39 دقائق
هل نقترب من هزيمة الشيخوخة؟ العلم يختبر والشركات تبيع الحلم
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026
منذ آلاف السنين والإنسان يحلم بالعثور على إكسير الشباب، ذلك العلاج الأسطوري الذي يمنع الشيخوخة ويؤجل الموت. واليوم، يبدو أن هذا الحلم القديم قد عاد في ثوب علمي جديد؛ فبدل البحث عن إكسير سحري، يدرس العلماء الجينات والخلايا والبروتينات والمسارات الجزيئية المسؤولة عن الشيخوخة، وتستثمر شركات التكنولوجيا الحيوية في تطوير أدوية وتقنيات تعد بإبطاء التقدم في العمر، وربما بعكس بعض مظاهره.
وفي موازاة هذه الأبحاث، نشأت صناعة تجارية لإطالة العمر، تُسوّق المكملات الغذائية والفحوص الجينية واختبارات العمر البيولوجي، بل حتى بعض العلاجات التجريبية، بوصفها وسائل لاستعادة الشباب وتأخير الشيخوخة. لكن وسط هذا الحماس العلمي والتجاري، يبرز سؤال أساسي: هل اقتربنا فعلا من القدرة على إبطاء شيخوخة الإنسان، أم أننا أمام صناعة تبيع وعودا تتجاوز ما أثبته العلم حتى الآن؟
اعتدنا قياس عمر الإنسان بعدد السنين التي مرت منذ ولادته. غير أن العمر الزمني لا يعكس بالضرورة الحالة الصحية والبيولوجية للجسم. فقد نجد شخصين في الستين من العمر، يتمتع أحدهما بلياقة بدنية جيدة ووظائف قلبية واستقلابية سليمة، بينما يعاني الآخر من أمراض مزمنة وتدهور في قدراته الجسدية. ورغم تساويهما في العمر الزمني، فإن حالتهما البيولوجية مختلفة.
ينطلق علم الشيخوخة الحديث من فكرة مفادها أن التقدم في العمر ليس مجرد مرور حتمي للوقت، بل تصاحبه تغيرات بيولوجية تمكن دراستها، وربما التأثير في بعضها. في عام 2023، نشرت مجلة "سيل" (Cell) مراجعة علمية مرجعية حدد فيها الباحثون اثنتي عشرة سمة رئيسية للشيخوخة، من بينها تراكم الأضرار في الحمض النووي، واضطراب تنظيم الجينات، واختلال وظائف الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة، وتراجع قدرة الخلايا على التخلص من مكوناتها التالفة، إضافة إلى الالتهاب المزمن وتراكم الخلايا الهرمة. هذه العمليات ليس كل منها مستقلا عن الآخر، بل تتفاعل في شبكة بيولوجية معقدة.
وقد يؤدي اضطراب إحداها إلى التأثير في العمليات الأخرى، مما يساهم تدريجيا في تراجع وظائف الأعضاء وارتفاع خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر. وتكمن أهمية هذه الاكتشافات في أنها فتحت الباب أمام إمكانية التدخل في بعض آليات الشيخوخة، بدل الاكتفاء بعلاج الأمراض التي تظهر نتيجة التقدم في السن. لكن تحديد الآليات المسؤولة عن الشيخوخة شيء، وإثبات القدرة على إبطائها لدى الإنسان شيء آخر.
شهد متوسط العمر المتوقع عند الولادة ارتفاعا كبيرا خلال القرنين الماضيين، بفضل التحسن في التغذية والصرف الصحي والتلقيح والمضادات الحيوية والرعاية الطبية. لكن هذه الإنجازات لا تعني بالضرورة أن العلم نجح في إبطاء الشيخوخة البيولوجية نفسها. فإنقاذ الأطفال من الأمراض المعدية، وعلاج ارتفاع ضغط الدم، والوقاية من النوبات القلبية، كلها تدخلات تزيد متوسط العمر المتوقع، دون أن تثبت بالضرورة أنها تغير السرعة الأساسية للشيخوخة.
لهذا السبب، يميز الباحثون بين مفهومين: مدة الحياة، أي عدد السنين التي يعيشها الإنسان، ومدة الحياة الصحية، أي السنين التي يقضيها محتفظا بوظائفه الجسدية والذهنية وقدرته على الاستقلالية.
