لا تحتاج قرية عابدين في ريف درعا الغربي، وما حصل فيها، إلى كثير من الوصف. فهي قرية صغيرة، بيوت وأراضٍ وناس، حالها حال كثير من قرى الجنوب السوري، يأبى لها الاحتلال الإسرائيلي حياةً طبيعية، بحكم الجغرافيا وبقوة السلاح والظرف التاريخي.
يكرر الاحتلال المشهد نفسه: توغل وحواجز وتفتيش وقنابل مضيئة وقصف مدفعي وتحليق مروحيات وطائرات مسيّرة، وكأنه يبعث برسالة مفادها أن "إسرائيل ستبقى فوق أي قانون أو عرف وفوق الجغرافيا وفوق حياة السوريين".
ما جرى في محيط عابدين ليس حادثاً أمنياً عابراً، ولا يمكن التعامل معه كخبر عادي عن حدث في منطقة حدودية. إنه حلقة جديدة من سلوك عدائي مستمر ومتعمد، يستهدف الجنوب السوري تحت ذرائع مختلفة منذ سقوط نظام الأسد المخلوع، بينما لا تبحث سوريا اليوم عن الصدام مع إسرائيل، بل تحاول، بكل ما تستطيع، تجنب الانزلاق إلى مواجهة لا تريدها ولا تحتاج إليها.
ومع ذلك، لا يتوقف الفعل الإسرائيلي عن الاستفزاز والتوسع، وكأن المطلوب هو دفع سوريا، دولةً ومجتمعاً، إلى رد فعل غاضب ومحق، ثم استخدام هذا الرد ذريعة لتوسيع الاعتداءات.
والأكثر استفزازاً أن كل هذا لا يقع في الفراغ، بل يحدث أمام قوات دولية يُفترض أنها موجودة لمراقبة تنفيذ اتفاق فض الاشتباك، لا لمشاهدة الخروقات ثم تسجيل الملاحظات والصمت.
فأي معنى لوجود قوات "الأندوف" إذا كانت عاجزة عن منع دورية إسرائيلية، أو حاجز مؤقت أو توغل أو نصب خيام أو قصف؟ وأي جدوى من قوة دولية تقف أمام انتهاك صارخ وتتصرف كما لو أنها موظف أرشيف في منطقة مشتعلة بفعل طرف واحد معتدٍ؟ هذا ليس عجزاً فقط، فانتفاء القدرة على الردع يتحول، مع مرور الوقت، إلى غطاء صامت للانتهاك، أو إلى شاهد لا يُحترم.
في المقابل، لم يرضَ الأهالي أن يكونوا شهوداً فقط، فكان فعلهم في عابدين يستحق الوقوف عنده طويلاً. فالكل حتى الأطفال خرجوا لمواجهة جيش مدجج بالسلاح، وقطعوا الطريق في وجهه بالحجارة، في فعل بسيط في أدواته، كبير في معناه.
ليست الحجارة هنا تفصيلاً عاطفياً، ولا مشهداً رمزياً فحسب، بل هي مقاومة الناس حين تضيق بهم الخيارات. وهذا الفعل الشعبي العفوي الأصيل ينتمي إلى السوريين في لحظة دفاعهم عن بيوتهم وكرامتهم وأرضهم.
لن يطلب أحد من طفل أن يواجه دبابة، ولا من أهل قرية أن يحملوا عبء البلاد، لكن حين يشعر السوريون أن أرضهم تُستباح، فإنهم يفعلون ما يستطيعون، وهذا بالضبط ما حدث.
ولذلك، لا يكفي أن نقول إن الأهالي تصدوا. يجب أن نقول إنهم عطلوا الفعل، وذكّروا الجميع بأن الجنوب السوري ليس خاصرة رخوة، وأن كرامتهم الوطنية ليست بنداً مؤجلاً. لقد وقفت عابدين، بالحجارة، في وجه الاحتلال، وقالت إن هذا الفعل لن يتحول إلى أمر طبيعي، وإن الاستفزاز المستمر سيصطدم دائماً بإرادة وذاكرة سوريتين لا تقبلان الإهانة، حتى وهما مرهقتان ومتعبتان.
لكن هذا كله يضع الحكومة السورية أمام مسؤولية جدية. فالإدانة مطلوبة، نعم، واللغة السياسية مهمة جداً، لكن تكرار الخروقات يفرض البحث عن أسلوب أكثر تماسكاً في التعامل معها.
ليس المطلوب خطاباً انفعالياً، ولا مغامرة عسكرية، ولا فتح باب صدام واسع، لكن المطلوب أن تكون هناك سياسة واضحة تبدأ بالإدانة، ثم التوثيق، والتحرك الدبلوماسي المنظم، والمخاطبة المباشرة للأمم المتحدة، وإحراج الدول الراعية لاتفاق فض الاشتباك، وتذكير من يطلب، ليلًا نهاراً، دوراً سورياً في لبنان، بأن يلجم مسبب الأذى الأساسي في لبنان وسوريا.
ولا بد من تثبيت حق السوريين في الأمن داخل قراهم. فلا يجوز أن يبقى الناس وحدهم في مواجهة آلة عسكرية تريد تحويل حياتهم اليومية إلى اختبار دائم للخوف.
الإدانات العربية والإقليمية مهمة، لأنها تؤكد أن الاعتداء على سوريا ليس شأناً سورياً داخلياً، بل انتهاك للسيادة وتهديد لاستقرار المنطقة بأكملها. لكن هذه الإدانات تحتاج إلى ما بعدها.
نحتاج إلى صوت أوسع، وأكثر وضوحاً واستمراراً، أما الغياب الأممي، أو الحضور الباهت، فهو جزء من المشكلة. فحين يصمت المجتمع الدولي والقوى الكبرى عن الخرق، يصبح تكراره أسهل وأكثر وقاحة.
ما حدث في عابدين ليس مجرد قصف على أطراف قرية سورية، بل هو اختبار جديد لمعنى السيادة السورية، ولمعنى أن يعيش الناس آمنين في أرضهم، ولمعنى أن تكون هناك حدود واتفاقات لا يحق للاحتلال، ولا يجوز له، أن يخرقها متى شاء. والأهم أنه اختبار لطريقة التعامل مع إسرائيل حين تختار الاستمرار في الانتهاك والاعتداء.
Loading ads...
في عابدين، كانت الحجارة لتعطل الفعل الإسرائيلي، ولتفتح سؤالاً ليس فقط عما تفعله إسرائيل، بل: ماذا سنفعل نحن كي لا يصبح هذا الأمر عادياً؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
حجارة عابدين.. كي لا يصبح هذا الأمر عادياً؟
منذ ساعة واحدة
0

