جدال وسجالٌ داخل أميركا وخارجها أثارته مقابلة مايك هاكابي أحد أبرز وجوه اليمين المسيحي الإنجيلي"المتصهين" في الولايات المتحدة، ذلك الذي يجمع بين تجربة سياسية رسمية كحاكم لولاية أركنساس، وخلفية دينية قوية وراسخة تعكس التوجهات الصهيونية المسيحية في المشهد السياسي الأميركي.
فعلى مدى سنوات، برز هاكابي مناصراً شرساً لإسرائيل قبل أن يصبح سفير واشنطن في تل أبيب، لكن تصريحاته الأخيرة كشفت عن بعد جديد لا يتحدث عنه عادة الساسة الأميركيون، حيث استندت مباشرة إلى إرث ديني وتفسير توراتي للنصوص المقدسة لتبرير توسع إسرائيلي محتمل.
في مقابلة مطولة استمرت لأكثر من ساعتين مع تاكر كارلسون، استعاد هاكابي نصوصاً من العهد القديم، وخاصة الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين، في معرض حديثه عن منحِ إسرائيل حقاً إلهياً في أراضٍ تمتد من نهر الفرات إلى النيل. موضحاً أن هذه الأرض ليست مجرد مسرح سياسي أو حدود جغرافية. دون مواربة استخدم هاكابي تعبير الجملة التالية في قراءة عقائدية ذات اتجاهين: وعد إلهي لشعب مختار، لا يمكن إنكاره أو تجاهله، وأن بركة الولايات المتحدة مرتبطة بالبركة التي تمنحها لإسرائيل.
هذا التداخل بين الصهيونية الدينية والسياسة الأميركية ينعكس في طبيعة الخطاب نفسه، الذي يميل إلى الحسم ورفض التسويات.
مقابلة نقلت أفكار الصهيونية الدينية إلى قلب السياسة الرسمية الأميركية، وجعلت من إسرائيل كياناً ذي شرعية مطلقة على مساحات واسعة من الشرق الأوسط. وهذا ما يضع الولايات المتحدة في موقف ينحاز إلى قراءة دينية أيديولوجية للمنطقة، لطالما قالت واشنطن إنها ترفضها في الدوائر العربية.
هاكابي لم يقتصر في تأكيداته على الأراضي وحدها، ذهب إلى تبرير السياسات الإسرائيلية الحالية في مواجهة العرب الفلسطينيين، بما فيها حرب الإبادة على غزة، مستشهداً بما يراه التزاماً أخلاقياً لتطبيق النصوص الدينية التوراتية، ومؤكداً في ذات الوقت أن حماية إسرائيل وتعظيم دورها ليست خياراً دبلوماسياً فحسب، إنها ترقى لأن تكون واجباً دينياً.
هذه التصريحات، الصادرة من سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، تضيف أبعاداً جديدة للخطاب الرسمي الأميركي، إذ لم تعد المواقف محصورة في اعتبارات استراتيجية أو أمنية، وإنما أصبحت تتضمن أو ترتكز على أيدولوجيا دينية واضحة، قادرة على التأثير في السياسات الإقليمية وفي فهم واشنطن لدورها في الشرق الأوسط. وبهذا الشكل يتحول الخطاب الأميركي من مجرد دعم سياسي وأمني وعسكري تقليدي إلى سردية صهيونية دينية متجذرة، تجعل من العلاقة بين واشنطن وتل أبيب مسألة مصيرية ضمن رؤية أوسع تتشابك فيها العقيدة مع السياسة.
إنها لحظة سياسية أميركية مشحونة، حيث تتقاطع التحولات الداخلية في الولايات المتحدة مع إعادة تعريف موقع إسرائيل في الوعي السياسي المحافظ والمؤثر في ذات الوقت على قرار الرئيس ترمب عبر دائرة ضيِّقة جداً في الوقت الذي تدق فيه واشنطن طبول الحرب على إيران وتنذر بتغيير خرائط الإقليم. في هذا المناخ المشدود تتداخل السياسة مع العقيدة، ويُعاد إنتاج الخطاب حول الشرق الأوسط بلغة تستحضر النصوص الدينية بقدر ما تستند إلى المصالح.
