شهر واحد
من قلب حي القنوات بدمشق.. منزل صغير يحفظ ذاكرة مدينة كاملة
الخميس، 26 فبراير 2026
في قلب حيّ القنوات الدمشقي، يبدو لك للوهلة الأولى أنه منزلٌ عادي من بيوت الشام القديمة، لكن ما إن تُفتح عتبته الخشبية حتى يجد الزائر نفسه داخل متحف حيّ يمشي على قدميه بين الذاكرة والتفاصيل.
هنا "بيت التراث الدمشقي"، حيث حوّل الباحث في تاريخ دمشق هيثم طبّاخة سنواتٍ من الشغف بجمع المّقتنيات القديمة إلى "مشروع حياة" يحفظ ملامح المدينة كما عاشها أهلها في زمن "النحاس وبابور الكاز والراديو الأول".
في هذا المكان الضيّق بمساحته، الواسع بحكايته، تزدحم الرفوف بآلاف القطع التي خرجت من مطابخ الصبايا وغرف الضيوف وحارات الشام، لتجتمع من جديد تحت سقف واحد يرفض أن يسلّم ذاكرة دمشق لعجلة النسيان.
من خلال هذا التقرير، نفتح اليوم معاً باب هذا البيت، لا لنتفرّج على أشياء صامتة، بل لنستمع إلى حكاية رجل واحد قرّر أن يتحمّل مسؤولية حفظ ما تبقّى من روح المدينة، وأن يدعو الجميع ليكونوا شركاءه في حماية هذا التراث.
دمشق.. ذاكرة تمشي على جدران بيت
بيتٌ صغيرٌ بابه من الخشب العتيق، لكن خلفه عالم كامل من الحكايات الدمشقية القديمة.
هنا في "بيت التراث الدمشقي"، حوّل هيثم طبّاخة المعروف بلقب "أبو محمد" منزله إلى متحف حيّ يُعيد للزائر صورة الشام كما عاشها الأجداد، بتفاصيلها البسيطة وأشيائها اليومية.
رجلٌ أخذ على عاتقه جمع شتات الذاكرة، أمضى سنوات طويلة في البحث بين أسواق "الأنتيكا" والبيوت القديمة عن كل ما يحمل رائحة الماضي الدمشقي، لتتحول هوايته تدريجياً فيما بعد إلى مشروع، حوّل فيه بيته إلى "متحف شخصي" مفتوح للزّوار والمهتمين بالتراث.
فرق تُراثية وانتشار واسع لفعاليات شهر رمضان
من "بيت التراث الدمشقي" تنطلق سنوياً فعاليات شهر رمضان المبارك، والتي تبدأ بما يُعرف "بتكريزة رمضان"، حيث يشارك أعضاء البيت الدمشقي في إحياء طقوس تراثية تعكس أجواء دمشق القديمة، بقيادة هيثم طباخة، ضمن برنامج يتضمن حكايات من التراث يقدمها "حكواتي الشام" وسط تفاعل لافت من الجمهور.
يروي طبّاخة في حديثه لموقع تلفزيون سوريا برنامج الفرقة الخاصة به ضمن الفعاليات الرمضانية: تشمل الفعاليات عروض "المولوية"، وهي نوع من الأداء المرتبط بالمناسبات الدينية بطابع مميز من حيث اللباس والكلمات، إضافة إلى عروض خيال الظل "كركوز وعواظ"، إلى جانب مشاركة فرقة "العراضة الشاميّة" التي تستقبل الضيوف بأهازيجها التقليدية.
يستدرك طبّاخة شارحاً دور العادات والتقاليد الدمشقية القديمة التي تناقلتها الأجيال في تشكيل فرق شعبية فيقول: "أفرزت عادات وتقاليد أهل الشام عدداً من الفرق التراثية التي تعمل على نشر هذا الموروث الشعبي ضمن مناطق عدة، في إطار الحفاظ على ما يُعرف بالتراث اللامادي"، مبيناً أن فعاليات رمضان التراثية باتت حاضرة في العديد من المطاعم والمنتزهات وأماكن التجمعات العائلية، مثل: منطقة الربوة والمطاعم، حيث تُنظم أنشطة متنوعة تستلهم البيئة الدمشقية القديمة، في محاولة لتوثيق الذاكرة الشعبية والحفاظ عليها للأجيال القادمة.