وتتبنى منظمة الصحة العالمية مفهوم الشيخوخة الصحية، الذي يركز على الحفاظ على القدرات الوظيفية التي تسمح للإنسان بالعيش بصورة جيدة في مراحل العمر المتقدمة. ومن هذا المنظور، فإن إضافة سنوات جديدة إلى حياة الإنسان لا تمثل بالضرورة إنجازا صحيا إذا كانت هذه السنوات مصحوبة بالعجز والأمراض المزمنة. التحدي الحقيقي إذن لا يتمثل فقط في إضافة سنوات إلى الحياة، وإنما أيضا في إضافة حياة صحية إلى تلك السنوات.
من أكثر الاكتشافات إثارة للاهتمام في هذا المجال إمكانية التأثير في المسارات الجزيئية التي تتحكم في النمو والاستقلاب والاستجابة للمواد الغذائية. ويُعد دواء الراباميسين (Rapamycin) أحد أبرز الأمثلة. فهو يثبط مسارا خلويا يُعرف باسم الهدف الثديي للراباميسين (mammalian Target of Rapamycin) -المعروف اختصارا بـ"mTOR"-، يؤدي دورا أساسيا في تنظيم نمو الخلايا وتصنيع البروتينات واستجابتها لتوافر المواد الغذائية.
وقد أظهرت تجارب متكررة على الفئران أن الراباميسين يستطيع إطالة عمرها، حتى عندما يبدأ إعطاؤه في مراحل متقدمة نسبيا من حياتها. هذه النتائج مهمة لأنها تقدم دليلا تجريبيا على إمكانية التأثير الدوائي في بعض الآليات المرتبطة بالشيخوخة لدى الثدييات. لكن المشكلة تبدأ عند الانتقال من الفئران إلى البشر. فالأدلة البشرية المتاحة حتى الآن محدودة، وتركز غالبا على مؤشرات مناعية أو استقلابية في تجارب صغيرة، لا على إثبات إطالة العمر أو إبطاء الشيخوخة بصورة شاملة.
فالقدرة على إطالة عمر الفأر لا تعني تلقائيا القدرة على إطالة عمر الإنسان. كما أن استخدام الراباميسين قد يرتبط بآثار جانبية تختلف باختلاف الجرعة والنظام العلاجي، مما يجعل استعماله بهدف إطالة العمر خارج التجارب السريرية أمرا لا يستند إلى أدلة كافية.
وينطبق الحذر نفسه على الميتفورمين، الدواء المعروف والمستخدم منذ عقود لعلاج السكري من النوع الثاني. فقد أثارت بعض الدراسات الرصدية اهتمام الباحثين بعد ملاحظة نتائج صحية وعلاقات إحصائية مشجعة لدى مستخدميه. لكن هذه الملاحظات لا تثبت أن الميتفورمين يبطئ الشيخوخة؛ إذ قد تتأثر النتائج بعوامل عديدة، منها الخصائص الصحية للمشاركين واختلاف أنماط الرعاية الطبية. لذلك، تبقى الحاجة قائمة إلى تجارب سريرية مصممة خصيصا لاختبار تأثير هذه الأدوية في الشيخوخة والأمراض المرتبطة بها. ولا ينبغي الخلط بين فعالية دواء لعلاج مرض معين وفعاليته المحتملة في إطالة أعمار الأشخاص الأصحاء.
من الاتجاهات البحثية الواعدة دراسة ما يُعرف بالخلايا الهرمة. هذه خلايا توقفت عن الانقسام، لكنها لم تمت، وقد تستمر في إفراز مواد التهابية تؤثر في الخلايا والأنسجة المحيطة بها. ومن المهم الإشارة إلى أن الشيخوخة الخلوية ليست ظاهرة ضارة دائما؛ فهي تؤدي دورا في كبح تكاثر بعض الخلايا المتضررة، ويمكن أن تساهم في إصلاح الأنسجة. لكن تراكم بعض هذه الخلايا مع التقدم في العمر قد يؤدي إلى اضطراب وظائف الأعضاء وتعزيز الالتهاب المزمن.
وقد دفع ذلك العلماء إلى تطوير مركبات تُعرف باسم "محللات الخلايا الهرمة" (Senolytics)، تستهدف أنماطا محددة من الخلايا الهرمة لا جميعها. وأظهرت تجارب على الحيوانات أن إزالة مجموعات معينة من هذه الخلايا قد تحسن بعض الوظائف الجسدية وتطيل العمر في ظروف تجريبية محددة.