اللافت أن هذه اللغة تتقاطع بشكل واضح مع الخطاب المرتبط بشعار جماعة ماغا "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" الداعمة لترمب، حيث يتم توظيف القيم الدينية والتاريخية لإعادة صياغة الدور الأميركي في العالم. لتصبح إسرائيل جزءاً من سردية أوسع تتعلق باستعادة ما يوصف في الأدبيات اليمينية الجديدة بالهوية الأصلية للولايات المتحدة، ما يمنحها مكانة تتجاوز الحسابات الواقعية. وبهذا لا يعود الحديث عن أمن إسرائيل أو استقرار المنطقة، وإنما عن دورها في تحقيق رؤية أيديولوجية تتبناها قطاعات واسعة من اليمين الأميركي المتصهين، والقائمة بشكل لا لبس فيه على ابتلاع المنطقة أو ترسيخها ككيانات وظيفية.
هذا التداخل بين الصهيونية الدينية والسياسة الأميركية ينعكس في طبيعة الخطاب نفسه، الذي يميل إلى الحسم ورفض التسويات. فحين يتم تأطير الصراع ضمن رؤية دينية، تتراجع المساحات الرمادية التي تسمح بالتفاوض أو الحلول الوسط. بغض النظر عن الجغرافيا التي تصدر منها سواء كانت في الشرق الأوسط أو الهند أو أوروبا. وفي هذا السياق تبدو تصريحات هاكابي ليست معزولة، وإنما تمثل تعبيراً مكثفاً عن اتجاه يتسع داخل واشنطن، ويؤثر بشكل مباشر على كيفية مقاربة قضايا المنطقة، من فلسطين إلى سوريا. كما أن توقيت هذه التصريحات تحمل دلالات إضافية، إذ تأتي في ظل توترات إقليمية متصاعدة، ومحاولات لإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط.
تتجاوز تصريحات هاكابي كونها مجرد دعم تقليدي لإسرائيل إلى مستوى يبدو وكأنه محاولة لإعادة هندسة البيئة الإقليمية بما يتوافق مع رؤية أيديولوجية تتخطى الحدود السياسية..
وفي مثل هذا المقام، تتحول الكلمات إلى مؤشرات سياسية، تعكس اتجاهات أعمق داخل مراكز القرار الأميركي وليس فقط مواقف فردية. فحين يقول هاكابي إن حدود إسرائيل تمتد من الفرات إلى النيل فإن هذا التصريح يتجاوز البعد الشخصي، لتصبح جزءاً من خطاب أوسع يعيد تشكيل وتعريف طبيعة الصراع في المنطقة، وموقف الساسة الأميركيين منه.
في الإطار الإقليمي، وتحديداً بالنسبة للساحة السورية، تحمل تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي أبعاداً بالغة الحساسية، حيث تتقاطع مجموعة من الملفات المصيرية: السيادة الوطنية، المرحلة الانتقالية، وحجم الوجود العسكري الأجنبي على الأرض. ولكن حين يُعاد في الخطاب الأميركي تعريف إسرائيل ككيان يتمتع بشرعية مطلقة وحق إلهي في الأرض، فإن ذلك يفرض إعادة النظر للأولويات التي يجب تثبيتها سوريَّاً في مقاربة واشنطن للملف السوري ككل. يشمل هذا التأثير تقييم التوازنات في الجنوب السوري في ظل التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، فضلاً عن قراءة التأثير المحتمل للموقف الأميركي على مستقبل الدولة السورية نفسها في المرحلة المقبلة.
