2 ساعات
استقرار مفقود وترحيل في أي لحظة.. حين تصبح الحياة في مصر حلماً شاقاً للسوريين
الإثنين، 2 فبراير 2026
على مدى سنوات طويلة، كانت مصر واحدة من أبرز الوجهات التي استقبلت السوريين الفارّين من الحرب، من دون مخيمات أو عزل جغرافي. اندمج القادمون الجدد في المدن والأحياء، افتتحوا مطاعم ومحالّ وورشاً، والتحق أبناؤهم بالمدارس والجامعات، حتى بدا الوجود السوري جزءاً طبيعياً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
هذا الاندماج منح كثيراً من السوريين شعوراً بالاستقرار النسبي، رغم أن إقاماتهم كانت في معظمها مؤقتة وتتطلب تجديداً دورياً.
غير أن هذا الاستقرار النسبي بدأ يتآكل تدريجياً خلال العامين الأخيرين مع تعقّد شروط الإقامة وتغيّر مساراتها القانونية: قرارات إغلاق متتالية لبعض أنواع الإقامات، ورسوم وغرامات مرتفعة على التأخير في التجديد، دفعت أعداداً متزايدة إلى الوقوع في وضع قانوني غير منتظم، حتى من كانوا ملتزمين بالإجراءات سابقاً.
ورغم أن السلطات المصرية أعلنت أكثر من مرة عن فترات سماح وإعفاءات من الغرامات لمن يرغب بالمغادرة الطوعية، فإن كثيرين لم يتمكنوا من ترتيب أوضاعهم خلال تلك المدد القصيرة، لتعود الأزمة من جديد بشكل أكثر حدة منذ منتصف كانون الأول 2025 وحتى الآن، وفق شهادات متقاطعة لسوريين مقيمين أو مُرحَّلين حديثاً.
في هذا التقرير، تصف شهادات متقاطعة لسوريين في مصر، تحدثوا لموقع "تلفزيون سوريا"، بعضهم تم ترحيله فعلاً إلى سوريا، مرحلة جديدة أكثر صرامة في التفتيش والتوقيف والترحيل يعيشها السوريون في مصر، دفعت بعضهم لوصف الحياة في مصر بأنها أصبحت "حلماً شاقاً بعيدا عن التحقيق".
مقطع فيديو من كاميرا مراقبة في أحد الشوارع التي تشهد وجوداً كثيفاً للسوريين يظهر اعتقال رجل سوري من قبل دورية أمنية
تضييق المسارات القانونية
حتى عام منتصف عام 2023 كان بإمكان كثير من العائلات السورية الحصول على إقامة مرتبطة بتسجيل أحد الأبناء في مدرسة حكومية، كما كان متاحاً تجديد إقامة قصيرة الأمد بناءً على عقد إيجار منزل كل عدة أشهر.
هذه المسارات توقفت عملياً أو أصبحت محصورة بشروط ضيقة، إذ لم يعد التسجيل في المدارس الحكومية يمنح إقامة، واقتصر الأمر على المدارس الخاصة وفي حالات محددة، كما أُلغي مسار الإقامة المتجددة بعقد الإيجار، ما أغلق منفذاً كان يعتمد عليه عدد كبير من العائلات.
أمام ذلك، لم يكن أمام السوريين في مصر سوى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، باعتبارها المسار الوحيد تقريباً لتقنين الوضع عبر بطاقة طالب لجوء، لكن الضغط الهائل أدى إلى مواعيد بعيدة جداً للتسجيل، تمتد أحياناً لسنوات.
مصدر سوري مقيم في القاهرة يصف الوضع بأن الشخص قد يقدّم طلبه ويحصل على رسالة نصية بموعد بعد عامين أو أكثر، وخلال هذه الفترة يبقى عملياً بلا إقامة سارية ومعرّضاً للتوقيف في أي وقت، رغم أن تلك الرسالة يفترض أن تُعتبر دليلاً على أنه يسلك مساراً قانونياً.
في الوقت نفسه، بقيت الإقامة الاستثمارية متاحة نظرياً، لكنها تحولت إلى مسار مكلف ومعقد، فتح باباً واسعاً للسماسرة والشركات الوهمية التي تعد بتأسيس شركات شكلية مقابل مبالغ كبيرة من دون ضمان الحصول على الموافقات الأمنية النهائية.
