تتموضع سوريا في موقع جيوسياسي حساس، بقدر ما يشكل ميزة لها، فإنه ذاته يثير حساسية دول إقليمية عديدة بحكم تضارب المصالح، حتى وإن كانت هذه الدول لديها حالياً علاقات جيدة أو متميزة مع سوريا، مثل الأردن أو تركيا، إلى جانب دول أخرى، بالأصل، علاقتها مع سوريا محكومة بالصراع.
تمثل سوريا بحد ذاتها عقدة ربط بين بلدان الخليج العربي وأوروبا، نظراً إلى موقعها الجغرافي كما ورد أعلاه، بالإضافة إلى امتلاكها موانئ مهمة على البحر المتوسط مثل طرطوس واللاذقية وبانياس، وبناءً عليه، فإن دورها محوري في مشاريع التجارة الدولية وممرات الطاقة، سواء مبادرة الحزام والطريق الصينية، أو طريق الحجاز، أو حتى مشروع التنمية المخصص لربط الخليج بأوروبا، والذي يمكن أن تشارك فيه سوريا بفاعلية. وقد بدا واضحاً أهمية موقع سوريا بعد تصاعد أزمة إغلاق المضائق في الخليج والبحر الأحمر.
أظهرت الحكومة السورية التي تولت إدارة البلاد عقب سقوط الأسد المخلوع إرادة حقيقية في إصلاح العلاقات السورية مع مختلف الدول الإقليمية - باستثناء إيران - وبالأخص دول الجوار، وقد كان الأردن من ضمن الدول التي حرصت الحكومة السورية على التعاون معها بشكل وثيق بعد قرابة عقد ونصف من اضطراب العلاقات زمن بشار الأسد، إلا أن السجالات الإعلامية وخطاب العديد من الشخصيات المقربة من الحكومة الأردنية تجاه سوريا بعد حادثة مقتل مدنيين في محافظة درعا بغارة أردنية في 23 من تشرين الأول/ أكتوبر الفائت لا يمكن تمريره واختزال دوافعه في الحادثة الطارئة المستجدة، فقد أعطت العبارات التي تم استخدامها مؤشرات على تضارب المصالح، وأن الوصول إلى شراكة استراتيجية بين دمشق وعمان ليس بالأمر السهل.
المفاجئ في خطاب بعض الشخصيات المقربة من الحكومة الأردنية في أعقاب الحادثة أنه لم يركز على الجانب الأمني وتوجيه لوم إلى سوريا، على سبيل المثال، بسبب وجود ثغرات أمنية، بل انتقد مبالغة سوريا في التركيز على الانخراط في التحالفات الإقليمية والدور الإقليمي الفاعل، ووصف هذه السياسة بأنها رهن سوريا للخارج.
لم يختفِ السجال الإعلامي رغم البيان المشترك الذي صدر عن وزارتي خارجية البلدين بخصوص حادثة وفاة مدنيين في درعا، ثم تصريحات الخارجية السورية حول تمسك دمشق بالعلاقة مع الأردن، وتخلله حديث أردني عن تهديدات مصدرها الجنوب السوري.
كان لافتاً أن ارتفاع حدة نبرة المحللين والباحثين الأردنيين تجاه سوريا تزامن مع زيارة رئيس الحكومة العراقي علي زيدي إلى دمشق والمباحثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع التي تركزت في جزء منها على تفعيل خط كركوك – بانياس لتصدير النفط، وهو خط منافس للبصرة – العقبة الذي ناقش الأردن أيضاً تنفيذه مع رئيس الحكومة العراقي خلال زيارته إلى عمّان قبل قدومه إلى سوريا.
التقارب العراقي السوري - حال تجاوز العراقيل السياسية - من شأنه أن يوفر طريقاً تجارياً فعالاً يربط دول الخليج بالبحر المتوسط عبر العراق، حيث من الممكن أن تدخل سوريا ضمن مشروع طريق التنمية، وبالتالي فإن دور الأردن فيما يتعلق بممرات التجارة سيتأثر.
Loading ads...
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الأردن أمام معادلة صعبة تجاه سوريا، فمن مصلحته أن يكون فيها حد أدنى من الاستقرار الأمني الذي يستفيد منه الأردن في الحد من تهريب المخدرات والسلاح باتجاه أراضيه، ومنع أي تهديدات داخل الأردن تنطلق من الجنوب السوري حال كان غير مستقر، لكن في الوقت ذاته، المصالح الاقتصادية الأردنية ستكون مهددة إذا ما شكل الاستقرار رافعة لسوريا للدخول في تحالفات سياسية واقتصادية إقليمية، وساهمت بشكل فعال في إعادة تشكيل طرق التجارة وممرات الطاقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
للمدن عتبات كالبيوت.. كراجاتها أول العتاب
منذ ساعة واحدة
0
في ولادة وانهيار "سوريا الجميلة"
منذ ساعة واحدة
0

