ساعة واحدة
رحلة إسراء الريس من أستاذة جامعية إلى فنانة وحرفية حلي ومجوهرات
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

رغم نجاح إسراء الريس في الحصول على درجة الماجستير في اللغات والترجمة بجامعة سالفورد في مانشستر، وانخراطها في التدريس بجامعة الملك سعود، إلا أن إعلاناً لدراسة تصميم وصياغة الحلي والمجوهرات في مدرسة عزة فهمي بالقاهرة، أعاد لها شغفها القديم، وجعلها تعيد ترتيب أهدافها وأحلامها لتصبح اليوم بعد سنوات من الدراسة والاحتراف فنانة مجوهرات معاصرة تجمع بين الفن التشكيلي، وحرفة صياغة الحلي والمجوهرات وتحويل المعادن والأحجار الصامتة إلى أعمال فنية تنبض بالحياة، قابلة للارتداء أو الاقتناء كعمل فني. وامتداداً لأحلامها تسعى إسراء من خلال الاستوديو الفني الخاص بها، في حي جاكس أن يكون حاضناً لمواهب وبداية لحكايات جديدة. سيدتي التقت بفنانة النجوهرات المعاصرة إسراء الريس لتحكي تفاصيل رحلتها الملهمة .
لطالما كان لدي شغف بالمجوهرات، وكنت أتمنى أن أعمل في مجال يرتبط بها، حتى أنني فكرت يوماً في جمع مصممي المجوهرات من مختلف أنحاء العالم في معرض واحد. وكنت أتابع أعمال عزة فهمي ومجموعاتها بشغف، إلى أن صادفت إعلاناً عن إحدى الدورات التي تقدمها مدرستها في القاهرة، تواصلت معهم بحثاً عن دورة قصيرة لا تتجاوز الأسبوع، لكن أقصر برنامج متاح كان يمتد لثلاثة أشهر. بدت لي المدة طويلة في البداية، لكن بعد استشارة عائلتي وتشجيعهم، قررت خوض التجربة، وسافرت إلى القاهرة عام 2017 لبدء دراسة تصميم وصياغة المجوهرات في مدرسة عزة فهمي. ما زلت أتذكر أول يوم دخلت فيه المدرسة، وأول مرة أمسكت فيها بأدوات الصياغة وبدأت العمل بالمعدن. شعرت حينها وكأن شيئاً انفتح في داخلي، وكأنني وجدت ما كنت أبحث عنه دون أن أعرف تماماً ما هو، كان شعوراً عميقاً بأنني أريد أن أقضي بقية حياتي وأنا أتعلم هذه الحرفة، وأكتشف أسرارها، وأنمو معها.ذهبت إلى القاهرة من أجل دورة مدتها ثلاثة أشهر، وبقيت فيها ثلاث سنوات! فكلما تعلمت شيئاً؛ ازداد فضولي وشغفي لمعرفة المزيد. ومع الوقت، انتقلت من مقاعد الدراسة إلى العمل في المدرسة، بدايةً كمساعدة مدرّب، ثم مدرّبة، ومع جائحة كورونا، عدت إلى السعودية، حاملةً معي شغفاً أصبح جزءاً أساسياً من حياتي، لأبدأ فصلاً جديداً من رحلتي في عالم المجوهرات.