محامٍ يعمل على ملفات الإقامات الاستثمارية يؤكد أن الموافقات أصبحت شديدة الندرة، وأن كثيرين دفعوا مبالغ كبيرة على أمل الحصول على إقامة استثمارية ثم بقوا بلا نتيجة واضحة.
حملات تفتيش واسعة ومشاهد قاسية في الشارع
منذ منتصف كانون الأول 2025، بدأت بحسب إفادات عدة مصادر حملات تفتيش مكثفة في شوارع وأحياء يعتقد وجود كثافة سورية فيها، إضافة إلى مداهمات لأماكن عمل مثل المطاعم والمحال والورش.
مصدر سوري شهد إحدى الحملات يؤكد أن التوقيف يتم أحياناً لمجرد التأكد من الجنسية، حيث يسأل الشخص إن كان سورياً، ثم يطلب منه إبراز الإقامة، وفي حال وجود أي خلل أو انتهاء مدة الصلاحية ينقل فوراً إلى الحجز تمهيداً للترحيل.
مصادر أخرى ذكرت مشاهدة حافلات تقل عشرات الشبان السوريين الموقوفين دفعة واحدة، في مشهد يوحي بحملات جماعية أكثر منه حالات فردية.
التوقيف، وفق الشهادات، لم يعد يقتصر على الرجال، بل طال نساء في الشوارع والأسواق، كما تكررت روايات عن مداهمات لمطاعم سورية في مناطق مختلفة من القاهرة الكبرى، حيث يُطلب من جميع الموجودين إبراز أوراقهم.
في إحدى هذه المداهمات، هرب عامل في مطعم لا يحمل إقامة سارية من المكان في أثناء وجود عناصر الأمن، ما أدى إلى تصعيد سريع داخل المطعم، شمل اعتقال عاملين آخرين وحدوث اعتداءات طالت حتى مصريين كانوا يعملون في المكان، قبل أن ينتهي الأمر بدفع مبالغ مالية كبيرة وإعادة العمال السوريين إلى بلدهم.
مصادر متعددة تشير أيضاً إلى تزايد التفتيش قرب السفارة السورية في القاهرة، حيث يتم توقيف من يخرج ولا يحمل إقامة سارية المفعول، في وقت لا تملك فيه السفارة، بحسب هذه المصادر، صلاحية للتدخل في قرارات التوقيف أو الترحيل لأنها ترتبط بإجراءات سيادية للسلطات المصرية.
تسوية مالية أو ترحيل وضياع الممتلكات
تصف شهادات متقاطعة مسارين محتملين بعد التوقيف: إما دفع مبالغ مالية فورية تنهي الأمر في مكانه، أو الانتقال إلى الأقسام والجهات المختصة حيث يصبح الخروج أصعب بكثير وقد ينتهي بالترحيل.
مصدر سوري يشرح أن من يستطيع "تسوية الموضوع في الشارع" قد يدفع مئات الدولارات فقط، أما من يُنقل إلى الحجز فيدخل فيما يشبه الدوامة الإدارية الطويلة التي قد تتطلب آلاف الدولارات لتوقيفها، وإلا ينتهي المسار بقرار الترحيل خارج البلاد ومنع الدخول لعشر سنوات.
بعض الإفادات تتحدث عن حالات أُخذت فيها الوثائق الأصلية من أصحابها بحجة فحصها للتأكد من عدم تزويرها، ثم لم تُعد إليهم، ليتم تسجيلهم لاحقاً كأشخاص بلا أوراق صالحة، ما يجعلهم عرضة مباشرة للترحيل.
في حال صدور قرار الإبعاد، يقضي السوري المرحل عادة أياماً في أماكن احتجاز عادية إلى جانب محتجزين جنائيين، ثم يُنقل مكبل اليدين مع آخرين في سلاسل مشتركة بين جهات مختلفة قبل ترحيله النهائي، في مشاهد وصفها أكثر من مصدر بأنها "مهينة وقاسية نفسياً".
المشكلة لا تنتهي عند الترحيل، إذ يشير سوريون رُحلوا مؤخراً إلى أنهم فقدوا القدرة على التصرف بممتلكاتهم وحساباتهم المصرفية وسياراتهم التي بقيت في مصر، ما يعني ضياع مدخرات سنوات كاملة خلال أيام قليلة.
