من المؤكد أن الحروب والثورات لا تنتهي بانتهاء الاقتتال العسكري وتوقف صوت الرصاص؛ فالجولة التالية تكون قد بدأت أصلًا قبل انتهاء الجولة الأولى، وهي تمدّ المتحاربين والمقتتلين بالمشروعية المسوِّغة للقتال.
وفي الحالات التي عانت فيها البلاد من استبداد منهجي مديد رسّخ مبادئه وآلياته في الضمير الاجتماعي المقهور، يصبح الصراع في أروقة الذاكرة صراعًا على تأسيس سردية تمنح صاحبها حق الدفاع وخوض الصراع والتمسّك بمبررات السيادة دون الآخرين. وتغدو الشهادات الموثّقة والصور والنصوص المؤرشفة أدوات لإدانة طرف دون آخر، ومنح أحقية القيادة وتمثيل المنتصرين لجهة دون أخرى، وهذه الجهة ستكتسب مشروعية ثورية تبرّر لها بعض العنف والإقصاء، وكثيرًا ما يرخي هذا الإقصاء ظلاله على فصائل وشرائح كانت في بؤرة الشراكة الحقيقية لهذا الانتصار.
من الصعوبة بمكان أرشفة الألم؛ فهو مسألة معقّدة لا تخضع لأدوات القياس والمعايير الفيزيائية. ومع ذلك فإن شهادات المعذّبين والمعتقلين والضحايا الناجين، ومن يعيشون الفقد العميق، قد تشكّل مقاربة ممكنة في هذا الجانب الإنساني الحساس. وفي الحالة السورية شكّلت كثير من المقابر الجماعية المكتشفة، وآلاف الصور ومقاطع الفيديو التي سُرّبت—إضافة إلى كونها ذات بعد قانوني يمكن اعتمادها أدلّة متينة، ولا سيما إذا تعددت الروايات وساند بعضها بعضًا—فعلًا سيكولوجيًا يمكّن الضحايا والناجين من مواجهة عذاباتهم التي بقيت لردحٍ زمني طويل في عتمات النفوس. يملك هذا البعد الاستشفائي أبعادًا متعددة، لكنه في وجهٍ رئيسٍ من أوجهه يقرّر عبر حال الضحية الناجية: «إنني أنا من انتصر وبقي في نهاية الحكاية، وأن عليك الرحيل ونيل ما تستحقه من العقاب».
بعد أن كسرت الذاكرة السحابية احتكار السلطات المحلية لحركة هذا الأرشيف واستقراره، وبعد أن دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، بات من السهل جدًا مقارنة الأدلة والأصوات والصور والوقائع ومقاطعتها للخلوص إلى نتائج عالية الدقة.
يبقى الخطر ماثلًا ما لم تتناوله أيدٍ نافذة وخبيرة، في أن تتمركز الذاكرة وتتجمّد في لحظة الألم تلك، ويغدو الإنسان ينظر إلى نفسه فقط من زاوية الضحية؛ فهذا—إضافة إلى ما يفعله في تحطيم شخصية الضحية وتوقّف سرديتها المستمرة عند هذه النقطة المشحونة بالألم—يدفع، بشكل أو بآخر، إلى سيطرة فكرة الانتقام وإن لم يكن ذلك مباشرًا. في الوقت الذي يركّز فيه معظم المنادين بالعدالة الانتقالية على حقّين رئيسين: حق المعرفة وكشف الحقائق دون تجميل، وحق النسيان الذي يعني تجاوز الأحقاد بغية بناء المستقبل.
في الآونة الأخيرة ظهر ما يمكن أن نطلق عليه اسم «العدالة العابرة للحدود»، وذلك بتحويل الأرشيف والوثائق إلى بُنى رقمية يمكن التعامل معها بيسر كبير عبر منصّات عابرة للحدود لا تتطلّب حضور المهتم أو المختص أو انتقاله إلى مكان بعينه لمعاينة التفاصيل. وهذا ما قدّمته التكنولوجيا الرقمية؛ فالأرشيف الرقمي السوري يمكن اعتباره الأضخم في التاريخ الحديث. واليوم، بعد أن كسرت الذاكرة السحابية احتكار السلطات المحلية لحركة هذا الأرشيف واستقراره، وبعد أن دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، بات من السهل جدًا مقارنة الأدلة والأصوات والصور والوقائع ومقاطعتها للخلوص إلى نتائج عالية الدقة، تسهم في صقل الأدلة وتمتين دلالاتها لمحاصرة وملاحقة مرتكبي الجرائم بحق الإنسانية، بل وكشف الشبكات المرتبطة وآليات اتخاذ القرار وغيرها كثير من التفاصيل التي تعزّز سير وإجراءات العدالة.
إلى اليوم، وبعد مرور أكثر من خمس وسبعين سنة، ما تزال الأفلام التي دانت النازية والستالينية وغيرها من الأدوات المهمة التي تحفظ الذاكرة وتستدعي تعاطفًا عالميًا مع الضحايا، وتُدخلهم جزءًا من التاريخ الذي ينبغي تدريسه في المناهج المدرسية، كي لا يتكرر هذا «الهولوكوست» مرة ثانية.
ومن واقع الإحاطة الواسعة بتعقيد التفاصيل في المسألة السورية—التي عمل عليها النظام السابق طويلًا بتوسيع رقعة وأعداد المغمّسة أيديهم بالدم السوري ومختلف أشكال الفساد والجريمة، بحيث يصبح السير في مسارات العدالة أمرًا أقرب إلى المحال—قد يدفع الواقع الممسكين بهذا الملف الشائك إلى القبول بالعدالة الترميمية التي تكتفي بمحاسبة شريحة محدّدة من رؤوس الجريمة وكبار المجرمين. وهذا سيخلق إشكاليات متعددة؛ فعند أي حد ستتوقف هذه المحاسبة؟ وما القواعد التي سيتم عبرها فرز من سيوجَّه إليه الاتهام والعقاب، ومن سيتم التغاضي عنه ومسامحته؟ وهل سيكتفي ذوو الضحايا بردّ الاعتبار الشكلي لضحاياهم؟ أسئلة صعبة لن يكون من اليسير الحصول على إجابات مرضية عنها، لكن كما يبدو فإن إطالة أمد المساءلة والتباطؤ المتعمّد في البدء بإجراءاتها قد يثمر تخفيفًا لحدّة المطالبين أو الشطر الأكبر منهم، ما يجعل الوصول إلى تسويات ممكنة أمرًا وشيك الحصول.
Loading ads...
يعزّز هذا الاتجاه ويجعله أكثر قبولًا طلبُ الاعتراف الاجتماعي الواسع بالضحايا وبعدالة حقوقهم، وتخليد ذكراهم في الساحات العامة وفي متاحف الذاكرة، وعبر كثير من الأفلام والمسلسلات والأعمال الفنية على تنوّعها، التي تمنح استمرارية للحضور في الذاكرة العامة. فإلى اليوم، وبعد مرور أكثر من خمس وسبعين سنة، ما تزال الأفلام التي أدانت النازية والستالينية وغيرها من الأدوات المهمة التي تحفظ الذاكرة وتستدعي تعاطفًا عالميًا مع الضحايا، وتُدخلهم جزءًا من التاريخ الذي ينبغي تدريسه في المناهج المدرسية، كي لا يتكرر هذا «الهولوكوست» مرة ثانية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

خطة جريئة من خيسوس في نهائي آسيا 2 !
منذ 7 دقائق
0




