ساعة واحدة
"المهباش".. رمز الوجاهة الأردنية وصوت "الإعلام" التراثي في مجالس الشيوخ
الجمعة، 30 أكتوبر 2026

بنغمات خشبية تخترق سكون المكان، وتتردد أصداؤها في المضارب والقرى، لم يكن "المهباش" الأردني يوما مجرد أداة صماء لطحن حبوب القهوة.
لقد كان "شيفرة تواصل" اجتماعي، ونافذة إعلامية حية، وجزءا من لغة اجتماعية أوسع ارتبطت بالكرم، وعقد الصلح، وحسم المواقف في الأفراح والأحزان.
ورغم أن المهباش كان حاضرا في مقتنيات البيت الأردني عموما، فإنه احتل مكانة استثنائية ورمزية أعلى في مجالس الشيوخ والمضافات الكبرى ليعكس نفوذ أصحابها. ولم يكن المهباش يعمل منفردا، بل كان حلقة مركزية ضمن منظومة طقسية متكاملة تبدأ بتحميص البن على "المحماسة"، مرورا بدقه الإيقاعي، وصولا إلى طبخه في "الدلة".
ونظرا للمشقة والجهد البدني الذي يتطلبه إشعال النار والطحن، ارتبطت هذه المهمة تاريخيا بالرجال؛ إذ كانت المضافات الكبيرة تخصص رجلا خبيرا يُعرف بـ"القهوجي" أو "الفداوي" ليتولى أصول هذه الصناعة.
تكتسب هذه الأداة صلابتها ورنينها الفريد من طبيعة المادة الخام؛ إذ يُنحت المهباش تقليديا من خشب "البطم" القاسي. ومع ندرة هذه الشجرة في الأردن، لجأ الحرفيون لاحقا إلى أخشاب الكينا، والسلم، والخروب، والمشمش، والتين.
وقد تنوعت أحجامه وزخارفه بين البادية والريف، وإن كان يشهد اليوم تحولا متزايدا من أداة للاستخدام اليومي إلى قطعة زينة تراثية أو منتج سياحي.
وفي مقابلة مع "الجزيرة"، يوضح الخبير التراثي محيي الدين صالح عبد الرحمن القدارم، المعروف بـ"بني عيسى" أو "أبو قيس"، أن هذه الأداة -التي تُعرف في التراث بأسماء عدة أبرزها الجرن، والمدق، والنجر، والعزام- كانت بمثابة "وسيلة إعلامية" في زمن خلا من التكنولوجيا. فصوت الدق يُعلم الجيران وعابري السبيل بإعداد القهوة واستقبال الضيوف فيقبلون للمشاركة.
وبحسب الروايات الشفوية المتوارثة محليا، وُجدت دقات ليلية اضطرارية شكلت ما يشبه "شيفرة طوارئ" تفزع البلدة على إثرها لنجدة صاحب البيت.
وتعلم القدارم نغمات المهباش ودقاته من والده، وابتكر نغمات خاصة تُريح السامعين وتجلب البهجة لأسرته وأحفاده، وللزوار الذين يقصدونه لتعلم هذا الفن التراثي الأصيل وتوثيق ذاكرته الصوتية.
وحول القيمة الذوقية، يشير الخبير التراثي إلى أن طحن القهوة طازجة بالمهباش يسهم بشكل كبير -إلى جانب جودة التحميص ونوع البن- في استخلاص زيوتها والحفاظ على عبقها، وهو ما يمنحها نكهة مميزة تفتقدها القهوة الجاهزة والمطحونة مسبقا.
غير أن انتشار المطاحن الكهربائية، وتغير أنماط الضيافة السريعة، وندرة الحرفيين، عوامل أدت إلى تراجع هذا الطقس.
Loading ads...
وفي ختام حديثه، أعرب القدارم عن أسفه لتراجع ثقافة إعداد القهوة الأصيلة ورحيل كبار متذوقيها، قائلا: "القهوة المقدمة في الأعراس والصالات الحديثة باتت تفتقر إلى النكهة والجودة التقليديتين اللتين عرفتهما المجالس القديمة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



