مع انخفاض درجات الحرارة إلى نحو درجتين مئويتين تحت الصفر، بدأ سكان مخيم الصفصافة بريف مدينة سلقين شمال غربي إدلب يواجهون موجة صقيع جديدة في خيام تفتقر للعزل، بعد أن زادت موجة الصقيع من صعوبة الظروف المعيشية داخل المخيم.
وتقضي العائلات ليلها داخل خيام غير مجهزة بوسائل تدفئة كافية، في ظل انخفاض درجات الحرارة خلال ساعات الليل. وتقتصر وسائل التدفئة المتاحة على استخدام مواد بدائية لا تؤمن حماية فعلية من البرد، مع غياب أي مصادر تدفئة آمنة أو منتظمة داخل المخيم.
وتعتمد معظم الأسر على حرق أكياس النايلون أو الأقمشة البالية التي يتم شراؤها من محال الألبسة المستعملة (البالة)، إضافة إلى جمع عيدان الأخشاب من محيط المخيم.
ومع استمرار موجة الصقيع، يتحول البرد إلى خطر مباشر يهدد حياة الأطفال وكبار السن، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الصحية داخل المخيم، الذي يضم مئات العائلات النازحة من ريف حماة، والتي لا تزال غير قادرة على العودة إلى منازلها المدمرة.
وقالت مديرية الأرصاد الجوية في سوريا، إن أغلب المناطق السورية ستشهد هذه الليلة أجواء شتوية شديدة البرودة، ولا سيما في المرتفعات الجبلية، حيث يُتوقع تشكّل الصقيع خلال ساعات الليل والصباح الباكر.
وأضافت المديرية في نشرة مساء الثلاثاء، أن مدن البلاد سستتأثر بمنخفض جوي اعتباراً من صباح يوم الخميس المقبل، يترافق بهطولات مطرية عامة تتحول إلى ثلجية فوق المرتفعات الجبلية، إضافة إلى المناطق الشمالية ومنطقة الجزيرة.
وحذّرت من حدوث الصقيع وتشكّل الجليد في أغلب المناطق، إضافة إلى تشكّل الضباب في أجزاء من المنطقة الوسطى خلال ساعات الصباح الباكر.
صقيع متصاعد شمالي سوريا
تتزامن الظروف القاسية داخل المخيمات مع تحذيرات أطلقتها المديرية العامة للأرصاد الجوية السورية من موجة صقيع متوسطة الشدة تضرب المناطق الشمالية الغربية من البلاد، مع تسجيل درجات حرارة تقترب من الصفر المئوي وتنخفض دونه خلال ساعات الليل والصباح الباكر، الأمر الذي يضاعف المخاطر الصحية داخل المخيمات التي تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العزل والتدفئة.
وبحسب بيانات مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، تنتشر في المحافظة مئات المخيمات التي تؤوي مئات آلاف النازحين، ولا يزال عدد كبير منهم عاجزاً عن العودة إلى مناطقهم الأصلية بسبب الدمار الكامل الذي لحق بالمنازل والبنى التحتية، في حين تعتمد نسبة واسعة من هذه المخيمات بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية التي لا تغطي في كثير من الأحيان احتياجات التدفئة خلال فصل الشتاء.
وفي الوقت الذي تبدو فيه موجة الصقيع الحالية كحدث طارئ، يؤكد سكان المخيم أن ما يجري ليس سوى حلقة جديدة من معاناة تتكرر كل شتاء، فبعد العواصف المطرية والسيول التي أغرقت الخيام وأتلفت ما تبقى من الأمتعة، جاء الصقيع ليضاعف القلق والخوف، خاصة مع تسجيل حالات مرضية متزايدة بين الأطفال.
ويشير قاطنو مخيم الصفصافة إلى أن البرد هذا العام أكثر قسوة بسبب تشبع الخيام بالرطوبة وقلة الأغطية، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات بما يفوق قدرة معظم العائلات على تأمينها، ما يدفعهم إلى اللجوء لخيارات خطرة للتدفئة رغم معرفتهم بتداعياتها الصحية.
ويترك الصقيع آثاره بشكل مباشر على الأطفال الذين يشكلون النسبة الأكبر من سكان المخيم، إذ تنتشر أمراض الجهاز التنفسي، مثل التهاب القصبات والالتهاب الرئوي، إضافة إلى حالات الإسهال وسوء التغذية المرتبطة بالبرد والرطوبة، بينما يؤدي استخدام النايلون والأقمشة البالية في التدفئة إلى انبعاث روائح خانقة وأدخنة سامة داخل الخيام المغلقة، ما يرفع خطر الاختناق والأمراض الصدرية في ظل غياب أي بدائل آمنة.
من داخل خيام مخيم الصفصافة، تتقاطع أصوات الرجال والنساء على خوف واحد اسمه الصقيع.
محمد عبدلله الحسن، نازح من ريف حماة الشمالي وأب لخمسة أطفال، يقول لـ موقع تلفزيون سوريا؛ إن البرد لم يعد مجرد إحساس عابر بل تهديد يومي يلاحق عائلته مع كل ليلة.