غير أن النتائج البشرية ما زالت أولية. فالتجارب السريرية المتاحة محدودة، ولم تثبت حتى الآن أن هذه المركبات تطيل عمر الإنسان أو تمنع بصورة مؤكدة الأمراض المرتبطة بالشيخوخة. ويبقى التحدي الأساسي هو تحديد الخلايا التي ينبغي التخلص منها، دون الإضرار بالخلايا التي تؤدي وظائف بيولوجية ضرورية.
من أكثر المجالات إثارة في أبحاث الشيخوخة تقنية إعادة البرمجة الخلوية. تعتمد هذه الفكرة على اكتشاف علمي أظهر إمكانية إعادة الخلايا المتخصصة إلى حالة أكثر بدائية باستخدام مجموعة من عوامل تنظيم الجينات، المعروفة بعوامل ياماناكا، نسبة إلى العالم الياباني شينيا ياماناكا الذي اكتشف هذه العوامل التي تمكن من إعادة برمجة الخلايا.
وقد تطورت هذه الأبحاث لاحقا نحو ما يُسمى إعادة البرمجة الجزئية، التي تهدف إلى استعادة بعض الخصائص الشبابية للخلايا دون فقدان هويتها الأصلية. وأظهرت دراسات تجريبية أن هذه المقاربة تستطيع عكس بعض التغيرات الجزيئية المرتبطة بالعمر وتحسين مؤشرات معينة لوظائف الخلايا. لكن الانتقال من هذه النتائج إلى علاج آمن للإنسان لا يزال تحديا علميا كبيرا.
فتغيير برامج الخلايا الجينية قد يؤدي إلى فقدان هويتها أو اضطراب نموها، وقد يرفع خطر تكوّن الأورام في بعض الظروف. لذلك، فإن نجاح العلماء في جعل بعض الخلايا تبدو أصغر سنا على المستوى الجزيئي لا يعني أنهم أصبحوا قادرين على تجديد جسم الإنسان بأكمله، أو إطالة عمره بصورة آمنة.
من أبرز التطورات التي ساهمت في ازدهار صناعة إطالة العمر ظهور ما يُعرف بالساعات البيولوجية أو اللاجينية. تعتمد بعض هذه الساعات على قياس التغيرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي، وخاصة عملية مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)، وهي تغيرات تؤثر في تنظيم نشاط الجينات دون تغيير تسلسلها. وباستخدام النماذج الإحصائية وتقنيات التعلم الآلي، طوّر الباحثون ساعات تستطيع تقدير بعض جوانب العمر البيولوجي أو سرعة التغيرات المرتبطة بالتقدم في السن، لكن هذه الساعات ليست جميعها متطابقة، ولا تقيس بالضرورة الظاهرة البيولوجية نفسها. والأهم من ذلك أن انخفاض العمر البيولوجي الذي تقدره إحدى هذه الساعات بعد تدخل معين لا يعني تلقائيا أن الإنسان سيعيش مدة أطول.
فلكي تصبح هذه المؤشرات أدوات طبية موثوقا بها، ينبغي إثبات أن التغيرات التي تسجلها تعكس فعليا تحسنا في النتائج الصحية المهمة، مثل انخفاض حدوث الأمراض المزمنة والعجز والوفيات.
وتحذر مراجعات علمية حديثة من المبالغة في استخدام اختبارات العمر البيولوجي لاتخاذ قرارات طبية فردية، خصوصا في ظل الاختلافات التقنية والبيولوجية بين الاختبارات. وهنا يظهر أحد جوانب المشكلة التجارية: فمن السهل تسويق اختبار يخبرك بأن عمرك البيولوجي أصغر بخمس سنوات، لكن من الصعب إثبات أن هذه النتيجة تعني بالفعل أنك ستعيش خمس سنوات إضافية.
بعيدا عن الوعود المستقبلية، بدأت بعض التجارب السريرية تقدم نتائج تستحق الاهتمام. ففي دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة "نيتشر إيجينغ" (Nature Aging)، حلل الباحثون بيانات تجربة "كاليري" (CALERIE) السريرية العشوائية، التي شملت 220 شخصا بالغا لا يعانون من السمنة، لدراسة تأثير تقليل السعرات الحرارية دون التسبب في سوء التغذية. وأظهرت النتائج أن التدخل الغذائي، الذي استمر عامين، ارتبط بتباطؤ بنسبة تقارب 2 إلى 3% في سرعة الشيخوخة وفق مقياس "دوندين بيس" (DunedinPACE)، وهو أحد المقاييس اللاجينية المستخدمة. لكن الباحثين لم يجدوا تحسنا ذا دلالة إحصائية في جميع مقاييس العمر البيولوجي التي اختبروها.