خوف يومي وحياة معلقة
تؤكد مصادر عدة أن كثيراً من السوريين في معظم المدن المصرية توقفوا عن الخروج من منازلهم إلا للضرورة القصوى، وتراجعت الحركة في مطاعم ومحال سورية كانت تعج بالزبائن سابقاً.
أسر كاملة تؤجل فكرة العودة الطوعية إلى سوريا رغم رغبتها بها، لأن منتصف العام الدراسي أو ارتباطها بأعمال وعقود إيجار وحسابات مصرفية يجعل المغادرة المفاجئة خسارة مضاعفة.
كما برزت مشكلة خاصة بالمتزوجين من مصريين الذين كانوا يحصلون على إقامات مرتبطة بالزواج، إذ يؤكد بعضهم أنهم لم يعودوا قادرين على استخراج إقامات جديدة بعد التغييرات الأخيرة، ما وضعهم في وضع قانوني معقد رغم روابطهم العائلية داخل مصر.
في الفضاء الرقمي، يتحدث سوريون عن تصاعد خطاب عدائي ضدهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وصلت إلى حد أن تدعو بعض المجموعات إلى الإبلاغ عن الجيران السوريين ليتم ترحيلهم، مقابل أصوات مصرية أخرى تدافع عنهم وتعتذر عن الإساءات، ما يعكس انقساماً مجتمعياً حول القضية.
جميع المصادر السورية التي تحدثت معنا لا تطالب بإجراءات استثنائية، بل تؤكد أن جوهر المشكلة هو التعامل مع مخالفة الإقامة كجريمة جنائية.
ويتلخص الطلب الأبرز باعتبار من انتهت إقامته مخالفاً إدارياً يمكن تسوية وضعه، لا شخصاً يُعامل كخطر أمني أو مجرم مخدرات.
ويطالب السوريون في مصر بمسارات واضحة وعملية لتقنين الأوضاع، والاعتراف بالمستندات المؤقتة مثل مواعيد المفوضية كوثائق توقف التوقيف والترحيل إلى حين البت النهائي في الملفات، إضافة إلى منح مهلة كافية لمن يرغب بالعودة الطوعية لترتيب أملاكه وأعماله بشكل كريم ومنظم.
وفي ظل غياب جهات قانونية مساعدة باستثناء مفوضية اللاجئين، يجد كثير من السوريين أنفسهم بين خيارين قاسيين: البقاء في خوف دائم من التوقيف، أو مغادرة سريعة قد تعني خسارة كل ما بنوه خلال سنوات من العمل والاندماج.
في مقابل ذلك، حذّرت عشر منظمات مجتمع مدني مصرية من أن ما يجري بحق السوريين يمثل عملياً "سياسة ترحيل مقنّع" تقوض التزامات مصر الدستورية والدولية في حماية اللاجئين، معتبرة أن حملات التوقيف الواسعة المرتبطة بوضع الإقامة وما يتبعها من احتجاز وإجبار على الترحيل هو نهج يدفع آلاف اللاجئين إلى مغادرة البلاد تحت الضغط والخوف، ويقوّض منظومة الحماية الدولية داخل مصر.
ووفق البيان، الذي نشرته "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، أدت قرارات إدارية متتالية منذ عام 2024 إلى إغلاق أو تعطيل مسارات تجديد الإقامة السياحية، وتشديد شروط الإقامة وربطها بقنوات محدودة مثل التسجيل لدى مفوضية اللاجئين أو الدراسة أو الاستثمار.
ووضع هذا الواقع عشرات الآلاف من السوريين في حالة "عدم انتظام قانوني قسري"، في ظل مواعيد بعيدة للحصول على الإقامة أو حتى لحجز موعد في إدارات الجوازات قد تصل إلى عامين، محملين المسؤولية للسلطات التي أغلقت فعلياً مسارات التقنين، لا على الأسر التي حاولت الالتزام بالإجراءات الرسمية.
وأشار البيان إلى أن هذا الفراغ القانوني انعكس على الأرض عبر كمائن وحملات تفتيش في القاهرة والجيزة والإسكندرية ومناطق أخرى، شملت توقيف أفراد وعائلات من الشوارع ومنازلهم وأماكن عملهم، أحياناً لمجرد "الاشتباه"، حتى لو كانوا مسجلين لدى مفوضية اللاجئين أو يحملون أوراق مواعيد رسمية لتجديد الإقامة.