مُقتنيات المُتحف.. أشياء تحكي قبل أن تتكلم الكاميرا
أباريق قهوة وشاي كانت تُستعمل في جلسات السهر الشامي، بالإضافة إلى نحاسيّات المطبخ التي كانت تشكّل قلب البيت الدمشقي.
"مكواة تعمل على الفحم"، وأخرى قديمة تعمل على "البابور" أو الكهرباء، "سفرطاسات" متعددة الطوابق كانت ترافق العمّال والطلاب والمسافرين إلى أعمالهم، كل قطعة هنا لها مكان محسوب، وقصة محفوظة في ذاكرة صاحب البيت.
"حكواتي" التراث بين الغرف والرفوف
لا يترك هيثم طبّاخة ضيوفه يكتفون بالمشاهدة الصامتة، بل يرافقهم ضمن الجولة، يتوقف عند كل رفّ تقريباً، يشرح وظيفة القطع وكيف كانت تُستخدم، ومن أي بيت جاءت، وأي حكاية تحمل.
من خلال هذا البيت، يبعث طبّاخة رسالة واضحة تقول: المدينة لا تُحفظ فقط في الكتب والوثائق، بل في الأشياء التي عاشت في البيوت، وفي الذاكرة التي تنتقل من جيل إلى جيل عبر الحكاية والصورة والزيارة.
الطربوش.. تاج الوقار الدمشقي
يستعيد هيثم طباخة في حديثه معنا سيرة "الطربوش" بوصفه ركناً أساسياً في الزيّ التقليدي للرجل الدمشقي إلى جانب الشروال والجلباب، وبأنه لم يكن مجرد غطاء رأس، بل رمزاً للهيبة والالتزام الاجتماعي، حتى إن الخروج بدونه كان يُعدّ فعلاً معيباً، ما دفع البعض إلى استعارته حفاظاً على صورتهم وهيبتهم وفق روايته.
كما اشتهرت دمشق بصناعة "الطربوش" في أسواق "الميدان والمرجة"، وتزيينه بتطريز ذهبي، مصنوع من الجوخ المستورد، وكان إلزامياً للموظفين والطلاب والوجهاء، ما كرّس جزءاً أصيلاً من الهوية الشامية، واليوم، يُعرض في بيت التراث كشاهد على زمنٍ كانت فيه الأناقة تُقاس بتفاصيل الزي، ورمزاً لتراث يستحق الإحياء.
التراث الدمشقي.. بين الحماية و التسليع
رغم الجهود المبذولة من الباحث التاريخي هيثم طبّاخة وأعضاء فرقته لحماية التراث الدمشقي، إلا أنه ما يزال يواجه تحدّيات كبيرة أبرزها محاولات تحويل الطقوس الشامية إلى عمل مأجور.
يُشير محمد طباخّة أحد أعضاء فرقة حماية التراث، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى محاولات بعض المجموعات التي تعلّمت وامتهنت التقاليد والطقوس الشامية الأصيلة: (الحكواتي، والمسحراتي، والعراضة الشامية وغيرها) من أجل تحويلها إلى نشاطات مدفوعة الأجر، موضحاً أن هذه الممارسات، التي كانت تُؤدى في سياقها الاجتماعي الطبيعي، باتت تُقدّم بعض أحياء دمشق، مثل: (الشاغور والميدان)، مقابل مبالغ مالية، ما يعني انتقالها من إطار حماية التراث إلى تسليعه، رغم الانتشار الواسع لهذه التقاليد.
