سجلت سوريا أول سابقة في التاريخ الاجتماعي حين نضجت فيها، قبل آلاف السنين، ولأول مرة في التاريخ، مجتمعات صغيرة على شكل جماعات وعشائر، سرعان ما تحولت بعد بضعة قرون إلى جماعات كبيرة على شكل قبائل، وأخيرًا ظهرت شعوب تتكون من اجتماع قبائل تتحدث لغة واحدة بلهجات متعددة.
وبقدر ما يشكل التنوع الثقافي والاجتماعي والديني من غنى لشعب ما، بقدر ما تتحول ترجمة هذه التنوعات واستغلالها سياسيًا إلى فوضى وصراع يدمران جمال التنوع الاجتماعي والثقافي والإنساني عمومًا، وبقدر ما يتحول الانسجام والتعدد الاجتماعي إلى لعنة وكراهية ونفور.
والتنوع في الانتماءات الاجتماعية أمر قدري لا يُسأل عنه الفرد؛ إذ وُلد كل واحد منا -نحن السوريين- فوجد نفسه في عائلة عربية أو كردية أو تركمانية، كما وجد نفسه في عائلة مسلمة أو مسيحية... إلخ.
وكذلك الحال بالنسبة للانتماء الجغرافي، فكل واحد منا -نحن السوريين- وُلد فوجد نفسه يعيش في سوريا. أما الانتماء المسؤول عنه الإنسان فهو الانتماء الذي يحدده هو شخصيًا، كالانتماء إلى حزب سياسي أو تيار فكري أو نادٍ رياضي.
في مواجهة التنوعات الاجتماعية والدينية، طوّر الإنسان السوري موقفًا فطريًا عماده القبول والتعايش أينما كان، لا سيما في المدن الكبرى كدمشق وحلب وحمص، المتعددة إثنيًا ودينيًا، وحتى في المدن الصغيرة في مناطق الجزيرة السورية، في القامشلي على سبيل المثال، حيث تجاورت الثقافات واللغات والأديان لوقت طويل من دون إشكال.
لنتخيل أنه في بلد مثل سوريا أو العراق أو لبنان، يحوي كل منها ما لا يقل عن عشرين طائفة وإثنية/عرق، أن يصبح لكل طائفة وعرق دولة أو كيان سياسي؟! أو أن يكون لكل منها دويلة داخل دولة مركزية أو لامركزية؟! ولا فرق، فالازدواجية القانونية والسياسية لا يمكن أن تُنتج نظامًا سياسيًا ناجحًا ومتقدمًا، لا سيما في بلدان مثل سوريا والعراق ولبنان، الحافلة بأزمات قديمة عميقة ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية، تراكمت جيلًا بعد جيل، ولم يعمل أحد على حلها، ولم يُفكَّر في حلها جديًا. فكيف والحال مع إضافة أزمات جديدة بفعل الظروف المعقدة التي مرت بها بلداننا في القرن الأخير؟!
تحويل التنوع والتمايز إلى اختلاف وتناقض يلتف به هؤلاء الأمراء على المعادلات الجديدة التي تذهب إلى الاستقرار والوحدة طلبًا للنمو والتقدم والعودة إلى الحياة الطبيعية.
هل يتحول التنوع الاجتماعي الثقافي إلى حدود على الأرض؟
على الرغم من كون بلادنا ذات حدود سياسية واضحة تفصلها عن بلدان الجوار، غير أنها تقوم على تنوعات وتعددية ثقافية وإثنية متداخلة في النسيج الاجتماعي السوري، ليس لها حدود واضحة، ولا تشكل كتلًا أو تكتلات قائمة بذاتها في مناطق بعينها. إنها تمايزات لا مرئية، لا خطوط مجسدة لها، ولا يمكن تحديدها بالقلم والمسطرة كما يتمنى تجار الحروب، أو كما يعتقد ويتوهم مرتزقة السياسة وبعض متعيشي ومهووسي اليوتيوب والتيك توك.