ويوضح أن العائلة لا تمتلك أي وسيلة تدفئة حقيقية، وتعتمد على حرق أكياس النايلون أو قطع أقمشة بالية تُشترى من محال الألبسة المستعملة لرخص ثمنها، رغم إدراكهم لخطرها الصحي.
"نعرف أنها تؤذي صدور أطفالنا، لكن ماذا نفعل؟ البرد لا يُحتمل، والحطب والمازوت خارج قدرتنا"، يقول العبد الله، مضيفاً أن أكثر ما يؤرقه هو ساعات الليل حين يعجز عن حماية أطفاله من قسوة البرد، فيكتفي بضمهم إليه ومحاولة تغطيتهم بما يتوفر، "لكن الصقيع أقوى من أيدينا".
ويؤكد "الحسن" أن العودة إلى منزله في ريف حماة غير ممكنة بعد أن دُمر بالكامل، ليبقى المخيم الخيار الوحيد رغم ما يحمله من مخاطر.
المعاناة ذاتها ترويها فاطمة العلي، نازحة من ريف حماة الجنوبي، تعيش في المخيم مع أطفالها وزوجها المسن، وتصف الشتاء في الخيمة بأنه "امتحان قاسٍ كل ليلة"، حيث تقضي العائلة ساعات طويلة بلا نوم، تحاول خلالها حماية الأطفال من البرد بوسائل بدائية، وأحياناً بإشعال النار داخل الخيمة رغم الخطر.
وتقول العلي في حديثها لـ موقع تلفزيون سوريا: "نخاف من الصقيع ونخاف من الدخان في الوقت نفسه، مدافئ مهترئة، لا وقود، ولا حطب، ولا قدرة على الشراء، كل ما نستخدمه لا يمنح الدفء الحقيقي".
وتضيف أن التفكير بالعودة إلى القرية مستحيل في ظل الدمار، مؤكدة أن أقصى أمنياتها أن يمر الشتاء دون خسارة أحد من أطفالها.
ولا تتوقف تداعيات الصقيع عند حدود الخوف والمرض، بل تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيم، إذ تتراجع قدرة السكان على العمل مع اشتداد البرد، وتتقلص فرص تأمين دخل يومي، في حين تتزايد الحاجة إلى الغذاء والوقود والأغطية.
صقيع يلاحق الأطفال
ومع اشتداد موجة البرد في مخيم الصفصافة، تتخذ معاناة قاطني المخيم شكلا أكثر قسوة، إذ تضطر عائلات كثيرة إلى إرسال أطفالها للبحث عن بقايا الأشجار وأغصانها اليابسة في محيط المخيم، لاستخدامها وقودا للتدفئة، في ظل العجز عن شراء الحطب أو المحروقات.
وخلال ساعات النهار، ينتشر أطفال في سن مبكرة بين الأراضي الزراعية القريبة ومكبات الأنقاض، بحثا عن أي قطع خشب أو جذوع صغيرة يمكن إشعالها ليلا، رغم ما يرافق ذلك من مخاطر الإصابة بأمراض نتيجة البرد الشديد، إضافة إلى الغياب المتكرر عن أي نشاط تعليمي متاح داخل المخيم.
ويقول سكان إن الطفل بات جزءا من معركة البقاء اليومية، يخرج للبحث عن الدفء بدل الذهاب إلى المدرسة.
وفي موازاة ذلك، أطلقت جهات محلية ومبادرات أهلية حملات دعم لتأمين مواد تدفئة للمخيمات، إلا أن هذه الاستجابات تبقى محدودة مقارنة بحجم الحاجة، ولا تكفي سوى لفترات قصيرة ولا تشمل جميع العائلات، ما يدفع الأهالي إلى المطالبة بتأمين وسائل تدفئة آمنة، مثل المدافئ والوقود، وتحسين عزل الخيام، خاصة للعائلات التي تضم أطفالا صغارا أو مرضى وكبار سن.
وتعيد وفاة طفل رضيع في مخيم "الأخوة" قرب بلدة كفر يحمول في ريف إدلب الشمالي، الخطر إلى الواجهة، إذ توفي متأثرا بالبرد القارس ومضاعفات صحية ناجمة عن الانخفاض الحاد في درجات الحرارة داخل خيمة تفتقر لأدنى مقومات التدفئة والعزل، وفق إفادات طبية وسكان في المخيم.
وأعادت الحادثة المخاوف من تكرار سيناريوهات مماثلة في مخيمات شمالي إدلب، مع استمرار موجة الصقيع واعتماد آلاف العائلات على وسائل تدفئة بدائية، مثل حرق أكياس النايلون والأقمشة البالية، ما يجعل الرضع والأطفال الصغار الأكثر عرضة للخطر، خصوصا في خيام لم تجف بعد من آثار الأمطار.
Loading ads...
ومع كل موجة برد جديدة، تتجدد معاناة النازحين بين منازل مدمرة تمنع العودة، ومخيمات لا تحمي من قسوة الشتاء، ليبقى الأطفال الحلقة الأضعف في معادلة إنسانية مفتوحة على مزيد من المخاطر ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الآمنة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


