في كثير من المؤسسات، لا تبدأ الأزمات بانهيارٍ مفاجئ، بل بفجوة صغيرة لا يلاحظها أحد.
يعتقد المديرون أن خطط التحول تسير كما ينبغي، فيما يقضي الموظفون يومهم في تجاوز الأعطال، وابتكار حلول مؤقتة، وإصلاح أخطاء لا تظهر في التقارير الرسمية.
ومع الوقت، يتشكل داخل المؤسسة عالمان مختلفان: عالمٌ على العروض التقديمية يبدو منظمًا وناجحًا، وعالمٌ آخر على الأرض تحكمه الفوضى والضغوط والعمل غير المرئي.
هذه هي «فجوة الواقع»؛ المسافة بين ما تظنه القيادة يحدث، وما يحدث فعليًا أثناء إنجاز العمل. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبحت خطط التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أكثر عرضة للتعثر، ليس بسبب رفض الموظفين للتغيير، بل لأن القرارات تُبنى على صورة مثالية لا تشبه الواقع الحقيقي للعمل.
لا يمكن إصلاح ما لا يتم فهمه. وقد تكررت هذه الظاهرة في مؤسسات عديدة أثناء تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي أو تنفيذ برامج التحول الرقمي. تبدأ المشاريع بحماس كبير، تُعتمد الميزانيات، وتُطلق الوعود، ثم يصطدم الجميع بالواقع ويتباطأ الزخم.
عند حدوث ذلك، يكون من السهل اتهام الموظفين بـ«مقاومة التغيير». لكن المشكلة غالبًا أعمق من ذلك، وتتعلق بما يسمى «فجوة الواقع»، أي الفرق بين ما يعتقد القادة أنه يحدث، وما يواجهه الموظفون فعليًا من قيود تنظيمية واحتكاكات يومية ومشكلات لا تصل إلى دوائر القرار.
وتُعد معالجة هذه الفجوة عنصرًا أساسيًا في قيادة التغيير، لأنها تبدأ أولًا بالاستماع إلى الواقع كما هو، لا كما ترغب الإدارة في رؤيته.
كيف تبدأ فجوة الواقع؟
تنشأ فجوة الواقع غالبًا بسبب ما يعرف في علم النفس بـ«الواقعية الساذجة»، وهو انحياز يجعل الإنسان يعتقد أن نظرته للأمور تمثل الحقيقة الموضوعية، وأن من يختلف معه إما غير مطلع أو متحيز.
داخل المؤسسات، تتفاقم المشكلة لأن الموظفين الأقرب إلى العمل هم أول من يكتشف الأعطال والمشكلات، لكن هذه الحقائق لا تنتقل بسهولة إلى الإدارة العليا. فكثير من الموظفين يفضلون الصمت إذا شعروا أن الحديث عن المشكلات سيُقابل بالتجاهل أو العقاب أو اتهامهم بالسلبية.
والنتيجة أن القيادات تسمع نسخة «منظفة» ومتفائلة من الواقع، بينما تبقى الأعطال اليومية والحلول المؤقتة مخفية داخل فرق العمل. وهكذا تتسع المسافة بين الصورة الرسمية وما يجري فعليًا على الأرض.
لماذا تمثل فجوة الواقع خطرًا؟
تُعد فجوة الواقع بمثابة إشارات إنذار مبكرة، لأنها تكشف أن خطط التغيير بدأت تنفصل عن الطريقة الحقيقية التي يُنجز بها العمل.
وغالبًا ما تظهر المؤشرات الأولى في شكل «حلول التفافية» تبدو بسيطة في البداية، مثل خطوة إضافية مؤقتة أو إجراء جانبي سريع. لكن عندما تصبح الأنظمة غير متوافقة مع الواقع، تتحول هذه الحلول إلى ممارسة يومية.
مع الوقت، يبدأ الموظفون في استهلاك طاقتهم في الالتفاف حول النظام بدلًا من استخدامه كما صُمم. وهنا يظهر نوع آخر من العمل غير المرئي: إصلاح الأخطاء قبل أن تصل إلى العملاء، وتهدئة العملاء الغاضبين، وتصحيح البيانات بعد ساعات العمل، أو معالجة أعطال العمليات يدويًا.
ومع اتساع الفجوة، تتكاثر «الأنظمة الظلية»، حيث تبني الفرق ملفاتها الخاصة وجداولها المنفصلة ومجموعات التواصل الجانبية لأنها تحتاج إلى نسخة من الواقع يمكن العمل بها فعلًا.
ورغم أن هذه الأدوات تساعد مؤقتًا، فإنها تخلق مخاطر إضافية، مثل تضارب البيانات، وفقدان التنسيق بين الفرق، والثغرات الرقابية، والضغط الذهني المستمر على الموظفين.
في النهاية، تظهر حالة من الإرهاق وفقدان الثقة. فعندما تستمر الإدارة في إعلان نجاح المشروع بينما يعمل الموظفون لساعات إضافية لإنقاذه، يبدأ الناس في فقدان الثقة بالرسائل الرسمية، ويتوقفون تدريجيًا عن الإبلاغ عن المشكلات لأنهم لا يتوقعون أي استجابة حقيقية.
كيف تعامل بعض القادة مع فجوة الواقع؟
عندما تولّى آلان مولالي قيادة شركة فورد موتور، ركز على تقليص فجوة الواقع داخل الشركة.
كان يؤمن بأن «لا يمكن إدارة الأسرار»، لذلك دفع باتجاه كشف المشكلات بدل إخفائها، وفرض مراجعات أسبوعية تسمح بظهور الحقائق من الموظفين الأقرب إلى العمل.
الهدف لم يكن البحث عن أخبار جيدة، بل خلق بيئة تجعل قول الحقيقة أكثر أمانًا، وتجعل الإدارة أكثر قدرة على سماع ما يحدث فعليًا.
كيف يمكن اكتشاف فجوة الواقع؟
الاستماع لفجوة الواقع يعني الانتباه إلى الفرق بين الافتراضات الإدارية والواقع الذي يعيشه الموظفون يوميًا. ويتطلب ذلك التركيز على:
- التعديلات التي يضطرون إليها أثناء العمل.
- الفجوة بين الإجراءات الرسمية والممارسات الحقيقية.
وتظهر فجوة الواقع عادة في ثلاثة مجالات رئيسية:
كيف يمكن تقليص فجوة الواقع؟
كل عملية تغيير تخلق تلقائيًا فجوة بين نوايا القيادة وتجربة الموظفين اليومية. وفي مشاريع التحول التقني تظهر هذه الفجوة بسرعة من خلال زيادة الحلول المؤقتة، وتباطؤ الإنجاز، وتراجع الثقة في البيانات، وعودة الموظفين إلى «الطريقة القديمة» عند أول ضغط حقيقي.
ولتقليص الفجوة، لا يكفي جمع الملاحظات في بداية المشروع، بل يجب اتباع دورة مستمرة تقوم على ثلاث مراحل:
وفي النهاية، تبقى القاعدة الأساسية بسيطة: الاستماع إلى الواقع، الاعتراف به، ثم البناء على ما ينجح فعلًا.
Loading ads...
المصدر: "سايكولوجي توداي"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