وتكمن أهمية الدراسة في أنها قدمت دليلا تجريبيا على إمكانية تعديل أحد المؤشرات الجزيئية المرتبطة بالشيخوخة لدى البشر. لكنها لم تثبت أن تقليل السعرات الحرارية يطيل عمر الإنسان، أو أن التغير المسجل في مقياس لاجيني واحد سيتحول بالضرورة إلى انخفاض في الأمراض أو الوفيات.
وفي تحليل لاحق لبيانات تجربة "دو هيلث" (DO-HEALTH)، نُشر عام 2025 في المجلة نفسها، حلل الباحثون بيانات 777 مشاركًا لتقييم تأثير أحماض أوميغا-3 الدهنية وفيتامين "د" والتمارين الرياضية في مؤشرات الشيخوخة البيولوجية. وأظهرت النتائج أن تناول أوميغا-3 أدى إلى تغيرات طفيفة في بعض مقاييس العمر اللاجيني، بلغت في بعضها نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر خلال ثلاث سنوات، بينما كان التأثير في مقاييس أخرى أقل.
كما أظهر الجمع بين أوميغا-3 وفيتامين "د" والتمارين الرياضية تأثيرا إضافيا وفق بعض المؤشرات المستخدمة. لكن هذه النتائج لا تعني أن تناول مكملات أوميغا-3 يضيف ثلاثة أو أربعة أشهر إلى حياة الإنسان، ولا تبرر استعمال المكملات بصورة عشوائية بهدف إطالة العمر. فالاختلاف بين تحسين مؤشر بيولوجي وإثبات فائدة سريرية حقيقية يظل أحد أكبر التحديات في هذا المجال.
في الوقت الذي يعمل فيه العلماء على فهم آليات الشيخوخة، تتوسع السوق التجارية التي تستثمر في خوف الإنسان من التقدم في العمر ورغبته في المحافظة على شبابه. وتُسوّق اليوم مكملات غذائية واختبارات بيولوجية وعلاجات مختلفة تحت شعار مكافحة الشيخوخة، رغم أن كثيرا منها لا يستند إلى تجارب سريرية تثبت إطالة عمر الإنسان.
ومن أبرز الأمثلة المكملات التي تهدف إلى رفع مستويات جزيء "ثنائي نيوكليوتيد النيكوتيناميد والأدينين" (NAD+)، الذي يشارك في إنتاج الطاقة والعديد من العمليات الخلوية الأساسية. وقد أظهرت الدراسات التجريبية نتائج مشجعة بشأن التدخل في استقلاب هذا الجزيء، مما أدى إلى انتشار منتجات مثل (NMN) و(NR)، لكن الأدلة السريرية البشرية ما زالت محدودة، والنتائج التي تحققت لدى الحيوانات لا يمكن تعميمها تلقائيا على الإنسان.
ثمة مثال آخر أكثر إثارة للقلق، يتمثل في تسويق حقن بلازما الدم المستخلصة من متبرعين شباب بوصفها وسيلة لتجديد شباب الجسم. ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، جددت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تحذيرها من هذه الممارسات، مؤكدة عدم وجود أدلة تثبت فعاليتها في الوقاية من الشيخوخة أو الأمراض المرتبطة بها، وعدم اعتمادها لهذه الاستخدامات، وذكّرت بالأخطار المعروفة المرتبطة بنقل البلازما.
ولا يعني ذلك أن جميع الأبحاث المتعلقة بإطالة العمر غير جادة، أو أن الاستثمارات في هذا المجال عديمة القيمة. فهناك أبحاث أساسية وتجارب سريرية واعدة تستحق الدعم. لكن ينبغي التمييز بين الاستثمار في اكتشاف علاج مستقبلي وبيع علاج حالي على أساس فوائد لم تثبت بعد. فالعلم لا يقاس بحجم الاستثمارات، ولا بعدد المشاهير الذين يتبعون برنامجا معينا لإطالة العمر، وإنما بجودة الأدلة وقابلية النتائج للتكرار وإثبات فوائدها وسلامتها لدى البشر.
عند الحديث عن إطالة العمر، لا يمكن تجاهل عامل آخر لا علاقة له مباشرة بالمختبرات والجينات والأدوية، وهو الإمكانيات المادية والاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان.