وفي حالات عديدة أصدرت النيابة قرارات بإخلاء السبيل لغياب جريمة قانونية، لكن الإفراج لم يُنفذ عملياً، واستمر الاحتجاز بشكل إداري مفتوح على ذمة جهات أمنية، مع مطالبة بعض العائلات بحجز تذاكر سفر تمهيداً للإبعاد.
واعتبرت المنظمات الحقوقية المصرية أن هذه الممارسات تتعارض مع مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، ومع حظر الاحتجاز التعسفي وحق المراجعة القضائية الفعالة.
كما حذّرت المنظمات من أن الاحتجاز الإداري الواسع دون سقف زمني أو ضمانات إجرائية أساسية، ومن دون تمكين مفوضية اللاجئين من الوصول إلى المحتجزين، يحول مخالفة إدارية قابلة للتسوية إلى مسار يقود إلى الإبعاد، مطالباً بوقف فوري لهذه الحملات ووضع مسارات قانونية عادلة لتقنين الأوضاع.
في كثير من البيوت السورية في مصر، بات القلق ضيفاً دائماً على تفاصيل الحياة اليومية، وبعد سنوات شعر فيها الناس أنهم وجدوا مكاناً يلتقطون فيه أنفاسهم ويبنون حياة شبه مستقرة، عاد الإحساس بالهشاشة من جديد.
أحد السوريين المقيمين في مصر منذ أكثر من عشر سنوات يقول إن الخوف لم يعد فكرة بعيدة، بل شعور يومي يرافقه في طريقه إلى العمل وفي عودته إلى منزله، مضيفاً أن كل شيء بات مرتبطاً بتاريخ انتهاء الإقامة لا بخطط المستقبل.
وتحولت ورقة الإقامة، كما يصفها أحد السوريين، من إجراء إداري عادي إلى "ما يحدد إن كنت ستعود إلى بيتك مساءً أم لا"، في حين يؤكد طلاب أنهم اضطروا للبقاء في منازلهم بانتظار أوراق جامعية متأخرة، لأن مجرد التأخر في التجديد قد يعني التوقيف ومن ثم الترحيل.
تقول طالبة سورية في مصر إن تفاصيل حياتها كلها مرتبطة بمصر، من دراستها إلى عائلتها، لكنها اليوم تخشى الخروج قبل أن تحصل على ورقة القيد المطلوبة لتجديد أوراقها.
ولم يبق الخوف في الشوارع فقط، بل دخل إلى البيوت، يروي أب لطفلين أنه يحاول أن يبدو طبيعياً أمام عائلته، لكنه في داخله يعيش قلقاً دائماً من أن يرحل في أي وقت، مؤكداً أنه لا يملك في بلده الأصلي بيتاً ولا عملاً يعود إليه، وبالنسبة له، الرحيل المفاجئ لا يعني الانتقال من بلد إلى آخر فقط، بل فقدان مصدر رزق العائلة بالكامل دفعة واحدة.
هذا الضغط اليومي علق قرارات الحياة الكبرى، شاب كان يخطط للزواج يقول إنه لا يستطيع بناء بيت ثم يتركه غداً مرغماً، لذلك وضع كل شيء في الانتظار، كثيرون جمدوا مشاريعهم وأجلوا توسعة أعمالهم لأن فكرة الاستقرار نفسها أصبحت غير مضمونة.
ورغم الضجيج على وسائل التواصل الاجتماعي، يؤكد مدرس سوري أن معاملة المصريين في الشارع لم تتغير كثيراً، وأن الجيران ما زالوا يتصرفون بالود نفسه، لكن الأخبار المتلاحقة تجعل الجميع على أعصابهم طوال الوقت.
تقول إحدى السوريات المقيمات في الإسكندرية إن مصر ستبقى بالنسبة لها وطناً ثانياً، لكن الخوف المتراكم جعل الحياة أصعب، وكأن الاستقرار الذي عاشوه طويلاً صار حلماً شاقاً يحتاج إلى شجاعة يومية للبقاء.
Loading ads...
فضّلت جميع المصادر التي وردت شهاداتها في هذا التقرير عدم الكشف عن هوياتها حفاظاً على سلامتها أو على أوضاع أقارب لها ما زالوا في مصر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

