تسجل السعودية اليوم تقدماً لافتاً في تعاملها مع العواصف الغبارية والرملية، فالأرقام التي وثقتها السنوات الأخيرة لا تُظهر تحسناً تدريجياً فحسب، بل تعكس تراجعاً حاداً وغير مسبوق في معدلات الظاهرة التي لطالما شكّلت تحدياً صحياً واقتصادياً وبيئياً في المنطقة.
هذا التراجع لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة مسار طويل من السياسات البيئية والمشاريع الوطنية، وعلى رأسها مبادرات التشجير ومكافحة التصحر وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، ضمن إطار أوسع تقوده مبادرة السعودية الخضراء.
وتشير المعلومات إلى أن بعض مناطق المملكة، خاصة في الشمال والوسط، كانت تاريخياً الأكثر تعرضاً للعواصف، مثل عرعر وطريف ورفحاء والقريات، إضافة إلى الرياض والقصيم والأحساء والدمام، لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً واضحاً في تلك المناطق تحديداً.
تشير البيانات الصادرة عن المركز الإقليمي للعواصف الغبارية والرملية ونقلتها "العربية. نت"، إلى أن المملكة سجلت تراجعاً بنسبة 62% في حالات العواصف الغبارية خلال عام 2024 مقارنة بالمتوسط التاريخي للفترة بين 2003 و2023، فيما واصل عام 2025 الاتجاه نفسه بتراجع بلغ 46%.
وكشف المركز أن عام 2024 سجل أدنى متوسط سنوي لساعات الغبار بواقع 112 ساعة فقط، مقابل متوسط تاريخي بلغ 292 ساعة سنوياً، بينما سجل عام 2025 نحو 158 ساعة، وهو ما يعكس استمرار التحسن رغم التباين الموسمي.
وفي بعض الأشهر وصل الانخفاض إلى مستويات قياسية تجاوزت 80%، خاصة في شهري يناير وأكتوبر من عام 2025، ما يشير إلى تغيرات ملموسة في ديناميكية العواصف وليس مجرد تذبذب طبيعي في المناخ.
يرتبط هذا التحسن بمجموعة من السياسات المتكاملة التي اعتمدتها السعودية، خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها برامج إعادة تأهيل الأراضي وزيادة الغطاء النباتي، ضمن مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء.
وفي إطار النهج الاستباقي في معالجة تأثيرات التغير المناخي، تواصل المملكة العمل لزيادة الغطاء النباتي والمساعدة في مكافحة التصحر من خلال مبادرات تشجير مدروسة بعناية في جميع أنحاء المملكة.
وتشمل المبادرات زراعة 10 مليارات شجرة في جميع أنحاء السعودية، أي ما يعادل إعادة تأهيل 74 مليون هكتار من الأراضي.
وفي هذا الإطار، نجحت المملكة في غرس أكثر من 159 مليون شجرة، إضافة إلى إعادة تأهيل ما يزيد على مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، إلى جانب تطبيق برامج الاستمطار وتقنين الرعي ومنع الاحتطاب والتوسع في المحميات الطبيعية.
لا يقتصر أثر انخفاض العواصف الغبارية على الجانب البيئي فقط، بل يمتد إلى الصحة العامة والاقتصاد الوطني.
بحسب تقديرات دولية، تسهم العواصف الرملية في رفع معدلات أمراض الجهاز التنفسي، وتعطيل حركة النقل، وإرباك سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، فضلاً عن تأثيرها على قطاعات الطاقة والزراعة والبنية التحتية.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتكبد خسائر تتجاوز 150 مليار دولار سنوياً بسبب العواصف الرملية والغبارية، أي ما يعادل أكثر من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول، وهو رقم يوضح حجم الرهانات المرتبطة بهذا الملف.
وفي هذا السياق يلفت خبراء إلى أن تقليل ساعات الغبار في السعودية من نحو 400 ساعة سنوياً في العقود الماضية إلى أقل من 160 ساعة حالياً يمثل تحولاً ذا أثر مباشر على الإنتاجية وتقليل التكاليف الصحية وتحسين جودة الحياة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
الكاتبة مي خالد، في مقال لها بصحيفة "عكاظ"، وصفت الحملة التي تبنتها السعودية للقضاء على التصحر والعواصف الغبارية بأن المملكة تخوض اليوم "واحدة من أكبر المعارك البيئية في التاريخ الحديث لإعادة صياغة علاقتها مع الصحراء".
وأضافت في مقالها الذي حمل عنوان "استدامة التشجير"، أن هذه "المعركة" البيئية تأتي تحت مظلة "مبادرة السعودية الخضراء".
وأشارت إلى أن التشجير لم يعد "مجرد خطة تجميلية للمدن، بل تحوّل إلى إستراتيجية وطنية وقومية لمكافحة التصحر، وتحسين جودة الحياة، وإعادة التوازن البيئي في بيئة عُرفت تاريخياً بجفافها وقسوتها".
وفي ذات الصحيفة يشيد الكاتب خالد السليمان، في مقال حمل عنوان "ترميم البيئة"، بما تحقق من مشاريع بيئية تبنتها رؤية "2030".
وقال: "اليوم، يشعر المواطن بأهمية الإجراءات الصارمة التي طبقت مع إنشاء المنظومة البيئية بمؤسساتها وتنظيماتها، ووعيه بشراكته في تحقيق مستهدفاتها من خلال الامتثال لأنظمتها وتعزيز الثقافة البيئية في المجتمع!"
ويختم السليمان مقاله مظهراً أهمية ما تحقق بأنه عوض إهمال البيئة في السنوات السابقة، موضحاً: "باختصار.. نحن لا نحمي البيئة ونعمل على ترميمها، بقدر ما نستعيدها ونعوض سنوات أهدرت في تدميرها!".
من جهته يتحدث الكاتب وليد سعد الشهري عن أهمية المحميات التي كثفت المملكة خططها لتطويرها وزيادة تشجيرها، مبيناً في مقال نشرته صحيفة "مكة" أن "التحولات الطموحة ضمن رؤية المملكة 2030 حولت المحميات إلى أصول استراتيجية تعكس التزام الدولة بالاستدامة وتفتح آفاقاً للاستثمار الأخضر".
وفي السياق يلفت الشهري إلى أن هذه الجهود تأتي ضمن توجه وطني أشمل يستهدف رفع نسبة المحميات لتغطي نحو 30% من مساحة المملكة بحلول عام 2030 بما يتسق مع مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء".
من جانب آخر يشير الشهري إلى المكاسب الاقتصادية التي تعكسها رؤية 2030 في الجانب البيئي، مبيناً أنها تمتد إلى "الاستثمار في السياحة البيئية كجزء من تنويع الاقتصاد الوطني".
Loading ads...
ويلفت إلى أن المحميات الطبيعية تحولت وفق رؤية 2030 إلى مشاريع تسهم في دعم السياحة البيئية وتنويع الاقتصاد وخلق وظائف خضراء وتمكين المجتمعات المحلية، مؤكداً أن المحميات الطبيعية "ليست ترفاً بيئياً، بل استثمار وطني يعزز الاقتصاد ويصون البيئة ويعكس التزام المملكة بالتنمية المستدامة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






