في يوليو 2009، كان سائق "فورمولا 1" البرازيلي "فيليبي ماسا" يندفع بسيارته بسرعة تجاوزت 280 كيلومترًا في الساعة خلال التجارب التأهيلية لجائزة المجر الكبرى، لكن اصطدمت بخوذته قطعة معدنية صغيرة غيرت مجرى مساره المهني.
هذه القطعة الصغيرة انفصلت عن سيارة سائق آخر على الحلبة، لكنها تحولت بفعل السرعة الهائلة إلى مقذوف خطير أصاب "ماسا" بكسر في الجمجمة، متسببًا في حادث مروع أنهى مشاركته في البطولة وأبعده عن المنافسات لفترة طويلة.
الأمر ذاته قد ينطبق على وول ستريت، فكلما ارتفعت السرعة، ازدادت حساسية المنظومة تجاه العوامل الصغيرة والمفاجئة، وأصبح أي خلل محدود قادرًا على إحداث تأثير يفوق حجمه بكثير، وهو ما يخشاه المستثمرون اليوم.
فمع تسجيل أسهم التكنولوجيا مكاسب قياسية خلال العام الجاري، وارتفاع بعض الشركات بنسب ضخمة للغاية، يتزايد الجدل حول ما إذا كانت السوق تشهد تحولًا حقيقيًا تقوده ثورة الذكاء الاصطناعي، أم أن وتيرة الصعود المتسارعة تعيد إلى الأذهان ملامح فقاعة الإنترنت.
- قفزت الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بوتيرة حادة خلال العام الجاري، بدعم من تفاؤل المستثمرين بآفاق هذه الشركات في ظل الإنفاق الضخم على البنية التحتية لمراكز البيانات والحوسبة السحابية.
- لعل أبرز المستفيدين من هذا الزخم، هي شركات تصنيع الرقائق، حيث ارتفع سعر وثيقة صندوق "آي شيرز سيميكونداكتور إي تي إف" (الذي يتتبع أداء شركات الرقائق في وول ستريت) بنحو 100% منذ مطلع 2026.
- لا يقتصر الأمر على هذا الارتفاع فحسب، بل إن بعض الشركات حققت مكاسب ضخمة للغاية، أبرزها سهم "مارفل تكنولوجي" الذي صعد بنسبة 263% منذ مطلع العام الجاري، و"ميكرون تكنولوجي" بنسبة 272% و"إنتل" بنسبة 203%.
- حتى خارج قطاع الرقائق، استفادت شركات أخرى من طفرة الذكاء الاصطناعي، حيث ارتفع سهم "سانديسك" بنسبة 656%، و"سيجيت تكنولوجي" (Seagate Technology) بنسبة 241%.
- خارج وول ستريت، كان للشركات نصيب من طفرة الذكاء الاصطناعي، إذ صعد سهم "سيفرز سيميكونداكتورز" السويدية بنسبة 3000% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، و"كيوكسيا هولدنجز" (Kioxia Holdings) اليابانية بنسبة 3839% في آخر 12 شهرًا.
لماذا هذه الشركات تحديدًا؟
- أبرز ما يميز هذه الشركات أنها مستفيدة من طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، فشركات مثل "ميكرون" و"كيوكسيا" و"إس كيه هاينكس" استفادت من الطلب القوي على رقائق الذاكرة.
- كما تستفيد شركات مثل "سانديسك" و"سيجيت" من الطلب المتزايد على حلول التخزين والذاكرة، أما شركة "سيفرز سيميكونداكتورز" فتستفيد من الطلب القوي على تقنيات الاتصالات الضوئية واللاسلكية عالية السرعة المستخدمة في مراكز البيانات وشبكات نقل البيانات.
- لم تقتصر مكاسب الذكاء الاصطناعي على شركات الرقائق والتخزين فحسب، بل امتدت إلى شركات معدات الاتصالات والبنية التحتية والمرافق والطاقة، مثل "نوكيا"، التي تلقت دعمًا من الطلب المتزايد على الشبكات فائقة السرعة.
- يبدو أن الذكاء الاصطناعي هو العامل الأبرز الذي يغذي زخم وول ستريت، إذ واصلت السوق تسجيل مستويات قياسية رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط ومخاوف تفاقم الضغوط التضخمية وتشديد السياسة النقدية الأمريكية.
- مثلما يحدث في "فورمولا 1"، فإن السرعات العالية التي تكون سببًا في الفوز بالسباقات، هي ذاتها التي قد تؤدي إلى كوارث على الحلبة، فظهور أي متغير مفاجئ في وول ستريت قد يتسبب في انفجار فقاعة تطول السوق بأكملها.
- قد يتمثل هذا العامل المفاجئ في نتائج أعمال شركة ما، ويكون هذا سببًا كافيًا لانهيار السوق، مثلما حدث أمس، عندما أعلنت "برودكوم" نتائج أعمال ضعيفة، ما أدى إلى موجة بيع قوية في قطاع الرقائق، لكن الأزمة توقفت عند هذا الحد ولم تمتد إلى السوق الأوسع.
- يزداد هذا الخطر مع تركز جزء كبير من مكاسب السوق في قطاع واحد، حيث باتت شركات التكنولوجيا تمثل أكثر من 39% من القيمة السوقية لمؤشر "إس آند بي 500"، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، ويفوق المستوى المسجل خلال الفترة التي سبقت انفجار فقاعة الإنترنت والبالغ 35%.
