يوم واحد
عمر المختار.. قصة "أسد الصحراء" الذي قاوم الاحتلال الإيطالي حتى المشنقة
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

عمر المختار في قبضة القوات الإيطالية عام 1931، قبل أيام من محاكمته وإعدامه
بعد 95 عامًا على إعدامه، قصة عمر المختار من التعليم والسنوسية إلى قيادة المقاومة الليبية، ثم الأسر والمحاكمة والمشنقة في سلوق.
كان على عشرات الآلاف أن يروا المشهد بأعينهم. في سلوق، جنوب بنغازي، جُمعت حشود من الليبيين في صباح 16 سبتمبر/ أيلول 1931، فيما اقتيد عمر المختار إلى المشنقة بعد يوم واحد فقط على صدور الحكم بإعدامه.
لم يكن الرجل الذي وقف أمامهم أسيرًا عاديًا. لسنوات، ارتبط اسمه بالمقاومة في برقة والجبل الأخضر، وأجبر القوات الإيطالية على خوض مواجهة طويلة لم تحسمها المطاردة والسلاح وحدهما. وقبل القبض عليه، كانت السلطات الاستعمارية قد وسعت الاعتقالات والترحيل ومعسكرات الاحتجاز وأغلقت طرق الإمداد، في محاولة لعزل المقاتلين عن محيطهم.
وتنقل مصادر تاريخية، استنادًا إلى عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إدوارد إيفانز بريتشارد، أن نحو 20 ألف شخص أُجبروا على حضور الشنق. وتكشف وثائق إيطالية أن فكرة جعل الإعدام مشهدًا عامًا سبقت المحاكمة نفسها؛ ففي برقية أرسلها الحاكم العام لليبيا بيترو بادوليو إلى الجنرال رودولفو غراتسياني بعد أسر المختار، طلب إجراء محاكمة يعقبها حكم سيكون "من دون شك" الإعدام، على أن يُنفذ أمام أحد التجمعات الكبيرة للسكان.
عمر المختار هو أحد أبرز قادة المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، وارتبط اسمه خصوصًا بالمقاومة في برقة والجبل الأخضر شرقي ليبيا. عُرف لاحقًا بألقاب بينها "شيخ المجاهدين" و"أسد الصحراء"، قبل أن يتحول إلى واحد من أشهر رموز مقاومة الاستعمار في الذاكرة العربية.
تختلف المراجع في سنة ميلاده؛ فبعضها يحددها بعام 1858، بينما يضعها آخر في 1862. المتفق عليه أنه وُلد في منطقة برقة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونشأ في بيئة ارتبطت بالحركة السنوسية التي امتلكت شبكة من الزوايا الدينية والتعليمية والاجتماعية في ليبيا ومناطق مجاورة.
تلقى المختار تعليمه في مؤسسات السنوسية، وقضى سنوات في الجغبوب يدرس العلوم الدينية. عمل لاحقًا في التعليم وإدارة بعض الزوايا، واكتسب معرفة واسعة بالجبل الأخضر ومسالك الصحراء وبالبنية الاجتماعية والقبلية للمنطقة، وهي معرفة ستصبح عاملًا مهمًا حين انتقل من التعليم إلى قيادة المقاومة.
عمر المختار، أحد أبرز قادة المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي في برقة والجبل الأخضر
بدأت إيطاليا غزو ليبيا عام 1911، حين كانت البلاد خاضعة للدولة العثمانية. وبعد الحرب الإيطالية العثمانية ومعاهدة 1912، حصلت روما على اعتراف رسمي بسيطرتها، لكن السيطرة على المراكز الساحلية لم تعن إخضاع جميع المناطق الليبية.
استمرت المقاومة في أنحاء مختلفة من البلاد. وفي برقة، أدت الحركة السنوسية دورًا رئيسيًا في تنظيمها، فيما أصبح عمر المختار تدريجيًا واحدًا من أبرز قادتها.
تغيرت طبيعة المواجهة بصورة أكبر بعد وصول الفاشيين بقيادة بينيتو موسوليني إلى السلطة في إيطاليا عام 1922. سعت روما إلى تحويل السيادة الاسمية على ليبيا إلى سيطرة فعلية على كامل الأراضي والسكان، وأطلقت حملات عسكرية متتالية ضد المناطق الخارجة عن نفوذها. وتضع مراجع تاريخية عمر المختار في مركز المقاومة المنظمة في برقة خلال هذه المرحلة.
