5 ساعات
كيف يتأثر الاقتصاد السوري برفع ما تبقى من العقوبات الأميركية؟
الأربعاء، 3 يونيو 2026
عندما يتحدث المسؤولون في دمشق عن رفع ما تبقى من العقوبات الأميركية بوصفه بوابة التعافي الاقتصادي، يبدو الأمر وكأن الأزمة السورية تختزل في قرار سياسي يصدر من واشنطن، وما إن يُرفع حتى تبدأ عجلة الاقتصاد بالدوران من جديد.
غير أن الواقع الذي يواجهه السوريون بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب والانهيار المالي والاقتصادي يبدو أكثر تعقيداً بكثير من هذه الرواية الرسمية، فالمشكلة لا تكمن فقط في العقوبات، بل في الاقتصاد الذي خرج من الحرب منهكاً، ومؤسسات الدولة التي فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على الإدارة، وبيئة الاستثمار التي ما تزال تفتقر إلى الثقة والشفافية والقدرة على اجتذاب رؤوس الأموال.
خلال الأيام الماضية عاد ملف العقوبات إلى واجهة المشهد السياسي، بعدما أكد الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأحد، أهمية رفع ما تبقى من العقوبات المفروضة على سوريا، معتبراً أن ذلك يمثل خطوة أساسية لاستعادة النشاط الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، كما ربطت الحكومة السورية بين إنهاء العقوبات وبين جذب الاستثمارات الخارجية وتسريع إعادة الإعمار وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي.
ولا شك أن العقوبات الأميركية لعبت دوراً مؤثراً في تعقيد الأزمة الاقتصادية السورية خلال السنوات الماضية، إذ أدت إلى عزل النظام المصرفي عن جزء كبير من النظام المالي العالمي، وقيّدت حركة التحويلات والاستثمارات والتجارة الخارجية.
إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن واشنطن بدأت بالفعل بتفكيك أجزاء واسعة من منظومة العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا، بعدما أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص عامة سمحت بالتعامل مع قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري، قبل أن يوقع الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً في حزيران/يونيو 2025 يقضي بإنهاء الجزء الأكبر من برنامج العقوبات الاقتصادية، مع الإبقاء على العقوبات المرتبطة ببشار الأسد ومقربين منه وملفات الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان والاتجار بالمخدرات.
أقدمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على تخفيف كبير للعقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق، بلغت ذروتها في كانون الأول/ ديسمبر الماضي بإلغاء “قانون قيصر” الذي فرض أقسى العقوبات على النظام السوري السابق.
ورغم تفاؤل الحكومة السورية الحالية برئاسة الشرع، الذي أعلن في أيار/ مايو 2025 عن جذب استثمارات بلغت 28 مليار دولار منذ سقوط نظام بشار الأسد، فإن الاقتصاد السوري ما يزال يعاني من فجوة شاسعة بين الآمال المعقودة على رفع العقوبات والنتائج الفعلية على أرض الواقع.
وبعد أكثر من عام على بدء هذه الانفراجة، لا تزال حاجة سوريا إلى إعادة الإعمار تقدر بنحو 216 مليار دولار وفق التقدير “التحفظي الأفضل” للبنك الدولي، وهو ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد في 2024.
ووفق التقديرات ذاتها، تتراوح التكلفة الإجمالية للدمار المادي بين 140 ملياراً و345 مليار دولار، حيث تبلغ تكلفة إعادة بناء البنية التحتية وحدها 82 مليار دولار، في حين تقدر الأضرار في المباني السكنية بـ75 مليار دولار وغير السكنية بـ59 مليار دولار، إلا أن المبلغ الذي جذبته سوريا منذ سقوط النظام لا يشكل سوى جزء ضئيل من هذه الاحتياجات الضخمة، ما يشير إلى أن العقوبات لم تكن السبب الوحيد، ورفعها لا يعني بالضرورة أن المال سيتدفق.
رغم ذلك ما تزال الحكومة السورية الحالية تروّج لفكرة أن رفع ما تبقى من العقوبات سيقود بصورة مباشرة إلى انتعاش اقتصادي واسع، لكن الأرقام المتاحة ترسم صورة أكثر تعقيداً، فوفق تقديرات البنك الدولي، لا يزال الاقتصاد السوري يعاني من تراجع حاد في ناتجه مقارنة بمستويات ما قبل عام 2011، فيما يواجه البلد أزمة سيولة حادة وتراجعاً في الإنتاج وضعفاً في البنية التحتية وارتفاعاً في معدلات الفقر والبطالة.
كما يؤكد البنك الدولي أن تخفيف العقوبات يمكن أن يخلق فرصاً للنمو، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق التعافي ما لم يترافق مع إصلاحات مؤسساتية واقتصادية عميقة.
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن الجدل المتصاعد حول رفع العقوبات المفروضة على سوريا يجري تقديمه في كثير من الأحيان بوصفه الحل السحري القادر على إنقاذ الاقتصاد السوري وإعادته إلى مسار النمو، في حين أن الواقع الاقتصادي والمؤسساتي أكثر تعقيداً من اختزاله بمسألة العقوبات وحدها.
ويشير الكريم وفق منشور له على منصة “فيسبوك” إلى أن العقوبات المرتبطة بتمويل الإرهاب كانت من أكثر العقوبات تأثيراً على القطاعين المالي والمصرفي، بعدما أدى التصنيف الدولي السابق إلى عزل سوريا عن جزء كبير من المنظومة المالية العالمية.
