ساعة واحدة
أتلانتيك: الولايات المتحدة تمارس تنمّرا غير مسبوق على أوروبا
الأحد، 1 نوفمبر 2026
ترى الكاتبة آن أبلباوم، في مقال نشرته مجلة "أتلانتيك"، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تمارس تدخلا غير مسبوق في الحياة السياسية للدول الأوروبية الحليفة، عبر محاولة التأثير في تشكيل حكوماتها وائتلافاتها الحزبية، وتشجيع قوى سياسية تتبنى توجهات قريبة من حركة "ماغا"، حتى عندما تكون بعض هذه القوى مؤيدة لروسيا أو معادية للتعاون الدفاعي الأوروبي.
وتستشهد أبلباوم، في بداية مقالها، بما نقلته صحيفتا "وول ستريت جورنال" و"فايننشال تايمز" عن مأدبة عشاء في أثينا في مارس/آذار الماضي، عندما نُسب إلى كيمبرلي غيلفويل، التي كانت تشغل منصب السفيرة الأمريكية لدى اليونان، حديث عن قدرتها على إسقاط الائتلاف الحاكم في رومانيا.
وبحسب ما ورد، قالت غيلفويل أمام سياسيين يونانيين: "يمكننا فعل ذلك لأي دولة نريدها، ويمكننا فعل ذلك هنا أيضا".
ورغم أن غيلفويل غادرت منصبها لاحقا على خلفية فضيحة أخرى تتعلق برسائل طلبت فيها من أحد المتبرعين الجمهوريين إيداع 100 ألف دولار في حسابها، فإن ما أثار استياء الأوروبيين، بحسب أبلباوم، لم يكن فقط سلوكها الشخصي، بل ما كشفته تصريحاتها من اعتقاد بأن واشنطن تستطيع التحكم في مصائر الحكومات المنتخبة في دول حليفة وعضوة في حلف شمال الأطلسي (ناتو).
تقول الكاتبة إن هذا التوجه لا يقتصر على غيلفويل، بل يعكس تحولا أوسع في السياسة الأمريكية.
فبعد أن كانت واشنطن تتعامل مع الحكومات الأوروبية المنتخبة، سواء كانت من يمين الوسط أو يسار الوسط، باعتبارها أطرافا شرعية في الأنظمة الديمقراطية، باتت إدارة ترمب تميل إلى دعم أحزاب بعينها بسبب تقاربها الأيديولوجي مع حركة "ماغا"، حتى إن بعضها يتبنى مواقف مؤيدة لروسيا.
وتبرز بولندا بوصفها أحد أوضح الأمثلة على هذا التدخل. فبحسب ما أوردته أبلباوم، ألمح ترمب خلال لقاء مع وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك-كاميش في واشنطن، إلى أن مكانته لدى الإدارة الأمريكية ستكون أفضل إذا انسحب حزبه من الائتلاف الحكومي الحالي، وعقد اتفاقا مع أحزاب قومية ويمينية متطرفة. غير أن الوزير لم يأخذ بالنصيحة.
أبلباوم أشارت إلى قلق سياسيين ألمان من مساعي واشنطن لتشجيع الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ على التحالف مع حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف
وترى الكاتبة أن خطورة الواقعة تكمن في أن رئيسا أمريكيا يطلب من سياسي في دولة حليفة تغيير تحالفاته الحكومية، وهو أمر لا تجد له سابقة في بولندا منذ الحقبة التي كان فيها القادة السوفيات يقررون من يتولى السلطة في البلاد.
وتضيف أن واشنطن كانت قد أظهرت انحيازها إلى اليمين القومي البولندي في الانتخابات الرئاسية العام الماضي، عندما أعلن ترمب تأييده للمرشح اليميني المتطرف كارول نافروتسكي، ثم نسب إلى نفسه الفضل في فوزه.
أما في رومانيا، فتربط أبلباوم بين تحركات غيلفويل السياسية واهتمامها بمشروع "ممر الغاز العمودي"، وهو شبكة إقليمية من خطوط أنابيب الغاز ومرافقه تربط اليونان ورومانيا وأوكرانيا ودولا أخرى في جنوب شرق أوروبا.
فقد دافعت السفيرة عن المشروع وعن شراء الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، في وقت كانت فيه شركة يونانية لها مصالح في خط الأنابيب تسعى إلى تعزيز المشروع، وكان أحد ممثليها يتنقل معها في رحلاتها الرسمية، إلى درجة أن مسؤولين أجانب ظنوا أنه يشغل منصب رئيس موظفيها.
