2 ساعات
"من خزان الغوطة إلى مدينة الغالونات".. هل تنجح دوما في مواجهة أزمة المياه
الثلاثاء، 28 أبريل 2026
تعاني مدينة دوما في ريف دمشق من أزمة مياه خانقة، تحوّلت معها أبسط حقوق السكان إلى معاناة يومية، في ظل تفاوت واضح بينها وبين العاصمة، وتدهور البنية التحتية، واستمرار الاعتماد على مصادر غير آمنة.
تختصر ميرا واقع المدينة بقولها: "مياه عين الفيجة التي تصل إلى منازل دمشق، ويمكن للأهالي الحصول عليها بكل سهولة... هي ليست سوى حلم بالنسبة لنا"، في وصفٍ يعكس ما تسميه "العدالة اللامكانية" بين دمشق وريفها. فدوما، التي كانت في فترة ما الخزان الحيوي لغوطة دمشق، تعيش اليوم أزمة حادة جعلت الحصول على كوب ماء نظيف ترفاً لا تملكه كثير من العائلات، بحسب ما أكدت "ميرا" ابنة المدينة في حديث لموقع "تلفزيون سوريا".
قبل اندلاع الثورة السورية، كانت المدينة تعتمد على شبكة حكومية متصلة بنبع الفيجة لتأمين مياه الشرب. لكن منذ عام 2011، واجهت دوما نقصاً حاداً في الموارد المائية، بعد قطع المياه عنها كسلاح ممنهج لفرض الحصار المائي من قبل النظام المخلوع.
وأدى انقطاع الإمدادات إلى لجوء الأهالي إلى حفر آبار عشوائية داخل الأحياء، تزامناً مع القصف وتدمير البنية التحتية، ما تسبب في اختلاط المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي المتسربة من الأنابيب المتهالكة، في ظل غياب أعمال الصيانة.
وأجبر هذا الواقع السكان على دفع ضريبة صحية ثقيلة، تمثلت في انتشار أمراض مثل التهاب الكبد الوبائي والفشل الكلوي نتيجة لاستهلاك مياه ملوثة، إضافة إلى الاعتماد على مياه مليئة بالنترات تُستخرج من الآبار السطحية.
روت شابة من دوما تدعى "رغدا"، التي تعيش مع أسرتها المؤلفة من ثمانية أفراد، تفاصيل معاناتها اليومية للحصول على المياه، سواء للشرب أو للاستخدامات المنزلية، قائلة: "منذ أن بدأ النظام المخلوع بقطع المياه عن دوما، نعتمد على استجرار المياه من البئر المحلي القريب من المنزل بواسطة الغطاسات. هذه العملية تتطلب مولدة وديزل، لأن الكهرباء الحكومية ضعيفة في حال توفرت".
وأضافت:"مياه الآبار صالحة فقط للاستخدام اليومي مثل الغسيل والتنظيف بسبب تلوثها، أما مياه الشرب فنشتريها يومياً على شكل غالونات"،
كما أشارت إلى أن كلفة تشغيل الغطاسة عبر المولد تصل إلى نحو 250 ألف ليرة أسبوعياً.
من جانبه، أوضح بشار أنجيلية، عضو المكتب التنفيذي في المجلس المحلي لمدينة دوما، أن الأسرة المكونة من خمسة أفراد تحتاج أسبوعياً إلى نحو 200 لتر من مياه الشرب، بكلفة تصل إلى 200 ليرة سورية جديدة لكل تعبئة.
وقال إن عدد الآبار والمضخات الفعالة للاستخدام اليومي يبلغ 41 مضخة، مشيراً إلى وجود مصدرين رئيسيين لمياه الشرب، وهما مسار جوبر، وهو خارج الخدمة حالياً ويخضع لأعمال صيانة، ومسار فاسريا، ويضم 15 بئراً، تم تفعيل اثنين منها، مع حاجة لتفعيل خمسة آبار إضافية بشكل عاجل لتغطية 60% من احتياجات المدينة، وفق نظام تقنين يوم بيوم.
وأضاف أن دور المجلس المحلي يتركز في التنسيق مع مؤسسة المياه، عبر تسهيل الحفريات وتوفير الآليات، ضمن خطة استراتيجية تمتد لثلاث سنوات، تهدف إلى تأمين مياه شرب نظيفة، وإدارة الغاطسات، ومراقبة جودة المياه.
إلا أنه أكد أن التحديات كبيرة، إذ إن تهالك الشبكة وارتفاع كلفة المشاريع يتجاوزان القدرة التمويلية للدولة، ما يستدعي تدخل المنظمات الدولية.
