على مدار عقود طويلة، كان شعار "صنع في ألمانيا" وحده يكفي كي تفتح أسواق العالم أبوابها أمام طرازات "فولكس فاجن" و"مرسيدس" و"بي إم دبليو"، بفضل هندسة متقنة، ومحركات فائقة الأداء، وإرث صناعي ترسخ عبر أجيال من الخبرة.
لكن ذلك التفوق يبدو اليوم مجرد صدى لماض لم يعد كافيًا لمواجهة تحديات المستقبل، فالصناعة التي كانت ركيزة أساسية لاقتصاد ألمانيا تجد نفسها اليوم محاصرة بين رسوم جمركية أمريكية خانقة، وتنين صيني يتقدم بسرعة لم يكن أحد يتوقعها، وسوق صينية كانت يومًا منبع الأرباح وتحولت إلى ساحة خسائر.
لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبحت شركات السيارات الألمانية مضطرة لإعادة صياغة نموذج أعمالها للحفاظ على مكانتها العالمية؟
أزمة هيكلية عميقة الجذور
شهد عام 2025 أداءً غير مسبوق لشركات السيارات الألمانية، حيث انخفضت أرباحها الإجمالية بنحو 44%، ولم تكن بداية العام الحالي أفضل حالاً، فبينما سجلت كبرى الشركات العالمية نموًا في الإيرادات بنسبة 2% بقيادة اليابان وأمريكا، انكمشت مبيعات الألمان بنسبة 4%.
ولم تعد الضغوط تقتصر على تباطؤ الاقتصاد العالمي، بل امتدت إلى الرسوم الجمركية الأمريكية، وتراجع الطلب في الصين، وارتفاع تكاليف إعادة الهيكلة، إضافة إلى تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، مما عزز المخاوف من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والتضخم، وهو ما يدفع المستهلكين لتأجيل شراء السيارات الجديدة.
وتجسد "فولكس فاجن" حجم الأزمة، بعدما كشفت تقارير عن خطط لإلغاء ما يصل إلى 100 ألف وظيفة، وإغلاق أربعة مصانع في ألمانيا، وخفض استثماراتها بنسبة 15% خلال السنوات الخمس المقبلة، في أكبر عملية إعادة هيكلة بتاريخ الشركة.
كما خفضت "بي إم دبليو" توقعاتها للأرباح، فيما أوقفت "مرسيدس-بنز" صرف مكافآت الصيف لموظفيها، وبدأت مفاوضات جديدة مع النقابات لخفض التكاليف، بالتزامن مع مغادرة آلاف الموظفين ضمن برامج إعادة الهيكلة.
أما "بورشه"، فأعلنت إدارتها أن بيئة العمل في أهم سوقين للشركة - الولايات المتحدة والصين - قد تغيرت جذريًا، وحذرت المستثمرين من توقع عودة سريعة للربحية المرتفعة تاريخيًا.
الصين من الاستهلاك إلى المنافسة
لسنوات طويلة، كانت الصين مصدرًا رئيسيًا لنمو الشركات الألمانية، لكن المعادلة انقلبت بصورة جذرية، فلم تعد السوق الصينية مجرد مستورد للسيارات الأوروبية، بل أصبحت موطنًا لمنافسين يفرضون قواعد جديدة على الصناعة.
وتغيرت تفضيلات المستهلكين، فلم يعد التفوق يقاس بقوة المحرك أو جودة التصنيع فقط، بل باتت البرمجيات، وتجربة الاستخدام، والتقنيات الذكية، والسيارات الكهربائية عناصر حاسمة في قرار الشراء، وهي مجالات استطاعت الشركات الصينية تحقيق تقدم سريع فيها.
وتظهر البيانات حجم التحول، إذ انخفضت مبيعات "فولكس فاجن" - أكبر شركات صناعة السيارات الألمانية - في الصين بنحو 20% خلال الربع الأول، بينما تراجعت مبيعات "مرسيدس" هناك بنسبة 27%.
وفي المقابل، ارتفعت مبيعات أكبر خمس شركات سيارات صينية في أوروبا بنسبة 61% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، لترتفع حصتها إلى أكثر من 10% من السوق الأوروبي.
وداعًا للنموذج التقليدي
أمام هذا الواقع الجديد، جاء الاعتراف متأخرًا لكنه كان صادمًا من قادة الصناعة، إذ أقر "أوليفر بلوم" الرئيس التنفيذي لمجموعة فولكس فاجن، بأن النموذج التقليدي القائم على تطوير السيارات في ألمانيا وإنتاجها في أوروبا وبيعها عالميًا "لم يعد مجديًا" في ظل المتغيرات الحالية.
لتواجه الشركات الألمانية معضلة وجودية؛ فالاستمرار في الاعتماد على التصنيع المحلي عالي التكلفة والتصدير للخارج أصبح عبئًا اقتصاديًا في ظل الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة والتوسع الخارجي للشركات الصينية.
ورغم قسوة المشهد، لا يتفق الجميع على أن النهاية قريبة، إذ يرى "فرانك شفوب" من جامعة كولونيا أن شركات السيارات الفاخرة مثل "بورشه" ستتعافى أسرع من السوق ككل، لأن عميلها أكثر ولاءً للعلامة التجارية، بخلاف عميل علامات تجارية مثل "أوبل" الذي قد يتحول بسهولة أكبر إلى منتج صيني أرخص.
لكن محلل السيارات "ماتياس شميدت" يوضح الأمر بصراحة أكبر: الصناعة الألمانية، التي اعتادت الاستقرار، يجب أن تتكيف مع واقع السوق الجديد، أو ستفشل حتمًا، فالاعتماد على شعار "صنع في ألمانيا" ذي التكلفة العالية لم يعد كافيًا وحده لضمان البقاء.
في النهاية، يبدو أن صناعة السيارات الألمانية تقف عند مفترق طرق حقيقي: فإما أن تعيد ابتكار نموذج أعمالها جذريًا بما يشمل تطوير التكنولوجيا والبرمجيات واعتماد تسعير أكثر تنافسية، وإما أن تواصل خسارة حصتها السوقية لصالح منافسين أسرع وأكثر جرأة في الابتكار، أي أن التاريخ العريق لن يكون كافيًا للشركات الرائدة للحفاظ على مكانتها.
Loading ads...
المصادر: أرقام – "مانجر ماجازين" - تحليلات شركة "إي واي" – صحيفة "فاينانشال تايمز" – دويتشه فيله – معهد "إيفو" –"ذا ستريت" – أوتوموتيف نيوز – ساوث تشاينا مورنينج بوست.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