وكان رئيس الوزراء الروماني السابق إيلي بولوجان مؤيدا لمشروع خط الأنابيب، لكنه لم يكن راغبا في إلزام بلاده بعقد لشراء الغاز الأمريكي، بسبب أسعاره غير التنافسية، فضلا عن استعداد رومانيا لتصدير الغاز الذي تنتجه بنفسها.
وفي المقابل، التقت غيلفويل خلال زيارتها بوخارست سياسيين رومانيين، بينهم سورين غرينديانو، زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الذي انسحب حزبه لاحقا من الائتلاف الحاكم، ثم تعاون مع حزب اليمين المتطرف في دعم مذكرة حجب الثقة عن حكومة بولوجان، ما أدى إلى سقوطها.
ورغم نفي غرينديانو وزعيم اليمين المتطرف جورج سيميون أن تكون غيلفويل قد أثرت في قراراتهما، تقول أبلباوم إن هذه الوقائع تفسر لماذا يعتقد بعض الرومانيين أن للولايات المتحدة دورا في انهيار الحكومة.
ولا تقف المخاوف عند بولندا ورومانيا؛ إذ تشير الكاتبة إلى اعتقاد بعض السياسيين الألمان بأن واشنطن تسعى إلى تشجيع الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ على التخلي عن شريكه الاشتراكي الديمقراطي في الحكومة، والتحالف بدلا منه مع حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، المعروف بمواقفه المؤيدة لروسيا، وبوجود شخصيات بين أعضائه لها صلات بالنازية الجديدة.
وتستشهد أبلباوم باستخدام ترمب منصته "تروث سوشيال" للترويج للحزب، وإشادة إيلون ماسك به خلال الحملة الانتخابية، فضلا عن واقعة استبعاد نواب اشتراكيين ديمقراطيين من المشاركة في اجتماعات داخل وزارة الدفاع والخارجية الأمريكية، خلال زيارة لوفد برلماني ألماني إلى واشنطن.
ورفض نواب الاتحاد المسيحي الديمقراطي المشاركة بعد أن فهموا الخطوة باعتبارها رسالة أمريكية مفادها أن حزب "البديل" هو الشريك السياسي الذي تعترف به واشنطن.
وترى الكاتبة أن هذه السياسة تكشف تناقضا خطيرا في الموقف الأمريكي من أمن أوروبا. فالإدارة تطالب الدول الأوروبية بتولي مسؤولية أكبر عن دفاعها التقليدي، وزيادة إنفاقها العسكري، لكنها في الوقت نفسه تساند قوى سياسية تعارض إعادة التسلح والتعاون الدفاعي، وتتبنى مواقف تصب في مصلحة روسيا.
وتعارض الرئيسة المشاركة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" أليس فايدل، تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا والتعاون الدفاعي الأوروبي، كما دعا الرئيس المشارك الآخر للحزب، تينو شروبالا، إلى سحب القوات الأمريكية من ألمانيا.
وفي رومانيا، سبق لسيميون أن دعا إلى استعادة حدود بلاده السابقة لعام 1940، بما يشمل أراضي تقع حاليا داخل أوكرانيا. كذلك بدأت قوى اليمين القومي البولندي تردد خطابات مناهضة لأوروبا وأوكرانيا، تتقاطع مع مواقف سائدة في موسكو وواشنطن.
وتخلص أبلباوم إلى أن إدارة ترمب تدفع أوروبا، من جهة، إلى بناء جيوش أقوى وتعزيز تعاونها الدفاعي، بينما تشجع، من جهة أخرى، سياسيين يسعون إلى إضعاف هذا التعاون وتقويض مؤسساتها المشتركة.
وتحذر من أن الولايات المتحدة، التي كان الأوروبيون ينظرون إليها باعتبارها داعمة للديمقراطية في مواجهة الأنظمة السلطوية، باتت تتدخل في اختيار شركائها السياسيين داخل الدول الحليفة.
Loading ads...
وتطرح الكاتبة تساؤلا جوهريا عن الغاية من هذه السياسة: هل تريد واشنطن أن تبني أوروبا جيوشا قوية، ثم تعمل على تفكيك مؤسساتها وتسليم هذه الجيوش إلى قوى قومية متنازعة؟ وتقول إن مثل هذا النهج جُرّب في القرن العشرين، وكانت نتائجه كارثية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




