن حادثة المفتي والقاضي ابن الفرفور الأولى من نوعها في تاريخ دمشق. ففي عام 1743م، وبحسب ما يذكر البديري الحلاق في يومياته الدمشقية، تولى أسعد باشا العظم ولاية دمشق، ولأنه كان لطيفا، متساهلا، لا يتشدد في العقوبات، ولا يستعرض مظاهر القوة، أطلق عليه الدمشقيون لقب "سعدية قايين" أو "سعدية خانوم".
استمر هذا اللقب فترة من الزمن إلى أن بدأ بإعمال القوة، والضرب بيد من حديد، حارب الإنكشارية، والزعران، اقتحم أحياء في دمشق وحرق ودمر بعضها مثل حي الميدان، فتحول لقبه من سعدية خانوم إلى الحاج أسعد باشا العظم، وبدأ الناس ينظمون شعر المديح بحقه وهنا بعض منه:
يا آل عظمٍ بكم دمشقُ قد أمنت .. من كل خطبٍ ونالت وافر الرغدِ
أسعدُ باشا بها قد شاد منزلةً .. تسمو على الشهبِ في عزٍّ وفي مددِ
رَعى اللهُ مَن أَرسى لِلشامِ أَمناً .. بَعدَما كادَت تَميدُ بِأَهْلِها الميدانُ
أَسعدُ الباشا الذي ذَلّت لِسَطوَتِهِ .. عِتاةُ القَومِ وانْحَنَت لَهُ الأَركانُ
أَسعدُ الوالي الذي في كفّـه .. رُوحُ أعداءٍ وفي الأخرى الأمانُ
هابَهُ الميدانُ لـمّا أن رأى .. صولةَ الليثِ إذا حانَ الأوانُ
لماذا يتكرر التكويع؟
ليس من الضروري أن يكون الفرد هو المسؤول الأول عن ظاهرة التكويع، فبنية المجتمع ممثلة بالسلطة تتحمل القدر الأكبر من المسؤولية، وذلك عندما تختل موازين العدالة وتغيب قواعد المحاسبة الواضحة، عندما لا يضطر المرء لارتداء الأقنعة، ففي مجتمعنا السوري لا ضمانات للسلامة مقابل التعبير عن الرأي، ومن الممكن أن يكون الثمن هو الحياة والممتلكات، وبالطبع الكرامات. ولدينا في سوريا مخزون هائل من استعراض القوة وتراكم الخوف، ولا يمكن تصريفه لدى قطاع واسع من المجتمع إلا بالتكويع.
علاج الكوع في سلامة الطريق
Loading ads...
لن تنتهي ظاهرة الكوع والتكويع من خلال إدانة الناس "المكوعين"، ولا بمديح "اللامكوعين"، بل بتأسيس بنى تحتية تكون ملائمة بحيث يصير الطريق مستقيما أو سلسا بما يكفي، ولا توجد فيه منعطفات حادة، بنى قانونية تحمي التعبير، مؤسسات تدير الشأن العام وفق معايير محددة لا على أساس المزاج، بتكريس ثقافة العدل لا الانتقام، حماية كرامات الناس، صون الحريات، اعتماد الشفافية مبدأ عاما، كي لا يكون هناك أقنعة ولا تقية ولا انعطاف حاد وتكويع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