في هذا المنطق الإقليمي، تتجاوز تصريحات هاكابي كونها مجرد دعم تقليدي لإسرائيل إلى مستوى يبدو وكأنه محاولة لإعادة هندسة البيئة الإقليمية بما يتوافق مع رؤية أيديولوجية تتخطى الحدود السياسية، وتضع الشرق الأوسط في إطار مشروع أوسع للهيمنة الاستراتيجية المدعومة بإطار ديني وسياسي مترابط ينطلق من إسرائيل بدعم أميركي ولا يستثني سوريا أو غيرها في المنطقة.
ما يزيد الموقف تعقيداً هو الغياب السوري الدبلوماسي عن التصدي المباشر والسريع لمثل هذه التصريحات، ما يفتح المجال لتساؤلات سياسية عميقة: هل يمثل هذا الصمت أو المشاركة في بيانات سياسية جماعية استراتيجية مقصودة لتجنب التصعيد، أم أنه يعكس محدودية هامش الحركة السورية نتيجة التوازنات الميدانية والدبلوماسية المعقدة؟ أو التفاهمات غير المعلنة؟ أم أن هناك قراءة داخل دمشق ترى أن طبيعة التحولات في واشنطن، وتداخل الدين بالسياسة الأميركية، تجعل هذه التصريحات جزءاً من صراعات داخلية أميركية أكثر من كونها سياسة رسمية فورية تتطلب رداً مباشراً؟
سوريا الحالية يجب أن ترى تصريحات هاكابي كجزء من مشهد أوسع يتطلب استراتيجية حقيقية داخلية وخارجية لمواجهته.
في كل الاحتمالات، يشير غياب دمشق عن التفاعل الفوري إلى حساسية المشهد السوري الراهن، حيث يمكن لأي رد فعل أن يختبر حدود التأثير المباشر على الملف الإقليمي، ويكشف عن المدى الذي يمكن للإدارة السورية الحالية التحرك فيه في سياق إعادة ترتيب النفوذ تحت مظلة القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرها. وبالتالي، لم تعد المسألة مسألة تصريح دبلوماسي معزول، وإنما أصبحت اختباراً عملياً لقدرة الدولة السورية على قراءة أبعاد المشروع الأميركي الإسرائيلي الصهيوني الديني، والتعامل مع انعكاساته على الأرض السورية، في مزيج من الواقع العسكري والدبلوماسي والسياسي المعقد والمتشابك.
Loading ads...
في المحصلة، تصريحات هاكابي ليست مجرد تفصيل شخصي لسفير أميركي، إنها مؤشر على مرحلة جديدة تتراجع فيها الحدود بين الأيديولوجيا والسياسة، وتنعكس مباشرة على توازنات القوى في الشرق الأوسط. بينما تسعى بعض الدول العربية إلى توضيح موقفها والتموضع بوضوح أمام واشنطن، يبقى الفعل السوري المحدود وفق المعلن علامة تحتاج إلى تحليل معمق واستراتيجيات ملموسة. في لحظة تتغير فيها السياسات الأميركية الداخلية بين تيار ماغا وخط الرواية الإسرائيلية، يصبح فهم عمق الصهيونية الدينية وأثرها على السياسة الخارجية الأميركية ضرورة حيوية لأي قراءة دقيقة للمشهد الإقليمي. سوريا الحالية يجب أن ترى تصريحات هاكابي كجزء من مشهد أوسع يتطلب استراتيجية حقيقية داخلية وخارجية لمواجهته، خاصة أنه لا يمكن النظر بأي حال من الأحوال إلى تصريحات هاكابي بمعزل عن تحولات السياسة الأميركية الداخلية، ولا يمكن تجاهل تأثيرها المباشر على سوريا بحاضرها ومستقبلها. لما تحمله من دلالات على تحرك خطوط التوازنات الإقليمية، وإعادة تشكيل العلاقة بين واشنطن والدول العربية، فضلاً عن وضعها دمشق قبل أي شيء أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الموازنة وصولاً إلى فعل أو تحرك يحمي مصالحها وسيادتها الوطنية في مرحلة حساسة من تاريخها وتاريخ المنطقة ككل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