بالنسبة لي، المجوهرات المعاصرة هي وسيلة للتعبير الفني، أستطيع من خلالها أن أترجم فكرة أو شعوراً أو حالة معينة إلى قطعة ملموسة. قد تبدأ القطعة من شيء ألهمني، أو من معنى أرغب في التعبير عنه، ثم تتطور الفكرة من خلال العمل باليد حتى تتحول إلى قطعة فنية يمكن ارتداؤها. وهذا ما يميز المجوهرات المعاصرة في نظري؛ فهي ليست مجرد قطعة للزينة، بل عمل فني يُرتدَى (Wearable Art)، يحمل فكرة أو قصة أو تجربة. أصنع قطعي لتكون قابلة للارتداء، لكن تبقى لصاحب القطعة حرية اختيار الطريقة التي يستمتع بها، سواء بارتدائها أو باقتنائها كعمل فني يعرضه في مساحته الخاصة. أما الفرق بين فنان المجوهرات المعاصرة ومصمم المجوهرات التقليدية، فأراه في مساحة الحرية التي يتيحها كل توجه. فالمجوهرات المعاصرة تمنح الفنان حرية واسعة في التعبير، دون التقيد بشكل معين أو خامات محددة أو قواعد مسبقة لما ينبغي أن تبدو عليه قطعة المجوهرات. يمكنني أن أستكشف الأفكار والأشكال والخامات والتقنيات دون سقف يحد خيالي. وربما يكون القيد الوحيد الذي أواجهه أثناء العمل هو طبيعة الخامة نفسها وإمكاناتها، لكن حتى هذه الحدود قد تصبح جزءاً من التجربة الفنية، وتفتح أمامي طرقاً جديدة للتعبير.
لم تكن الرحلة سهلة، خصوصاً عند عودتي إلى السعودية؛ إذ كان مجال المجوهرات المعاصرة لا يزال في بدايات حضوره، ولم تكن هناك مساحات كثيرة تتيح لي ممارسة الحرفة والتطور فيها. كان من أبرز التحديات أيضاً مفهوم المجوهرات السائد؛ فعندما نتحدث عن المجوهرات، يتبادر إلى الذهن غالباً الذهب والألماس والأحجار الكريمة، بينما أتعامل معها بوصفها وسيلة للتعبير الفني، يمكن أن تتجاوز قيمتها نوع المعدن أو الحجر المستخدم فيها، لتكمن في الفكرة والعمل الفني نفسه، كما واجهت كذلك صعوبة في إيجاد مساحة أمارس فيها حرفتي، فبدأت بإنشاء ورشة صغيرة في منزلي. وحتى من الناحية التنظيمية، لم يكن المسار واضحاً بالنسبة لي؛ فهل تندرج ممارستي تحت قطاع المعادن الثمينة والمجوهرات، أم تحت قطاع الفنون؟ خاصة أن عملي يجمع بين الاثنين.ومن هذه التحديات، ولدت فكرة تأسيس «بنش» (Bench)، وهو استوديو في حي جاكس بالدرعية، يجمع بين الفن وحرفة صياغة الحلي والمجوهرات. أردت أن أخلق مساحة تتيح للفنانين والصاغة ممارسة حرفتهم، وفي الوقت نفسه تقرّب مفهوم المجوهرات المعاصرة إلى المجتمع السعودي.
رغم الحرية الكبيرة التي تمنحني إياها المجوهرات المعاصرة في اختيار المواد والخامات، فإنني أميل في معظم أعمالي إلى استخدام الفضة؛ فأنا أحب لونها، وقابليتها للتشكيل، والنتائج الجمالية التي تمنحني إياها في التشطيب النهائي. كما أحب العمل بالنحاس الأحمر، لما يتمتع به من خصائص تساعدني على ترجمة أفكاري وتصوراتي الفنية إلى قطع ملموسة، أما الذهب، فأستخدمه غالباً بلمسات بسيطة ومدروسة، حين أرغب في إبراز تفصيل معين أو لفت النظر إلى جزء محدد من القطعة. في النهاية، يرتبط اختياري للخامة بالفكرة أو مصدر الإلهام الذي تنطلق منه القطعة، فلكل مادة خصائصها وإمكاناتها التعبيرية. ومن خلال الجمع بين المعدن والشكل والتفاصيل، أحاول خلق حوار بصري يعكس القصة أو المعنى الذي أرغب في التعبير عنه.
