ساعة واحدة
بعد تصريحات براك.. هل يعيد الهجري حساباته بشأن الرهان على الدعم الإسرائيلي؟
الأحد، 25 أكتوبر 2026
أثارت تصريحات المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك، جدلاً سياسياً حول طبيعة موقف الولايات المتحدة من ملف الجنوب السوري، وحدود الدعم الإسرائيلي لبعض الأطراف المحلية، وانعكاسات ذلك على فرص التوصل إلى تسوية تعيد الاستقرار إلى المنطقة.
وكان براك تحدث خلال مقابلة إعلامية، الجمعة الماضية، عن شيخ درزي لم يسمّه، يتوهم وجود دعم إسرائيلي وأميركي له، ويستغل هذا التصور في التضييق على دروز آخرين، نافياً بصورة قاطعة حصوله على دعم من واشنطن، في تصريحات فُسّرت على أنها إشارة إلى حكمت الهجري. كما أشار إلى ارتباط بعض المجموعات في المنطقة الممتدة بين درعا والسويداء بتجارة الكبتاغون، واستخدام عائداتها في تمويل تسليحها.
فهل تعكس تصريحات براك تحولاً فعلياً في الموقف الأميركي من ملف السويداء؟ وهل تمهد لتفاهمات جديدة بين دمشق وتل أبيب، أم أنها رسائل ضغط سياسي تستهدف إعادة رسم موازين القوى في الجنوب السوري؟
خلال حلقة السبت من برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا اعتبر الكاتب السياسي أحمد الهواس أن تصريحات براك تعكس رؤية استراتيجية أميركية تقوم على التعامل مع سوريا بوصفها دولة موحدة، بعيداً عن مشاريع الانفصال أو إقامة كيانات مستقلة داخل أراضيها.
وأوضح الهواس أن إشارة المبعوث الأميركي إلى شيخ درزي يضطهد دروزاً آخرين تحمل دلالة سياسية واضحة، معتبراً أن المقصود بها حكمت الهجري، وأن واشنطن توجه رسالة إلى الأطراف التي تراهن على دعم خارجي لتعزيز نفوذها.
ورأى أن الرؤية الأميركية لا تتطابق بالضرورة مع الأهداف الإسرائيلية، إذ تسعى واشنطن، بحسب تقديره، إلى الحفاظ على استقرار سوريا ومنع عودة النفوذ الإيراني إليها، بينما تحاول إسرائيل توظيف الانقسامات الداخلية لتحقيق مكاسب أمنية وسياسية.
وأكد الهواس أن براك ليس باحثاً يعبر عن مواقف شخصية، وإنما مبعوث للرئيس الأميركي ومسؤول عن الملف السوري، ما يمنح تصريحاته وزناً سياسياً يتجاوز حدود المواقف الإعلامية.
في المقابل، رفض عضو الحزب الجمهوري الأميركي توم حرب اعتبار التصريحات تحولاً في سياسة واشنطن، مشيراً إلى أن براك يتبنى الموقف نفسه منذ توليه مهمته.
وقال حرب إن المبعوث الأميركي يعبر أحياناً عن تقديراته الخاصة، وإن القرار النهائي بشأن السياسة الأميركية يبقى بيد الرئيس دونالد ترمب ومؤسسات إدارته، معتبراً أن تصريحات براك لا تعني بالضرورة وجود تفاهم أميركي إسرائيلي جديد بشأن السويداء.
وفي قراءة للدور الإسرائيلي، رأى الهواس أن إسرائيل تستخدم ورقة السويداء للضغط على دمشق من أجل الوصول إلى اتفاق أمني طويل الأمد بشروط تخدم مصالحها.
وأضاف أن إسرائيل قد تسعى، في حال تعثر الاتفاق، إلى إقامة منطقة عازلة واسعة تمتد عبر أجزاء من درعا باتجاه السويداء، بهدف إبعاد الدولة السورية عن المناطق القريبة من حدودها.
واعتبر أن الهجري يمثل بالنسبة إلى إسرائيل ورقة تفاوضية أكثر من كونه حليفاً استراتيجياً دائماً، مرجحاً أن تتخلى عنه إذا تمكنت من تحقيق أهدافها الأمنية من خلال تفاهم مباشر مع دمشق.
من جهته، اتفق الكاتب السياسي جمال درويش مع فكرة أن المشروع الإسرائيلي يتجاوز محافظة السويداء، لكنه قدم قراءة مختلفة لأهدافه، مشيراً إلى أهمية الموارد المائية في الجنوب السوري وخط أنابيب التابلاين الذي يمر بالمنطقة.
وقال درويش إن إسرائيل تنظر إلى محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء ضمن مشروع أوسع، وإن اختزال تحركاتها في مسألة حماية الدروز لا يعكس حقيقة مصالحها الاستراتيجية.
احتل ملف تجارة المخدرات جانباً مهماً من النقاش، بعد اتهامات براك لمجموعات في الجنوب السوري بالاستفادة من عائدات الكبتاغون لتمويل تسليحها.
