أين الشّعر من المعارك التي تُشنّ باسمه وتحت لوائه، هل سمع بها، هل وصله ضجيجها أو عفّر وجهه ما تثيره من غبار، حتّى اليوم ما زالت حروبٌ صغيرةٌ تثار حول الشّعر على ساحات وسائل التّواصل الاجتماعي، يشنّ أحدهم الحرب ويعلن الجهاد ضد الخارجين عن تقييمه ويتجمهر الناس حوله في التعليقات ويرجمون الشّاعر بكلماتهم ونكاد نسمع الصّفير والتّصفيق.
هناك عدد من شعراء العمودي يعتبر أن شرط الشّعر هو شكله بشكلٍ أساسي، وبدون أوزان محسوبة وقافية محكمة لا يكون الكلام شعرًا، وعلى طرف النقيض نجد عددًا من شعراء قصيدة النثر ممن يعتبرون من يلتزم العمود والوزن رجعي خارج مسار الحداثة ومنفصل عن الواقع.
الشّعر يقف بعيدًا بمسافة متساوية عن ذينك الفريقين، يبتسم ويجمع حوله شّعراء من كافة الأزمان والبلدان والمدارس الشّعريّة، ممن وصلوا للعمق ووجدوا لآلئ المعنى، تاركين على السّطح شعراء يصرخون على المنابر بكلامٍ مقفى، وأنصاف موهوبين يلقون الكلام على عواهله ويظنون أن أي كلام يليق بأن يصير قصيدة نثر دون أن يدركوا أن كتابة قصيدة النثر هي الأصعب إذ لا غطاء يمكنه إخفاء الأفكار المكرّرة أو التشويش على الصّور الساذجة، فهي شعر صرف يمسك بالمتلقي من خلال عمق المعنى وجمال الصور والتشابيه وجدّتها، إذ لا يملك كسواه أوزانًا وقافية تحول الشّعر لظاهرة صوتيّة تسحر الآذان فتتحرك الأيدي بالتّصفيق الحار.
هذه المعارك ليست حكرًا على الشّعر بل سبقه إليها الكثير الفن التشكيلي الذي ما زال الكثير من أبنائه يشيد بالفن الكلاسيكي ويعتبر ما سواه مجرد عابث، رغم أن مسار التشكيل في العالم قد تجاوز الكلاسيكية منذ سنوات طويلة ومفهوم اللوحة والمنحوتة لم يعد ضرورةٍ للعمل الفني.
بالتأكيد لا يمكن جمع الفنانين على رأي واحد ولا الشّعراء كذلك، لكن من الضّرورة تجاوز هذه المعارك والكفّ عن الاتهامات وتوزيع الصكوك الشّعريّة، وبدل الانشغال بهذه التفاصيل فلينشغل الشّعراء بنتاجهم والنّقاد بمراقبة النّتاج الشّعري بعيدًا عن آراء مسبقة وذائقة تستقبل وفق نماذج ثابتة.، فللشعر معاني كثيرة وجوانب متعددة من غير الممكن الإحاطة بها بشكل كامل، وهنا لأجل توسيع فهم معنى الشّعر أمام من يبصره من زاوية واحدة، سنعرض بعض تعاريف الشّعر قالها شعراء ونقّاد ومفكرين من بلاد وأزمان مختلفة، فلا نبقى متحلقين حول تعريف واحد "كلام موزون مقفى" فكنه الشّعر مثير للحيرة ومن الصعب معرفته كما قال الشّاعر والمسرحي الفرنسي جان كوكتو "من الصعب على شاعرٍ الحديث عن الشعر، كصعوبة النبات في الحديث عن علم الحدائق"
و جدوى الشّعر تثير حيرته كذلك: "الشعر لابد منه لكن لا أعرف لماذا"
الفيلسوف غاستون باشلار تجاوز الحيرة وحاول تعريف الشّعر ومن بين ما قاله في ذلك:
"القصيدة ميتافيزيقا لحظيّة، يلزم قصيدة مقتضبة تقديم رؤية عن الكون، كنه الروح، ثم الوجود والأشياء، جميعها خلال الآن ذاته، إن اقتفت ببساطة زمن الحياة، فالقصيدة أقل من الحياة؛ ولا يمكنها أن تغدو أكثر من الحياة سوى إذا استطاعت تثبيت الحياة، كي تحيا فورًا جدلية الأفراح الأحزان. القصيدة، مبدأ تزامن أساسي ينتصر معها الوجود الأكثر تبعثرًا، وتفكُّكًا، لحيز وحدته."[1]
"من أجل قصيدةٍ واحدةٍ عليكَ أن ترى مدنًا عديدة، وأشياء كثيرة، وأناسا لا عد لهم أو إحصاء"
والحاجة لتعريف الشّعر ليست جديدة فقد قام بلوتارخ المؤرخ إغريقي بتعريفه ببساطة:
"الرسم شعر صامت، والشعر رسم متكلم"، وهنا لابد أن نُظهر بعض التّحيّز لهذا التعريف لشدة ما نجده من جمالية مضافة يكتسبها الشّعر من خلال مشهديته.
"الشّعر موقفٌ من الحياة" هذا رأي الشّاعر السّوري محمد الماغوط، بينما كارل ساندبرغ وجد أن الشعر مخطوطة شبحية تحكي كيف يتكون قوس قزح وكيف يختفي.
وعن كون الشّعر مضمونًا لا شكلًا فقط يذكر فيكتور هيجو: "الشعر ليس في شكل الأفكار، ولكنّه في الأفكار نفسها"، فالشِّعرُ هو ما ينتج عن عثور إحساس على فكرته وعثور الفكرة على كلمات كما قال روبرت فروست.
وأحدهم وجد أن الشعراء عندما يقع بهم الألم، بدلاً من أنْ يبعدونه يبحثون له عن عنوان، فالشعر عنده إذن هو الألم.
الشّاعر النمساوي ريلكه يجد الشّعر خميرة حياة وليس ذخيرة لغوية فقط
"من أجل قصيدةٍ واحدةٍ عليكَ أن ترى مدنًا عديدة، وأشياء كثيرة، وأناسا لا عد لهم أو إحصاء".
أمام هذا التنوع في تعاريف الشعر من قبل الشّعراء والفلاسفة، نجد أنفسنا تائهين أمام معنى الشّعر فندرك مدى اتساعه وصعوبة القبض عليه بإحكام، فنحن في محاولة تعريفه نكون أشبه بالطفل الواقف على رؤوس أصابعه، يمدّ يده متطاولًا محاولًا لمس خدّ الشّمس، والشّعر يراقبنا ونحن نتنازعه، ويقف في الظّل ويضحك.
الآن إن كان ولابدّ من تحقيق رغبة البعض بغربلة الشّعر وفرز الحقيقي عن سواه فليس لنا إلا أن ننحو نحو إيميلي ديكنسون حين قالت بأنّها أمام أية قصيدةٍ حقيقيّةٍ يصيبها البرد حدّ أنّها تتصوّر ألا نار تستطيع تدفئتها بعد ذلك، إميل سيوران اعتبر هذا رؤية وحيدة مرضية للشعر.
Loading ads...
[1] ترجمة د.سعيد بوخليط
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