فالمال لا يوقف الشيخوخة البيولوجية، ولا يستطيع شراء الخلود، لكنه قد يؤثر بصورة كبيرة في فرص الإنسان للعيش مدة أطول وبصحة أفضل. فالأشخاص ذوو الموارد المادية العليا غالبا ما يملكون قدرة أفضل على الوصول إلى الرعاية الصحية والوقاية والكشف المبكر عن الأمراض، ويمكنهم الحصول على غذاء أفضل، والسكن في بيئات أكثر أمانا، وممارسة النشاط البدني، وتلقي علاج منتظم لارتفاع ضغط الدم والسكري واضطرابات الدهون وغيرها من عوامل الخطر التي تقصر العمر إذا أهملت.
كما ترتبط الإمكانيات الاقتصادية غالبا بالتعليم ونوعية العمل والبيئة التي يعيش فيها الفرد ومستوى التوتر المزمن الذي يتعرض له، وكلها عوامل تؤثر في الصحة على مدى سنين طويلة. وتوضح الدراسات السكانية أن هذه الفوارق قد تكون كبيرة. ففي دراسة أمريكية واسعة نُشرت في مجلة "جاما" (JAMA) شملت بيانات ضخمة على مستوى السكان، وجد الباحثون أنه عند سن الأربعين بلغ الفرق في العمر المتوقع بين أغنى 1% وأفقر 1% نحو 14.6 سنة لدى الرجال و10.1 سنوات لدى النساء.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن المال نفسه يضيف هذه السنوات إلى العمر؛ فهي تعكس شبكة معقدة من العوامل، تشمل التعليم، والسلوك الصحي، والتدخين، والبيئة، ومكان السكن، وظروف العمل، والقدرة على الحصول على الرعاية الطبية.
وفي عصر صناعة إطالة العمر، ظهر بعد جديد لهذه المسألة. فالأثرياء يستطيعون الوصول إلى فحوص جينية متقدمة، ومراقبة مستمرة للمؤشرات الحيوية، وبرامج طبية شخصية، واختبارات للعمر البيولوجي، بل وأحيانا إلى علاجات تجريبية باهظة الثمن لا تتاح لغالبية الناس. لكن القدرة على شراء هذه التقنيات لا تعني أنها تطيل العمر بالفعل. فكثير من الخدمات التي تُسوّق اليوم تحت عنوان "إطالة العمر" لم تثبت فائدتها في تجارب سريرية طويلة الأمد.
وهنا يبرز سؤال أخلاقي قد يصبح أكثر أهمية في المستقبل: إذا نجح العلم يوما في تطوير علاجات تثبت فعلا قدرتها على إبطاء الشيخوخة، فهل ستصبح متاحة للجميع، أم ستتحول الفجوة الاقتصادية إلى فجوة في عدد سنوات الحياة الصحية نفسها؟
قد تكون المفارقة أن بعض التدخلات الأكثر موثوقية لتحسين فرص التمتع بشيخوخة صحية لا تتطلب تقنيات معقدة أو علاجات باهظة الثمن. فالأدلة العلمية المتراكمة تدعم أهمية ممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والامتناع عن التدخين، والحصول على نوم كافٍ، والتحكم في عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض المزمنة. وتوصي منظمة الصحة العالمية المسنين بممارسة ما لا يقل عن 150 إلى 300 دقيقة أسبوعيا من النشاط البدني الهوائي المتوسط الشدة، وفق قدراتهم الصحية، إلى جانب تمارين تقوية العضلات والتوازن.
كما أن علاج ارتفاع ضغط الدم والسكري واضطرابات الدهون، والوقاية من أمراض القلب، والحصول على اللقاحات المناسبة، والكشف المبكر عن بعض أنواع السرطان، كلها وسائل مثبتة للحد من المرض والعجز والوفاة المبكرة. وهذه نقطة تستحق التأكيد: حتى الآن، أكثر الوسائل التي نملك أدلة قوية على قدرتها على تحسين فرص الشيخوخة الصحية ليست علاجات تجريبية باهظة الثمن، بل الوقاية من عوامل الخطر المعروفة والحفاظ على نمط حياة صحي.
ولا يعني ذلك أن هذه التدخلات توقف الساعة البيولوجية أو تعكس الشيخوخة، لكنها تقلل بصورة موثوق بها من احتمال أن يقضي الإنسان سنواته المتقدمة وهو يعاني المرض والعجز.
