شهر واحد
القرد بانش.. حين تصوغ الخوارزميات مشاعرنا وأشكال تعاطفنا
الأربعاء، 25 فبراير 2026
في واحدة من أهم روايات القرن التاسع عشر، كرس الأديب فيكتور هوغو في عمله "البؤساء" شخصيات لا يمكن للذاكرة الإنسانية أن تنساها. ومن بينها تبرز الطفلة كوزيت، التي رسخت صورتها وهي تحتضن دميتها الصغيرة كما لو أنها تمسك بخيط رفيع يربطها بالعالم.
كان هوغو في روايته مهموماً بكشف النظام الاجتماعي بشكل كامل، ولهذا لم تكن تلك الدمية المهترئة استعارة جاهزة ومدروسة لإحداث التعاطف، وليست لقطة مُعدّة لتجتاح القلوب سريعاً. كانت تفصيلاً بسيطاً في حياة طفلة مسحوقة، وجزءاً من بناء سردي طويل أراد المؤلف من خلاله إبقاء نفسية القارئ في حالة تباين، وهو يرى التناقضات المجتمعية تنعكس على الطفولة. هذا المتلقي احتاج إلى وقت كي يصل إلى تلك اللحظة، واحتاج إلى صبر كي يرى الفقر والبرد والإذلال قبل أن يرى الدمية. كان التعاطف آنذاك ثمرة صبره وفهمه، وليس استجابة فورية لمشهد رآه في الشارع الموحل من عوالم المدن الكبرى في ذلك الزمن.
في زمن ما قبل الانفجار المعلوماتي، كان التعاطف يتشكل ببطء. النص يمنح القارئ فرصة ليفهم العالم الذي ينتج الألم، لا أن يكتفي بصورة الألم ذاتها.
هذا الفرق في الإيقاع والتلقي هو ما يستحق التوقف عنده اليوم، ونحن نرى كيف توجهت الكاميرات وصفحات التواصل الاجتماعي نحو حكاية قرد المكاك الياباني الصغير بانش، الذي تقول قصته إن أمه تخلت عنه في بيئة حديقة الحيوانات، فقام المشرفون بمنحه لعبة بعد أن لاحظوا رفض القطيع له.
حين ظهرت صورة القرد ممسكاً بلعبة، لم يمرّ المتلقي بطبقات من السرد ولا بسياق اجتماعي معقّد، وإنما تكفلت اللقطة وحدها ببناء الحكاية: صغير بلا عائلة يجد عزاءه في دمية. وخلال وقت قصير جداً، اكتملت القصة في أذهاننا، وتحوّلت إلى موجة تعاطف واسعة.
فقدان الصغير لأمه في عالم الحيوان ظاهرة طبيعية، كما أن رفض القطيع له قد يكون سلوكاً معروفاً في بعض البيئات. واللعبة التي وُضعت بين يديه لا تنتمي إلى الغابة، بل إلى فضاء مُدار ومراقَب، حيث تُدرس سلوكيات الحيوانات وتُقدَّم لها أدوات لخفض التوتر أو شغل الانتباه. وبناء على ذلك، يتعلّق القرد باللعبة لأنها شيء يخصه في بيئة لا يملك فيها شيئاً خاصاً، وليس لأنها "أم بديلة" بالمعنى الذي صغناه نحن. لكننا، بدافع إنساني مفهوم، بنينا حول المشهد سردية كاملة: الدمية تعوّض الأم، واللعبة تملأ الفراغ العاطفي.
هنا تبدأ المشكلة التي تستوجب الإشارة إليها والتوقف عندها. وهي بالتأكيد ليست في التعاطف مع كائن ضعيف؛ فهذا حقه الطبيعي علينا، بل في تحوّل القصة إلى أداة استثمار عاطفي، وفي الطريقة التي تُختزل بها التجربة في رمز جاهز يحرّك أعمق مناطق الهشاشة في نفوسنا: الوحدة، فقدان العائلة، الخوف من الرفض. يُقدَّم لنا مشهد صغير، فيلامس جرحاً قديماً في داخلنا، فنندفع إلى المشاركة والتعليق والدفاع، من دون أن نسأل كثيراً عن السياق.