لم تكن المقاومة تملك جيشًا يوازي القوات الإيطالية في السلاح والعدد، لذلك اعتمد رجال المختار على مجموعات صغيرة سريعة الحركة، وعلى الكمائن والهجمات القصيرة ثم الانسحاب، مستفيدين من معرفة دقيقة بتضاريس الجبل الأخضر.
ساعد انتشار شبكات اجتماعية ومحلية في المنطقة المقاتلين على الحصول على المؤن والمعلومات والمأوى، فيما أتاحت الحدود المصرية طريقًا مهمًا للإمداد والتحرك.
هذه الخصائص جعلت القضاء على المقاومة أكثر صعوبة مما توقعت السلطات الإيطالية. استمرت المواجهة سنوات، على الرغم من التفوق العسكري الإيطالي واستخدام الطائرات والقوات الآلية في عمليات المطاردة. وتؤكد دراسات تاريخية أن السيطرة الإيطالية على ليبيا ظلت محدودة لسنوات، قبل أن يلجأ النظام الفاشي إلى وسائل أكثر قسوة لعزل المقاتلين عن السكان.
مع تولي غراتسياني إدارة العمليات في برقة، أصبحت ضرب البيئة التي تعتمد عليها المقاومة جزءًا أساسيًا من الخطة الإيطالية.
في عامي 1930 و1931، أجبرت السلطات الاستعمارية السكان الرحل وشبه الرحل في برقة على مغادرة مناطقهم، ونقلتهم إلى معسكرات اعتقال في منطقة سرت. وتقدر أبحاث تاريخية عدد المعتقلين بنحو 100 ألف إلى 120 ألف شخص، فيما تختلف تقديرات عدد الذين ماتوا داخل هذه المعسكرات نتيجة الجوع والمرض والظروف القاسية.
كان الهدف العسكري المباشر واضحًا: قطع الصلة بين السكان والمقاومة. أغلقت السلطات كذلك الحدود مع مصر وشددت مراقبة طرق الإمداد، فيما تعرضت الممتلكات وقطعان الماشية ومصادر العيش لضربات واسعة. وتشير دراسات حديثة إلى أن هذه الإجراءات غيرت ميزان المواجهة بصورة حاسمة لأنها حرمت قوات المختار من الشبكة التي ساعدتها على الاستمرار.
بحلول سبتمبر/ أيلول 1931، كانت المقاومة تعمل في ظروف أشد صعوبة بعدما تقلصت خطوط الإمداد وتزايدت العمليات الإيطالية في الجبل الأخضر.
في 11 سبتمبر، هاجمت قوات إيطالية مدعومة بوحدات محلية وطائرات مجموعة من المقاتلين في منطقة وادي بو طاقة قرب سلنطة. وتوضح وثائق عسكرية درست لاحقًا أن الجزء الأكبر من المجموعة استطاع الانسحاب، لكن مجموعة صغيرة طوردت، وكان عمر المختار بينها. انتهت المطاردة بأسره ونقله تحت حراسة مشددة.
نُقل المختار أولًا إلى بَرْدِيَّة، ثم عبر البحر إلى بنغازي، حيث كانت السلطات تستعد لمحاكمته.
عمر المختار خلال محاكمته في بنغازي في 15 سبتمبر 1931، قبل صدور حكم الإعدام بحقه
عُقدت المحاكمة في بنغازي مساء 15 سبتمبر 1931. دخل المختار القاعة مكبلًا ومحاطًا بالحراس، واستغرقت الجلسة، وفق روايات موثقة لمحضرها، نحو ساعة وربع الساعة قبل صدور حكم الإعدام شنقًا.
لكن وثيقة سبقت الجلسة تجعل الحديث عن نتيجة المحاكمة أكثر وضوحًا.
ففي برقية بتاريخ 14 سبتمبر، وجّه بادوليو غراتسياني إلى إجراء "محاكمة نظامية" يعقبها الحكم الذي سيكون، بحسب نص البرقية، "من دون شك عقوبة الإعدام"، ثم طلب تنفيذ العقوبة في أحد التجمعات الكبيرة للسكان. وقد نُشر نص البرقية في دراسات ووثائق إيطالية تناولت عمليات إخضاع برقة.
خمسة أيام إلى المشنقة
في صباح 16 سبتمبر/أيلول 1931، نُقل عمر المختار إلى المشنقة في معسكر سلوق، على مسافة عشرات الكيلومترات جنوب بنغازي.