هل الفقاعة باتت أمرًا واقعًا؟
- يرى الملياردير الأمريكي "راي داليو" أن طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية تظهر بوادر فقاعة ستنفجر في نهاية المطاف، قائلًا إن جميع الثورات التكنولوجية الكبرى عبر التاريخ صاحبتها فقاعات في الأسواق المالية.
- فيما ذكر "جوناثان كرينسكي" كبير محللي السوق لدى شركة "بي تي آي جي"، أن أفضل 10 أسهم في "ناسداك 100" ارتفعت بنسبة 784% في المتوسط خلال العام الماضي، متجاوزة متوسط العام الذي سبق ذروة مارس 2000، أي قبل انفجار فقاعة الإنترنت مباشرة.
- حذر "مايكل بري" الذي اشتهر بتوقعه لأزمة الرهن العقاري عام 2008، من قرب انفجار فقاعة في وول ستريت، حيث قال إن "ناسداك 100" ارتفع بنسبة 33.4% خلال الشهرين الماضيين، مقارنةً بارتفاعه بنسبة 37.3% قبل ذروة مارس 2000.
- لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن صندوق "آي شيرز سيميكونداكتور" ارتفع بنسبة 92% خلال الشهرين الماضيين، مقارنةً بارتفاعه بنسبة 99% قبل بلوغه ذروته عام 2000، كما أن ارتفاعات أسهم التكنولوجيا حاليًا مشابهة تقريبًا لما حدث مطلع القرن الحالي.
أكبر الرابحين في ناسداك.. مقارنة بين فقاعة الدوت كوم وطفرة الذكاء الاصطناعي
الأسهم الأكثر ارتفاعًا خلال الـ 12 شهرًا المنتهية في مارس 2000
الأسهم الأكثر ارتفاعًا خلال الـ 12 شهرًا المنتهية في مايو 2026
ريجنيرون فارماسيوتيكالز
- يبدو أن قطاعًا كبيرًا من المحللين يتفق على أن هناك فقاعة في وول ستريت بسبب التقييمات المرتفعة للأسهم، لكن توقيت انفجارها ونطاقه لا يزال مبهمًا للكثير من المستثمرين.
- فيما يرى "داليو" أن الفقاعات عادة ما تبدأ في الانفجار عند حلول وقت جني الأرباح، موضحًا أن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما يُطلب من الشركات تحويل الاستثمارات الضخمة إلى عوائد.
- أيضًا، يتخوف المستثمرون من التقييمات الضخمة للطروحات الجديدة، خاصة مع قرب طرح "سبيس إكس" التي تستهدف تقييمًا يتجاوز 1.75 تريليون دولار، بالإضافة إلى الاكتتاب المرتقب لـ "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي"، حيث تستهدف كل منهما تقييمًا يقترب من تريليون دولار.
- هذا النمط تكرر تقريبًا قبل انفجار فقاعة الإنترنت، حيث طرحت شركة "جلوبال كروسينج" في 1998، وارتفعت قيمتها السوقية إلى 47 مليار دولار بعد عام واحد فقط، قبل أن تعلن إفلاسها في عام 2002.
- على الجانب الآخر، يرى محللون أن هناك اختلافات جوهرية بين فقاعة الإنترنت وطفرة الذكاء الاصطناعي، فخلال الفقاعة مطلع هذا القرن، اعتمد العديد من مشغلي شبكات الاتصالات والبنية التحتية للإنترنت على الديون لتمويل التوسع السريع وسط ضعف التدفقات النقدية وغياب نماذج أعمال قادرة على تحقيق أرباح مستدامة.
- أما اليوم، فإن شركات التكنولوجيا العملاقة التي تقود سباق الذكاء الاصطناعي، مثل "مايكروسوفت" و"أمازون" و"ألفابت"، تمول الجزء الأكبر من استثماراتها الضخمة من تدفقاتها النقدية القوية وأرباحها التشغيلية.
- أيضًا، يرى البعض أن مراكز البيانات حاليًا تعمل بمعدلات إشغال مرتفعة للغاية، على عكس ما حدث خلال طفرة الإنترنت عندما أدى الإفراط في بناء شبكات الاتصالات إلى وجود طاقات فائضة كبيرة.
- في النهاية، يختلف الخبراء حول ما إذا كانت وول ستريت تقف أمام فقاعة جديدة أم بداية دورة استثمارية تاريخية، لكن يتفق الجميع على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد اتجاه مؤقت، بل تحول إلى سباق عالمي تضخ فيه استثمارات بمئات المليارات من الدولارات.
- في حين يظهر التاريخ أن الثورات التكنولوجية الكبرى غالبًا ما تمر بمرحلة من المبالغة في التوقعات قبل أن تستقر الأسواق على الفائزين الحقيقيين، لذلك قد لا يكون التحدي أمام المستثمرين اليوم في تحديد أهمية الذكاء الاصطناعي، بل في معرفة ما إذا كانت أسعار الأسهم الحالية تعكس الفرص المستقبلية بدقة، أم أنها سبقت الواقع بخطوات واسعة.
Loading ads...
المصادر: أرقام – سي إن إن – سي إن بي سي – ستوكويستس – جولدمان ساكس – رويترز – ماركت ووتش – فوربس – ألجر - بلومبرج
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