في زمن ما قبل الانفجار المعلوماتي، كان التعاطف يتشكل ببطء. النص يمنح القارئ فرصة ليفهم العالم الذي ينتج الألم، لا أن يكتفي بصورة الألم ذاتها. أما اليوم، فإن الصورة تسبق الفهم، وتختصره أحياناً. الخوارزميات تكافئ ما يثير استجابة سريعة، فتدفع بالقصص القابلة للاستهلاك إلى الواجهة، في حين تبقى القصص الإنسانية الكبرى، الثقيلة والمعقّدة، في الهامش.
من هنا ينبع التناقض المؤلم: يتعاطف كثيرون في العالم المتقدم مع قرد صغير، في الوقت نفسه الذي يرون فيه أطفالاً يشحذون في الشوارع القريبة من بيوتهم أو أماكن
عملهم! تهتز مشاعرهم للمشهدية القادمة من قارة بعيدة، في حين يتجاهلون المشاهد الأخرى عن الدوريات الأمنية التي تُزرع على حدود البلدان لمنع المهاجرين من العبور.
لا نقول هذا للمقارنة بين آلام، ولا لوضع كائن في مواجهة آخر. القرد يستحق التعاطف، بلا شك، لكن السؤال يتجه إلينا نحن: كيف تُوزَّع مشاعرنا؟ ولماذا يكون التعاطف أسهل حين لا يحمّلنا مسؤولية سياسية أو أخلاقية ثقيلة؟
بين دمية كوزيت في رواية طويلة، ولعبة قرد صغير في فيديو عابر، يتكشف اختلاف عميق في طريقة بناء الشعور الإنساني.
التعاطف مع الحيوان لا يهدد منظومتنا، ولا يفرض علينا إعادة النظر في سياسات أو حدود أو أنماط عيش. يمنحنا شعوراً نقياً، خالياً من التوتر. أما التعاطف مع المهاجر، أو مع ضحايا الحروب والفقر، فيجرّ وراءه أسئلة مربكة عن العدالة، والموارد، والموقف الشخصي. هنا يصبح التعاطف مكلفاً، فيتراجع أحياناً أمام خطاب الأمن أو الخوف.
لا يجب أن نفسد على أحد محبته لذلك الكائن الصغير بانش. إذ إن كل حنان صادق هو قيمة إنسانية، لكن ما نتمناه هو ألا نكتفي بما يُصدَّر إلينا من قصص مختارة بعناية لأنها تضرب على وتر حساس فينا، وأن ننتبه إلى أن بعض الحكايات لا تنتشر صدفة، بل لأنها مصوغة بطريقة تضمن أقصى أثر عاطفي في أقل زمن ممكن.
ربما لا نستطيع مقاومة تدفق الصور، لكن يمكننا أن نوسّع مجال رؤيتنا، أن نسأل: ما القصص التي لا تصل إلينا بالسهولة نفسها؟ ما الوجوه التي لا تملك لقطة مثالية؟ وكيف يمكن لتعاطفنا أن يمتد ليشمل ما هو أبعد من الرمز الجاهز؟
Loading ads...
بين دمية كوزيت في رواية طويلة، ولعبة قرد صغير في فيديو عابر، يتكشف اختلاف عميق في طريقة بناء الشعور الإنساني. في الأولى، التعاطف طريق نحو فهم عالم كامل، وفي الثانية قد يتحول إلى لحظة سريعة تُستهلك ثم تُستبدل. ما نحتاجه ليس إلغاء العاطفة، بل تحريرها من التوجيه الضيق، كي تبقى إنسانية حقاً، وقادرة على أن ترى الضعف أينما كان، لا حيث يُطلب منها فقط أن ترى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