تبدأ القطعة لديّ عادةً من فكرة أو قصة أو مصدر إلهام معين، أمنح نفسي وقتاً للتأمل فيه وتخيّل الأشكال التي يمكن أن يتخذها. ثم أبدأ العمل مباشرةً بالمعدن؛ فأنا لا أرسم تصاميمي على الورق، بل أرسم بالمعدن نفسه، وأترك ليدي أن تترجم الفكرة من خلال التشكيل والتجريب. تُعد الدوائر وحركة الدوران من أبرز العناصر التي تميز أعمالي، وهي مستوحاة من حركة الدوران في الطبيعة، والطواف، والتأمل. أجد في هذه الحركات مصدراً غنياً للإلهام، وأحاول ترجمتها إلى أشكال وتكوينات تحمل بصمتي الفنية الخاصة. أما عملية التنفيذ، فأتعامل معها كرحلة مفتوحة؛ فقد أبدأ بفكرة معينة، ثم أكتشف أثناء العمل مساراً جديداً يقودني إلى شكل مختلف أو يفتح أمامي أبعاداً أخرى للفكرة. لا أتمسك بالتصميم الأول إذا وجدت أن القطعة تأخذني إلى اتجاه آخر، بل أسمح لها بأن تتطور معي. وهذه المساحة من الحرية والتجريب هي جزء أساسي من ممارستي الفنية؛ فبالنسبة لي، لا تقتصر عملية التصميم على الوصول إلى نتيجة محددة مسبقاً، بل تشمل أيضاً ما أكتشفه أثناء الرحلة نفسها.
أستلهم أعمالي بشكل أساسي من الطبيعة وحركة الدوران، وما تحمله هذه الحركة من معانٍ وتكوينات أجد فيها مساحة واسعة للتأمل والتعبير الفني. وقد يأتي الإلهام من فكرة معينة تستوقفني، فأبدأ باستكشافها وترجمتها إلى قطعة مجوهرات. أما التراث السعودي، فهو جزء من هويتي كحرفية سعودية، وإن لم أبدأ بعد بتوظيف رموزه وعناصره بشكل مباشر في أعمالي. ما زلت أفكر في كيفية ترجمة هذا الإرث الغني إلى قطع فنية معاصرة تعبّر عن رؤيتي الخاصة، وأرى أن هذا جانب أتطلع إلى استكشافه والتعمق فيه مستقبلاً. وبالنسبة لصيحات الموضة، فهي لا تشكّل مرجعاً أساسياً لتصاميمي؛ إذ أفضل أن تنطلق أعمالي من رؤيتي الفنية ومصادر إلهامي، بعيداً عن التقيد باتجاهات موسمية معينة. ما يهمني هو أن تكون لكل قطعة فكرتها وهويتها الخاصة، وأن تعبّر عمّا أريد تقديمه من خلال فني.
نصيحتي أن تتعلم الحرفة نفسها، حتى وإن كانت لا تنوي تنفيذ تصاميمها بيديها. فمعرفة أساسيات صياغة الحلي والمجوهرات، وفهم مراحل صناعتها يمنحان المصممة قدرة أكبر على تطوير أفكارها، والتواصل مع الحرفيين الذين ينفذون تصاميمها؛ لأنها حينها تتحدث لغتهم وتفهم إمكانات الخامات، والتقنيات التي يعملون بها. وأنصحها بأن تبدأ بتعلم الأساسيات، ثم تستمر في تطوير مهاراتها وإتقان الحرفة، وأن تمنح نفسها الوقت للتجربة وصناعة القطع. فقد تبدأ بقطعة واحدة تصنعها بنفسها، ثم تختار لاحقاً إنتاج نسخ متعددة منها لتصبح جزءاً من علامتها التجارية. أما تجربتي الشخصية، فهي أقرب إلى الممارسة الفنية منها إلى الإنتاج التجاري؛ فأنا أصنع قطعي بوصفها أعمالاً فنية، ولا أسعى إلى إنتاجها بكميات تجارية. لذلك، فإن النصيحة الأقرب إلى قلبي هي ألّا تتوقف عن التعلم أو العمل بيديها، وأن تستمر في صناعة المزيد من القطع واستكشاف إمكانات الحرفة، فكل تجربة تمنحها فرصة لاكتشاف شيء جديد وتطوير لغتها الفنية الخاصة.