ليس هناك حاليا دليل علمي يسمح بالجزم بأن الإنسان سيتمكن من العيش إلى 150 عاما بفضل العلاجات المضادة للشيخوخة.
لكن هذا لا يعني استحالة تحقيق تقدم كبير في المستقبل. فالأبحاث التي كانت تبدو قبل عقود مجرد خيال علمي أصبحت اليوم موضوعا لتجارب مخبرية وسريرية جادة. وهنا ينبغي التمييز بين رفع متوسط العمر المتوقع ورفع الحد الأقصى للعمر البشري.
فالقضاء على بعض أسباب الوفاة المبكرة، والوقاية من أمراض القلب والسرطان والسكري، يمكن أن يجعلا نسبة أكبر من الناس تصل إلى أعمار متقدمة. لكن ذلك لا يثبت بالضرورة أننا نجحنا في تغيير الحدود البيولوجية القصوى لعمر الإنسان.
وقد يؤدي التقدم في فهم الشيخوخة إلى تطوير علاجات تؤخر ظهور بعض الأمراض المزمنة، أو تساعد على المحافظة على وظائف الأعضاء، أو تعزز قدرة الأنسجة على التجدد. وهذا قد يضيف سنين صحية مهمة إلى حياة ملايين البشر، من دون أن يعني بالضرورة أن أعمار 150 أو 200 سنة أصبحت في متناولنا.
فالشيخوخة عملية بيولوجية معقدة ومتعددة العوامل، ومن غير المرجح أن يؤدي التدخل في مسار جزيئي واحد إلى حل جميع المشكلات المرتبطة بها. وحتى إذا نجح العلماء في إبطاء بعض آليات الشيخوخة، فإن إثبات تأثير ذلك في متوسط عمر الإنسان سيحتاج إلى دراسات بشرية طويلة الأمد ونتائج سريرية واضحة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية في كثير من الوعود التجارية: فهي تتعامل مع الفرضيات المستقبلية كما لو كانت حقائق طبية مثبتة.
لم يعد السؤال العلمي مقتصرا على إمكانية إطالة حياة الإنسان، بل أصبح يشمل فهم الآليات التي تجعله يتقدم في العمر، وإمكانية تأخير الأمراض والعجز المرتبطين بهذه العملية. لقد حقق علم الشيخوخة تقدما كبيرا في تحديد العمليات البيولوجية التي تتحكم في تدهور وظائف الخلايا والأنسجة. كما أظهرت تجارب عديدة على الحيوانات إمكانية التأثير في بعض هذه العمليات وإطالة العمر.
لكن الأدلة البشرية ما زالت بعيدة عن إثبات امتلاك علاج يستطيع إبطاء شيخوخة الإنسان بصورة شاملة، فضلا عن عكسها أو إيقافها. وهذا هو الفرق الذي ينبغي ألا نضيعه وسط الضجيج التجاري المحيط بصناعة إطالة العمر: فبينما يحاول العلماء اكتشاف كيفية إبطاء الشيخوخة، تبيع بعض الشركات وعودا بنتائج لم يتوصل إليها العلم بعد.
كما أن النقاش حول إطالة العمر ليس نقاشا بيولوجيا فقط، بل هو أيضا نقاش اجتماعي وأخلاقي. فإذا أصبحت تقنيات إبطاء الشيخوخة فعالة يوما ما، فإن السؤال لن يكون فقط: هل يستطيع الإنسان أن يعيش أطول؟ بل أيضا: من سيتمكن من الحصول على هذه السنين الإضافية من الحياة الصحية؟
Loading ads...
ولعل الهدف الأكثر واقعية وأهمية في المرحلة الراهنة ليس البحث عن الخلود، بل العمل على تأخير الأمراض المزمنة والمحافظة على القدرات الجسدية والعقلية، بحيث لا تتحول السنين الإضافية التي نعيشها إلى مدة إضافية من المرض والعجز. فالقيمة الحقيقية للتقدم العلمي لا تكمن فقط في قدرته على إضافة سنين إلى أعمارنا، وإنما في قدرته على جعل تلك السنين أكثر صحة واستقلالية، وأكثر عدلا في الوقت نفسه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

قمم نارية تشعل الجولة الرابعة من دوري أبطال أوروبا وعلى...
منذ ثانية واحدة
0

الاحتلال يشن حملة اقتحامات واعتقالات واسعة في الضفة...
منذ ثانية واحدة
0

بعد طرح المشكلة على برنامج " من هنا نبدأ".. "النقل...
منذ ثانية واحدة
0