لم يكن اختيار المكان والحضور تفصيلين ثانويين. فبحسب المصدر الذي يستند إلى كتاب إيفانز بريتشارد The Sanusi of Cyrenaica، أُجبر نحو 20 ألفًا من السكان المعتقلين، إضافة إلى شخصيات وأعيان ليبيين، على مشاهدة التنفيذ.
وتلتقي هذه الرواية مع برقية بادوليو التي طلبت صراحة تنفيذ حكم الإعدام داخل أحد تجمعات السكان حتى يراه أكبر عدد ممكن. لذلك يمكن قراءة المشنقة باعتبارها جزءًا من سياسة الردع الاستعماري نفسها التي اعتمدت على الاعتقال والترحيل والعزل: لم يكن المطلوب قتل قائد المقاومة فقط، وإنما إظهار موته أمام المجتمع الذي خرجت منه تلك المقاومة.
مشهد من إعدام عمر المختار شنقًا في سلوق في 16 سبتمبر 1931، بعد يوم واحد من محاكمته
كان أسر المختار وإعدامه ضربة حاسمة للمقاومة المنظمة في برقة، خصوصًا بعد الإجراءات التي سبقتها لعزل السكان وقطع الإمداد.
ويشير إيفانز بريتشارد في دراسته عن بدو برقة إلى أن المقاومة التي استمرت نحو عقدين انتهت عسكريًا بعد إخضاعها على يد غراتسياني وأسر المختار وشنقه. وفي يناير/ كانون الثاني 1932، أعلنت السلطات الإيطالية رسميًا انتهاء حملتها لإخضاع المنطقة.
لكن إنهاء المرحلة العسكرية لم يُنه حضور عمر المختار.
مع مرور السنوات، انفصلت صورته عن اللحظة التي أرادت السلطات الإيطالية تثبيتها: الأسير المهزوم أمام قوة استعمارية متفوقة.
جرائم الاحتلال الإيطالي لليبيا | مذكّرات الجنرال رودولفو غراتسياني (من الأرشيف)
ارتبط بعمر المختار أكثر من لقب، من بينها "شيخ المجاهدين" و"أسد الصحراء". وانتشر اللقب الأخير على نطاق أوسع عربيًا وعالميًا بفضل حضوره في الثقافة الشعبية والسينما.
أسهم فيلم "أسد الصحراء" (Lion of the Desert) للمخرج السوري مصطفى العقاد في تكريس هذه الصورة. جسّد أنطوني كوين شخصية عمر المختار، فيما أدى أوليفر ريد دور غراتسياني ورود ستايغر شخصية موسوليني.
عُرض الفيلم مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وتحولت مشاهده إلى واحدة من أشهر الصور البصرية المرتبطة بسيرة قائد المقاومة الليبية.
وظل الفيلم نفسه حاضرًا بعد عقود؛ فقد عاد إلى التداول في مناسبات سياسية مختلفة، كما استعادته منصات التواصل أكثر من مرة.
استمر اسم عمر المختار في ليبيا على الجامعات والشوارع والمؤسسات، وظهرت صورته على العملة، فيما بقيت الصور التي التقطتها السلطات الإيطالية له بعد الأسر من أكثر الصور تداولًا في سيرته.
حتى العلاقات الليبية الإيطالية أعادت هذه الذاكرة إلى الواجهة. ففي زيارة معمر القذافي إلى روما عام 2009، حمل على صدره صورة تاريخية لعمر المختار في الأسر، في زيارة جاءت بعد اتفاق بين البلدين تضمن تعويضات إيطالية مرتبطة بالحقبة الاستعمارية.
بقيت صورة عمر المختار حاضرة في الذاكرة الليبية، واستُعيدت مرارًا في المناسبات السياسية والوطنية بعد عقود على إعدامه - غيتي
بعد 95 عامًا على إعدامه، لا تكمن أهمية قصة عمر المختار في الطريقة التي انتهت بها حياته وحدها. فالمسار الذي قاده من الزوايا السنوسية إلى الجبل الأخضر، ثم من سنوات المقاومة إلى الأسر والمحاكمة، يشرح أيضًا كيف حاولت إيطاليا إنهاء حركة مقاومة لم تستطع حسمها بالقوة العسكرية وحدها.
Loading ads...
لهذا اكتسب صباح 16 سبتمبر 1931 معنى معاكسًا للرسالة التي أُريدت منه. أرادت السلطات الاستعمارية أن يرى آلاف الليبيين المشنقة بوصفها نهاية قائد المقاومة؛ وبقي عمر المختار في الذاكرة باعتباره أشهر وجوهها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