واعتبر الهواس أن إثارة هذا الملف تحمل دلالات أمنية وسياسية، مشيراً إلى عمليات سابقة نفذها الأردن ضد مواقع قال إنها مرتبطة بتصنيع المخدرات وتهريبها قرب حدوده مع سوريا.
في المقابل، رفض درويش تعميم الاتهامات على محافظة السويداء، مؤكداً أن المنطقة كانت خلال حكم بشار الأسد ممراً لتهريب المخدرات إلى الأردن ودول الخليج، وأن ذلك لا يعني مسؤولية المجتمع المحلي عن تصنيعها أو الاتجار بها.
وأضاف أن اتهام السويداء بصورة جماعية يمثل ظلماً لسكانها، مطالباً بالتمييز بين المجموعات المتورطة في الأنشطة غير المشروعة وبقية الأهالي.
واتخذ حرب موقفاً مشابهاً، مشيراً إلى أن مجموعات محلية في السويداء سبق أن واجهت شبكات المخدرات خلال حكم النظام السابق، ومتسائلاً عما إذا كانت تصريحات براك تمهد لتبرير دخول القوات الحكومية إلى المنطقة مجدداً.
من جانبه، تناول الكاتب والناشط السياسي أدهم القاق الأزمة من زاوية العلاقة بين الدولة والمكونات السورية، معتبراً أن المخاوف التي تعيشها بعض الأقليات ترتبط بالانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
وأوضح أن أحداث الساحل والسويداء أسهمت في تعميق الشعور بالخوف والعزلة لدى قطاعات من المجتمع، ما يفرض على الحكومة مسؤولية تقديم ضمانات فعلية، تتجاوز الخطاب السياسي إلى إجراءات ملموسة.
وأكد القاق أن السويداء تضم تيارات وطنية تسعى إلى تعزيز ارتباط المحافظة بسوريا، داعياً إلى دعم هذه الأصوات وعدم اختزال تمثيل المجتمع المحلي في بعض المرجعيات الدينية أو القوى المسلحة.
واستحضر دور السويداء في الثورة السورية الكبرى عام 1925، معتبراً أن تاريخ المحافظة يعكس ارتباطها بالمشروع الوطني السوري، وأن المرحلة الحالية تتطلب بناء هوية جامعة لجميع المكونات.
كما شدد على ضرورة تنفيذ توصيات لجان التحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، بوصف ذلك خطوة أساسية لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
ورأى أن تصريحات براك تمنح الحكومة السورية فرصة سياسية جديدة، لكنها تضعها أيضاً أمام مسؤولية معالجة الملفات العالقة وتعزيز حضور مؤسسات الدولة على أسس وطنية.
وفي مناقشة الخيارات المتاحة للخروج من الأزمة، اعتبر درويش أن تصريحات براك تندرج ضمن ضغوط سياسية تهدف إلى دفع السويداء نحو المصالحة مع دمشق.
وأوضح أن سكان المحافظة يبحثون عن ضمانات أمنية وإدارية تتيح لهم العيش باستقرار، مشيراً إلى استمرار تداعيات أحداث العنف ووجود ملفات تتعلق بالمفقودين والمحتجزين.
وانتقد درويش ما وصفه بغياب المبادرات الحكومية الكافية لبناء الثقة، مؤكداً أن أي تسوية تحتاج إلى خطوات عملية على الأرض، وفي مقدمتها معالجة ملف المحتجزين وتحقيق العدالة.
في المقابل، رأى الهواس أن بعض المجموعات المسلحة في السويداء تعرقل المبادرات السياسية وتحتكر القرار المحلي، معتبراً أن تجاوز الأزمة يتطلب إنهاء الارتهان للدعم الخارجي وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية.
أما القاق، فدعا إلى مسار يجمع بين المحاسبة القانونية والحوار السياسي، مؤكداً أن وحدة سوريا لا يمكن أن تتحقق من دون معالجة مخاوف السكان وضمان حقوقهم.
وتطرق النقاش أيضاً إلى خريطة الطريق التي جرى بحثها في عمّان برعاية أميركية، وسط خلاف بين الضيوف بشأن مسؤولية تعثر تنفيذها ومدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة.
وفي المحصلة، كشفت مداخلات الضيوف عن اختلاف جوهري في تفسير الرسائل الأميركية ومستقبل العلاقة بين دمشق والسويداء، لكنها أظهرت أيضاً أن معالجة الانتهاكات، وإطلاق مسار للمحاسبة، وإيجاد ضمانات أمنية وسياسية، تمثل ملفات لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مقبلة.
Loading ads...
وبين الرهان على تغير الموقف الأميركي واستمرار التدخلات الإسرائيلية، يبقى مستقبل الجنوب السوري مرتبطاً بقدرة الأطراف المحلية والحكومة على التوصل إلى تفاهم يحفظ وحدة البلاد ويعيد الاستقرار إلى المحافظة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