غير أن الكريم يرى أن إزالة هذه القيود لا تعني تلقائياً عودة الاقتصاد إلى النمو أو تدفق الاستثمارات الأجنبية، فالمستثمرون والمصارف الدولية، بحسب رأيه، لا ينظرون فقط إلى النصوص القانونية المتعلقة بالعقوبات، بل يراقبون مستوى الثقة بالمؤسسات القضائية والرقابية، واستقرار البيئة القانونية، وقدرة الدولة على حماية العقود والاستثمارات.
ولذلك فإن إعادة ربط المصارف السورية بالنظام المالي العالمي وشبكة “سويفت” لا تتوقف على قرار سياسي فقط، وإنما تحتاج إلى بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تمنح المستثمرين والمصارف الدولية الضمانات التي يبحثون عنها، بحسب تأكيده.
ويذهب الكريم إلى أبعد من ذلك حين يتحدث عن طبيعة الاقتصاد الذي تشكل خلال السنوات الماضية، فالمستثمر الأجنبي، وفقاً لرؤيته، لا يبحث عن سوق تهيمن عليها شبكات النفوذ أو المصالح الضيقة، وإنما عن سوق تنافسية مفتوحة تسمح بدخول رؤوس الأموال وتحقيق الأرباح في إطار واضح من المنافسة العادلة.
ومن هنا يرى أن استمرار هيمنة دوائر اقتصادية محددة على قطاعات استراتيجية يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين المحتملين، ويحد من قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات طويلة الأجل حتى لو رُفعت العقوبات بالكامل.
كما يشير الكريم إلى أن المخاطر القانونية ما تزال تمثل عاملاً حاسماً في قرارات الشركات العالمية، مستشهداً بقضية شركة “لافارج” الفرنسية التي واجهت ملاحقات قانونية بعد سنوات من نشاطها في سوريا، معتبراً أن مثل هذه السوابق تجعل الشركات الدولية أكثر حذراً في التعامل مع السوق السورية، خاصة في ظل غياب وضوح كافٍ بشأن العدالة الانتقالية وآليات المحاسبة والمسؤوليات القانونية المرتبطة بسنوات النزاع.
من جهته، يؤكد الباحث والخبير الاقتصادي عامر شهدا أن الحراك السياسي الذي يقوده الرئيس أحمد الشرع بشأن ملف رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب أعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في مستقبل الاقتصاد السوري وعلاقاته المالية والمصرفية مع العالم.
إلا أن شهدا يرى أن التعامل مع هذا الملف يتطلب قدراً أكبر من الواقعية، لأن تحسين التصنيف الائتماني للدولة وجذب الاستثمارات الأجنبية وإعادة دمج سوريا في الأسواق العالمية لن يتحقق بمجرد صدور قرارات سياسية، بل يحتاج إلى معالجة العقبات القانونية والمؤسساتية التي تراكمت على مدى عقود.
يشير شهدا إلى أن الأشهر الماضية شهدت تصريحات حكومية متفائلة بشأن الانفتاح المالي وإعادة تفعيل العلاقات المصرفية الدولية، إلا أن النتائج العملية بقيت محدودة مقارنة بحجم الوعود المعلنة، مشدداً على أن الثقة لا تُبنى عبر التصريحات السياسية أو الحملات الإعلامية، وإنما من خلال سياسات شفافة وقابلة للقياس، وتقديم بيانات اقتصادية دقيقة، وإتاحة المعلومات أمام المستثمرين والمؤسسات الدولية.
فيما يرى الخبير الاقتصادي جورج خزام أن رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا لم ينعكس، حتى الآن، في صورة طفرة في الاستثمار الصناعي أو زيادة واضحة في الإنتاج، بل بدا أثره الأبرز في “اتساع مساحة المستوردات وتخفيف بعض القيود أمام دخول السلع، من دون أن يترافق ذلك مع تدفق كبير لرؤوس الأموال المنتجة أو مع عودة واسعة للمصانع والورش إلى العمل.
ويضيف خزام أن الاقتصاد لا يتعافى بمجرد رفع العقوبات، لأن التعافي يحتاج إلى بيئة قانونية ومصرفية مستقرة، وتمويل متاح، وبنية تحتية قادرة على تحويل الانفراج السياسي إلى نشاط إنتاجي حقيقي وفرص عمل، مشيراً إلى أن السوق السورية ما تزال، في نظر كثير من المستثمرين، “أقرب إلى سوق تصريف للسلع المستوردة منها إلى سوق منتجة”.
ما تمر به سوريا اليوم هو امتحان حقيقي لقدرة النظام الجديد على تحويل الانفراج السياسي إلى تنمية اقتصادية ملموسة، خاصة وأن العقوبات لم تكن السبب الوحيد للأزمة، ورفعها ليس نهاية المطاف، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.
Loading ads...
ويحتاج الاقتصاد السوري إلى إعادة بناء من الداخل، بإصلاح مؤسساتي شامل، وقضاء مستقل، وبيئة قانونية جاذبة للاستثمار، وحوكمة رشيدة تنهي عهود الاحتكار والنفوذ، وبدون هذه المقومات، سيبقى رفع العقوبات مجرد وعد لم يتحقق، وسيبقى السوريون ينتظرون طويلاً طفرة تعيد بناء ما دمرته الحرب وسياسات الإقصاء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