فالتقسيمات الثقافية والاجتماعية والعرقية في سوريا، إضافة إلى كونها غير متجسدة اجتماعيًا أو تاريخيًا، فهي متخيلة أيضًا. كما أنها تقسيمات يجري تضخيمها من جهات وأحزاب قوموية وشخصيات لها مصلحة في تجسيد اللاتاريخي وتركيب أجنحة له لإقامة حدود بين تنوعات ثقافية وعرقية، تحول الجدران اللامرئية فيما بينها إلى جدران من إسمنت مسلح تحرسها جيوش وقوى أمنية.
والحقيقة أنه كلما كثرت القوى المتدخلة في بلد مثل سوريا، متنوع ثقافيًا وعرقيًا، من دول وأحزاب، وكلما كثر عدد المثقفين المؤدلجين والسياسيين المتمولين في بلد ما، زادت احتمالات التقسيم وولادة دويلات أو كيانات هشّة في هذا البلد.
التعددية والتنوع الاجتماعي الثقافي أمر أصيل في تاريخنا، وهي تعددية لا تُلغي بعضها بعضًا، ولا تناقض بعضها بعضًا، ولا تبرر بالتالي تلك المطالبات المغرضة بتحويل التنوعات المناطقية إلى مكونات أو كانتونات أو كيانات تفكك الواحد السوري أو العراقي؛ تلك المطالبات التي لطالما اعتمدها أمراء الحرب في المشرق العربي لتحويل التنوعات المناطقية إلى مكونات وكانتونات وتقسيم. فتحويل التنوع والتمايز إلى اختلاف وتناقض يلتف به هؤلاء الأمراء على المعادلات الجديدة التي تذهب إلى الاستقرار والوحدة طلبًا للنمو والتقدم والعودة إلى الحياة الطبيعية.
ندفع الهوية لأن تكون هوية وطن، عندها يمكننا الحديث جديًا عن المواطنة؛ إذ إن تعدد الانتماءات الهوياتية في بلد واحد لن يساعد على بناء هوية عمادها المواطنة والعدالة والمساواة.
كارثة استبدال الهويات الفطرية بالهوية الوطنية الجامعة
يعرّف الأميركي نفسه كأميركي، كذلك يفعل الفرنسي الذي يعرّف نفسه كفرنسي، ويفعل الأمر عينه الألماني والصيني... إلخ. فقط السوري – وكذلك العراقي واللبناني – يعرّف نفسه تبعًا لدين أو مذهب أو عرق أو قومية، ثم يتحدث عن دولة المواطنة!!
وبعد، ألا يكون التعريف والانتماء الطبيعيان نسبةً للوطن، في حين يكون الانتماء الفطري المذهبي أو الإثني تعريفًا خاصًا ليس من الضروري نقله إلى حيز التداول العام أو إلى حيز الدولة والعلاقات الوطنية، وجعله مقياسًا وطنيًا؟! إذ إن المتعدد – الدين والعرق – في الحالة السورية التعددية لا يصح أن يكون مقياسًا، ولا يمكن أن يكون جامعًا لمتعددين. لكن القاسم المشترك – المتمثل بالانتماء إلى سوريا أو الانتماء إلى العراق – هو ما يصلح أن يكون الجامع للسوريين أو للعراقيين من دون إشكال.
بالتالي، ندفع الهوية لأن تكون هوية وطن، عندها يمكننا الحديث جديًا عن المواطنة؛ إذ إن تعدد الانتماءات الهوياتية في بلد واحد لن يساعد على بناء هوية عمادها المواطنة والعدالة والمساواة.
Loading ads...
فإحلال المستوى الديني المذهبي والعرقي مكان المستوى السياسي والحقوقي – وهما المستويان الوحيدان محل فعل ووجود الدولة والمواطن والشعب – هو خلط يرقى إلى مستوى جريمة معرفية تقودنا إلى جرائم بحق الشعب السوري والوطن السوري.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