في السياق ذاته، أكد المهندس سعيد أبو حسان، رئيس وحدة المياه في دوما، أن ضخ المياه يقتصر حالياً على أربعة قطاعات رئيسية، وهي المساكن والقصرانة والكورنيش وخلف البلدية، في حين تبقى أحياء كاملة محرومة بسبب الدمار وتهالك الشبكات.
وقال:"الوارد المائي ما يزال ضعيفاً، ونحن بحاجة إلى تمويل كبير لإصلاح كامل الشبكة، لأن الإصلاحات الجزئية الحالية لا تفي بالغرض"
لا تتوقف الأزمة عند نقص المياه، بل تمتد إلى جودتها، حيث قالت "رغدا": "نشتري مياه الشرب على أنها مياه نقية، لكننا لسنا متأكدين من مصدرها (..) في إحدى المرات وجدنا ما يشبه الطحالب في قاع الغالون، ما يعني أنها غير صالحة للشرب".
بدوره أشار "أبو حسان" إلى أن مؤسسة المياه بدأت بفرض رقابة على بيع المياه، تشمل مراقبة المناهل ومحطات التحلية والصهاريج، مؤكداً أنه سيتم اتخاذ إجراءات صارمة قبل فصل الصيف، بما في ذلك مصادرة الصهاريج المخالفة.
كما لفت عضو المكتب التنفيذي في المجلس المحلي إلى تفعيل لجنة الصحة والسلامة في المجلس المحلي، والتي تنفذ جولات تفتيشية، وتوجه إنذارات للعاملين في قطاع تكرير المياه لضمان الالتزام بالمعايير.
في محاولة للانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الاستدامة، شهدت دوما في 11 نيسان/أبريل 2026 انعقاد "مؤتمر التعافي الأول"، الذي ركّز على الواقع الخدمي، وعلى رأسه ملف المياه.
وأكد الباحث وائل علوان، أحد مقدمي المؤتمر، أن الفعالية وضعت حزمة مشاريع استراتيجية أمام المنظمات الدولية، تشمل إصلاح الشبكات، وتأهيل الآبار، وتفعيل أنظمة المعالجة والتحلية للحد من التلوث والأوبئة.
واستعرض "أبو حسان" خلال المؤتمر خطة لإعادة تأهيل مصادر المياه، مشيراً إلى مشروع تأهيل آبار "فاسريا"، في ظل اعتماد نحو 70% من السكان على الآبار الخاصة.
كما كشف عن مشاريع قيد الدراسة بدعم من الدفاع المدني السوري لإعادة تأهيل 14 بئراً إضافياً، إلى جانب التواصل مع الهلال الأحمر القطري لدعم مشاريع تأهيل الآبار.
وفي إطار الدعم الحالي، تم تنفيذ مشروع مع "اليونسيف" بقيمة 150 ألف دولار لإصلاح جزء من الشبكة في دوما وحرستا، إضافة إلى مشاريع سابقة مع "أوكسفام" لتأهيل آبار في عدة مناطق.
تشير الأرقام إلى وجود 40 بئراً عاملة حالياً، مقارنة بـ71 بئراً قبل الثورة، ما يعكس حجم التراجع في الموارد المائية.
ولمواجهة تلوث المياه بالنترات، أُنشئت محطة تحلية بدعم من التشيك عام 2024، تعمل عبر شبكة بطول 2500 متر داخل المدينة، مع نقاط توزيع أمام المدارس والتجمعات السكنية.
وتتيح هذه النقاط للسكان تعبئة مياه صالحة للشرب، لكنها لا تغطي كامل الاحتياجات.
تمتد أزمة المياه إلى القطاع الزراعي، حيث قال أبو أحمد (60 عاماً) إن المزارعين يعتمدون على الآبار الارتوازية، بكلفة تتراوح بين 10 و13 لتراً من المازوت لسقاية الدونم الواحد.
وأضاف أن بعضهم لجأ إلى الطاقة الشمسية لتخفيف التكاليف، إلا أن كلفتها المرتفعة تحول دون تعميمها.
Loading ads...
كما أشار إلى أن بعض المزارعين يستخدمون مياه الصرف الصحي القادمة من عدرا، رغم مخاطرها، ما يهدد المحاصيل والسلامة الغذائية بسبب احتمال تلوثها بالمعادن الثقيلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
سوق النصر في الباب بريف حلب.. ما أهميته؟
منذ ساعة واحدة
0