بالمقابل، أشار عضو فرقة حماية التراث إلى تمسك أهالي دمشق القاطنين في الأحياء الشعبية بعادات دمشق القديمة، وذلك عبر تحكيم "العُرف الاجتماعي" الذي ما يزال فاعلاً على حد تعبيره، حيث يحتكم الصغار إلى رأي الكبار في كثير من القضايا، في صورة تعكس استمرار البنية الاجتماعية التقليدية داخل المجتمع الدمشقي.
تغيير ديمغرافي في المدينة القديمة
ويبيّن محمد طبّاخة حالة الاندماج الاجتماعي في المجتمع الدمشقي وسط بلوغ نسبة الوافدين إليه نحو 70 بالمئة، ممن قاموا بشراء منازل ومن ثم تحويلها إلى فنادق ومطاعم تجارية، مستفيدين من الطبيعة السياحيّة الجاذبة للمنطقة، سواء للسُيّاح الأجانب أو للسوريين عموماً.
واعتبر أن هذا التحول العمراني والاستثماري يفرض واقعاً جديداً على هويّة المكان، ويؤثر بشكل مباشر في طابعه الاجتماعي والتراثي.
من جهته، أشار الباحث الدمشقي هيثم طبّاخة في حديثه عن التحولات التي شهدتها المدينة، إلى أن تأثير ثقافة الوافدين كان الأكبر على المجتمع الدمشقي، وبأن نسبة الدمشقيين اليوم في المدينة القديمة لا تتجاوز 25 بالمئة من إجمالي القاطنين فيها، وهو ما انعكس على طبيعة العادات والسلوكيات الاجتماعية ويُضاعف مسؤولية حماية التراث من قبل الجميع.
هنا تبرز جهود فرقة حماية التراث وفق حديث محمد طبّاخة، التي تعمل على توثيق العادات والتقاليد الدمشقية القديمة، بهدف الحفاظ عليها واستمرارها، بحيث لا تبقى مجرد ذاكرة جمعية أو مادة أرشيفية، بل واقعاً معاشاً تتناقله الأجيال وتحافظ عليه في الحياة اليومية.
إحياء التراث اللامادي
عبر تخصيص يوم واحد ثابت أسبوعياً (يوم الخميس مثلاً)، دعا الباحث التاريخي هيثم طبّاخة وزارة الثقافة لتثبيت موعد "الحكواتي" كفعالية تراثية ثابتة، بهدف الحفاظ على هذا النوع من التراث اللامادي الذي يشكل جزءاً أصيلاً من هوية المدينة الثقافية.
وأكد طباخة أن "الحكواتي" لم يكن مجرد وسيلة ترفيه، بل كان منبراً اجتماعياً وثقافياً ينقل القيم ويعزز الروابط بين أبناء الحارة، مشيراً إلى أن إحياء هذه الظاهرة اليوم يسهم في ربط الأجيال الجديدة بذاكرة دمشق وحكاياتها الشعبية.
عادات دمشق بين الماضي والحاضر
واستعاد طباخة صورة دمشق القديمة بما حملته من سلوكيات اجتماعية عكست المحبة والألفة والبساطة، مستشهداً بالمثل الشعبي "الدروشة ما بدها أروشة"، في إشارة منه إلى بساطة العيش وصدق العلاقات بين الناس.
وأوضح أن المجتمع الدمشقي عُرف بتكاتفه، حيث كانت التجمعات اليومية في الحارات فرصة لتبادل الأحاديث ومشاركة الهموم وحل الخلافات بروح وديّة، ما ساهم في تخفيف أعباء الحياة وتعزيز روح التضامن بين الأهالي.
Loading ads...
ويؤكد القائمون على هذه المبادرات أن الحفاظ على التراث اللامادي لا يقتصر على استعادة الطقوس والمظاهر الاحتفالية، بل يتعداه إلى ترسيخ القيم الاجتماعية التي تميّز بها المجتمع الدمشقي، من تضامن وبساطة ومحبة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من هوية المدينة وتاريخها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