اخترت حي جاكس تحديداً لأنني أردت أن يكون «بنش» في قلب المجتمع الفني والإبداعي، محاطاً بالفنانين والمعارض والمساحات الفنية. أؤمن بأن وجوده في هذه البيئة يساعد على بناء جسر بين الفن وحرفة صياغة المجوهرات، ويمنح الحرفة مساحة أوسع للتفاعل مع مختلف أشكال التعبير الفني، وتتمثل رؤيتي لبنش في أن يكون مساحة عمل مشتركة لصنّاع الحلي والمجوهرات، ومكاناً للتجربة والتعلّم وتبادل الخبرات، لكنني أطمح إلى ما هو أبعد من ذلك؛ أريد أن يكون مجتمعاً فنياً يجد فيه الصاغة الإلهام، وينظرون إلى ما يصنعونه ليس فقط بوصفه مجوهرات، بل بوصفه أعمالاً فنية قابلة للارتداء (Wearable Art). فهدفي ليس إنشاء مجتمع جديد للصاغة فحسب، بل بناء مجتمع فني تكون فيه حرفة صياغة المجوهرات محوراً أساسياً للإبداع.
ومن خلال تجربتي، أرى أن الاهتمام بالفنون والحِرف في السعودية يشهد نمواً ملحوظاً، مع اتساع الفرص والمساحات المتاحة للفنانين والحرفيين السعوديين. وأشعر بأن تأسيس بنش في حي جاكس، وفي هذه المرحلة تحديداً، يمنحني فرصة للمشاركة في هذا الحراك، والمساهمة في تطوير حضور صياغة المجوهرات بوصفها حرفة وفناً في آنٍ واحد، وأتمنى أن يصبح استديو "بنش" جزءاً فاعلاً من هذا المشهد الفني المتنامي، ومساحة يلتقي فيها الفن بالحرفة، وتولد من خلالها أفكار وتجارب جديدة.
أطمح إلى مواصلة رحلتي كفنانة مجوهرات معاصرة، والمشاركة في المزيد من المعارض الفنية المحلية والعالمية. فأنا ابنة هذه الأرض، وأتمنى أن أبني اسمي وحضوري الفني في السعودية أولاً، وأن تنطلق أعمالي منها إلى العالم. أما في المرحلة الحالية، فينصب تركيزي بشكل أكبر على تطوير استوديو «بنش»، وتوسيع الفرص المتاحة للراغبين في تعلّم حرفة صياغة الحلي والمجوهرات. وأتطلع إلى أن يصبح بنش خلال السنوات الخمس المقبلة اسماً معروفاً في مجال تعليم وصناعة المجوهرات المعاصرة، ومساحة تسهم في نشر مفهوم المجوهرات بوصفها أعمالاً فنية قابلة للارتداء (Wearable Art).) ومن طموحاتي أيضاً استضافة فنانين من مختلف أنحاء العالم لتقديم ورش ودورات متقدمة (Masterclasses)، وبناء شراكات وتعاون مع مدارس ومؤسسات متخصصة في تعليم المجوهرات، سواء على المستوى العربي أو العالمي. أتمنى أن يصبح "بنش" مساحة فنية وإبداعية تحتضن مختلف الحِرف والفنون، وتتيح للفنانين والحرفيين فرصة التعلّم والتجربة وتبادل الخبرات، وأن يكون له حضور مميز في عالم تعليم المجوهرات المعاصرة، انطلاقاً من السعودية إلى العالم.
Loading ads...
أؤمن بأن الحرفة ليست مجرد مهارة نتعلمها، بل رحلة نكتشف من خلالها أنفسنا وإمكاناتنا. وما زلت أتعلم في كل مرة أمسك فيها المعدن وأبدأ بتشكيله، فكل قطعة تحمل معها تجربة جديدة وفرصة لاكتشاف شيء لم أكن أعرفه من قبل. أتمنى أن يجد كل من يحمل شغفاً بالفن والحِرف المساحة التي تمنحه فرصة للتجربة والتعلّم والتعبير عن نفسه، وأن نرى المزيد من الفنانين والحرفيين السعوديين يقدّمون أعمالهم للعالم، كلٌّ بلغته الفنية الخاصة. اقرأ المزيد:قصة نجاح ستيف جوبز: الريادي العبقري الذي غيَّر قواعد اللعبة التكنولوجية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



