لا أتذكّر متى بدأت أفكر في الشيطان للمرة الأولى. لكنني أتذكر أنني كنت مراهقاً في ذلك العمر الذي تبدأ فيه الأسئلة بالظهور قبل أن نعرف كيف نسألها، وتصبح الأشياء التي اعتدنا تصديقها دون تفكير فجأةً بحاجة إلى تفسير.
في إحدى الليالي، بينما كنت أقرأ عن إبليس، توقّفت أمام فكرة واحدة لم أعرف لماذا علقت في رأسي: ماذا لو تاب الشيطان؟
بدت لي الفكرة وقتها سخيفةً، وربما محرّمةً حتى على مستوى التفكير. لكنها لم تتركني. ماذا لو استيقظ إبليس يوماً، بعد هذه القرون كلها، واكتشف أنه لم يعُد يريد أن يكون إبليس؟ ماذا لو تعب؛ تعب من الكراهية، ومن إغواء البشر، ومن الدور الذي ظلّ يؤدّيه منذ اللحظة التي رفض فيها السجود لآدم؟ ماذا لو ندم فعلاً؟
ظلّ السؤال يكبر في رأسي، حتى بدأت أتخيّل حكاية.
تخيّلت يوماً مختلفاً عن أيام الأرض كلها، يوماً لا يتشاجر فيه الناس، ولا يقتل أحد أحداً، ولا يخون رجل امرأةً، ولا تكذب امرأة على رجل، ولا يحمل أحد في قلبه رغبةً في الانتقام.
كانت المساجد ممتلئةً، وأجراس الكنائس تدقّ، والمعابد تعجّ بالعابدين. كان البشر، للمرة الأولى، منشغلين بالخير وحده. حتى الشيطان لم يجد عملاً. وقف بعيداً يراقب العالم، ثم جلس.
ولأول مرة منذ بداية الحكاية، لم يعرف ماذا يفعل. فكّر طويلاً، ثم سأل نفسه: ماذا لو كنت أنا المخطئ؟
لم تكن الفكرة جديدةً عليه. كان يعرف خطيئته. يعرف اللحظة التي وقف فيها أمام أمر الله وقال: لا. يعرف كيف تسلّل الكبر إلى قلبه، وكيف تحوّلت لحظة واحدة من الرفض إلى مصير كامل. لكن الذي لم يعرفه من قبل هو معنى أن يندم. اقترب منه الندم ببطء. ليس ندماً على خسارته الجنّة، ولا خوفاً من النار. كان شيئاً أكثر قسوةً؛ أن تكتشف، بعد آلاف السنين، أنّك قضيت عمرك كله في الطريق الخطأ.
في تلك الليلة، قرّر الشيطان أن يتوب. خلع عن نفسه كل ما يميّزه، وارتدى هيئة إنسان. ثمّ نزل إلى الأرض. لم يكن يبحث عن رجل دين، ولا عن نبيّ، أو عن ملاك. كان يبحث عن إنسان يمكنه أن يخبره: هل ما زالت هناك فرصة؟
ظلّ يمشي حتى وجد رجلاً يجلس وحده. اقترب منه، وسأله: هل تعرف من أنا؟
نظر الرجل إليه طويلاً، ثم قال: أنت إبليس.
صمت الشيطان، ثم أجاب: نعم.
جلس الشيطان أمامه، لأوّل مرة دون أن يحاول إغواء أحد، وقال: أريد أن أتوب.
ضحك الرجل، ليس سخريةً، وإنما من شدّة غرابة الجملة.
رفع الرجل عينيه إليه، وسأله: وماذا تريد الآن؟
أجاب الشيطان: أريد أن أعرف كيف يكون الإنسان صالحاً.
صمت الرجل، ثمّ قال: ولماذا الآن؟
نظر الشيطان إلى الأرض، وأجاب: لأنني تعبت.
ثمّ سكت قليلاً وأضاف: تعبت من أن أكون الشرّ في كل حكاية.
كان الرجل يعرف أنّ الرحمة باب مفتوح. لكن شيئاً آخر كان يخيفه، فقال: وماذا لو غفر الله لك؟
ابتسم الشيطان بحزن: هل تعتقد أنه سيفعل؟
ثمّ رفع رأسه وقال: لكنني أريد أن أحاول.
سأله الرجل: ولماذا جئت إليّ؟
أجاب: لأنني لا أستطيع أن أذهب إلى الله وحدي.
كانت تلك الجملة هي التي هزّت الرجل، لكنه لم يعطِه الإجابة التي جاء يبحث عنها. قال له: ربما تكون مشكلتك أنك ما زلت تبحث عن وسيط بينك وبين الله.
نظر إليه الشيطان: وماذا أفعل إذاً؟
ابتلع الرجل ريقه وقال: قل له إنّك ندمت.
صمت الشيطان طويلاً. لأول مرة منذ بداية العالم لم يكن يعرف ماذا يفعل، ومضى مشياً إلى سبيله.
في الطريق، كان سؤال واحد يطارده: هل يمكن لمن قضى عمره كله في الشرّ أن يصبح صالحاً؟
ربما كان السؤال الحقيقي مختلفاً تماماً: هل نؤمن فعلاً بأنّ باب التوبة مفتوح للجميع، أم أننا نحب فكرة الرحمة ما دامت موجهةً إلى الآخرين؟
تخيّلت الشيطان يصل إلى السماء. لا أعرف ماذا حدث بعد ذلك؛ ربما قُبلت توبته، وربما لا. وربما كانت الحكاية كلها مجرد خيال مراهق جلس ذات ليلة يحاول أن يفهم معنى الخير والشرّ.
لكنني، منذ ذلك الوقت، لم أعد أنظر إلى الشيطان باعتباره مجرد كائن يريد إفساد البشر. صرت أراه، في خيالي، كأقدم شخصية عالقة في خطئها. كائن قال "لا" مرةً واحدةً، ثمّ قضى عمره كله يدفع ثمن تلك الـ"لا".
هنا بدأت أفكر فينا نحن: كم واحداً منّا ارتكب خطأً في لحظة غضب، أو خوف، أو غرور، ثمّ عاش بقية عمره محكوماً بتلك اللحظة؟ كم شخصاً قرّرنا نحن أنه سيئ، ثمّ لم نسمح له أبداً بأن يصبح شخصاً آخر؟ وكم مرةً قلنا لأنفسنا: أنا هكذا. وكأنّ الإنسان لا يملك حق إعادة كتابة نفسه. ربما لهذا ظلّ سؤال الشيطان يطاردني حتى الآن. ليس لأنني أريد أن أعرف هل يمكن لإبليس أن يتوب. ولكن لأنني كنت، وأنا مراهق، أحاول أن أفهم شيئاً أكبر: إذا كان باب الرحمة لا يُغلق، فلماذا نغلقه نحن في وجه بعضنا؟
Loading ads...
ربما لهذا أيضاً، كلما رأيت شخصاً يحاول أن يتغير، أتذكر تلك الحكاية القديمة التي اخترعتها في رأسي. أتخيّل الشيطان واقفاً أمام باب الرحمة، للمرة الأولى دون أن يريد شيئاً من أحد. فقط يطرق وينتظر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






