2 أيام
بين كساندرا و"تملّي معاك"... كيف صنعت المسلسلات والأغاني ذاكرة عربية مشتركة؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

قُل لشخص من جيل الثمانينات أو التسعينات: "كساندرا الغجرية" وراقب ابتسامته، ثم قُل: "ماريا مرسيدس"، أو "رأفت الهجان"، "يوميات جميل وهناء"، أو "لن أعيش في جلباب أبي". شغل أغنية قديمة لمحمد فؤاد، إيهاب توفيق، عمرو دياب أو فضل شاكر، واترك الباقي للذاكرة.
قد لا أعرف هذا الشخص. ربما لم نعش في البلد نفسه، ولم نذهب إلى المدرسة نفسها، ولم نلتقِ يوماً. ومع ذلك، يستطيع اسمٌ واحدٌ أن يعيد كلاً منّا إلى مكان يشبه الآخر: صالون بيت قديم، تلفزيون كبير في الزاوية، وعائلة تنتظر أن تبدأ الحلقة.
تختلف المدن واللهجات والبيوت، لكن المشهد يبدو مألوفاً على نحو يكاد أن يكون حميمياً، كأنّ جيلاً عربياً كاملاً كبُر في بيوت مختلفة، لكنه احتفظ في ذاكرته بالصالون ذاته وبالكاسيت نفسه.
ربما هذه إحدى خصوصيات أبناء الثمانينيات والتسعينيات. لم نكبر فقط قبل الهواتف الذكية والمنصات والخوارزميات، كبرنا في زمن كانت فيه الثقافة الشعبية تعبر الحدود بهدوء، وتدخل ملايين البيوت، وتترك الذكريات نفسها بأشكال مختلفة.
عرفنا "كساندرا" و"ماريا ابنة الحي"، وانتظرنا عبد الغفور البرعي في "لن أعيش في جلباب أبي"، وغنينا "فاكرك يا ناسيني" مع محمد فؤاد، ورقصنا على "حبيبي يا نور العين" مع عمرو دياب، ومشينا في "سكة العاشقين" مع مصطفى قمر. لم يكن أحد بحاجة إلى أن يصبح "ترند" لساعات كي يعرفه الجميع. كانت الشاشة أصغر، لكن العالم حولها كان أوسع.
كان هناك تلفزيون واحد في معظم البيوت، وعندما تبدأ الحلقة، تبدأ للجميع. تُرفع الصحون، يُصبّ الشاي، ويأتي صوت من الصالون: "بسرعة... بلّش!"، فنأتي، وإذا فاتتنا الحلقة، وجدنا في الصباح من يحكي لنا ما حدث.
لم يكن واحدنا يعرف الآخر، لكننا كنا نمتلك ما يكفي من الذكريات المشتركة كي نشعر، بعد سنوات، أننا التقينا بطريقة ما.
اليوم قد يجلس أربعة أشخاص في البيت نفسه وكلّ واحد يعيش في عالم مختلف: مسلسل على منصة، فيديو على "تيك توك"، قائمة موسيقية صنعتها خوارزمية تعرف ما يحب الشخص قبل أن يختاره، وعالم كامل مصمم على قياس ذوقه.
أصبح لدينا وصول إلى ثقافات أكثر من أي جيل سبقنا، لكن من الصعب أن تتخيل عملاً واحداً يمرّ بالبساطة نفسها من ملايين البيوت العربية ويستقرّ في ذاكرتها.
ربحنا عوالم لا نهائية، لكننا ربما خسرنا شيئاً من العالم المشترك لم نكن نعرف قيمته: أن ينتظر ملايين الأشخاص الحلقة نفسها، وأن يعرفوا الأغنية نفسها، وأن يضحكوا أو يبكوا، في الليلة ذاتها، على المشهد ذاته. صرنا نمتلك العالم كلّه على شاشاتنا، لكن لم نعد نملك الشاشة نفسها.
أما الأغاني، فاحتفظت بشيء أكثر حميمية. فعندما أسمع اليوم أغنية قديمة لمحمد فؤاد، لا أتذكر اسم الألبوم ولا سنة صدورها. أتذكر مقعداً، حافلة مدرسة، حقائب فوق بعضها وأكياس رقائق بطاطا مفتوحة، ونافذة لا تُغلق جيداً، وشخصاً في الخلف يطلب من السائق أن يرفع الصوت. تبدأ الأغنية، فترتفع الأصوات دفعة واحدة. لم نكن نعرف أننا نصنع ذاكرة. كنّا نغني فقط. لا أحد يصوّر. لا أحد يُفكّر كيف سيبدو المشهد في إنستغرام. لا أحد يعرف أنّ هذه الرحلة العادية ستصبح بعد عشرين أو ثلاثين عاماً شيئاً سنتمنى لو امتلكنا منه دقيقة إضافية.
كبرنا قليلاً. تحوّلت حافلة المدرسة إلى رحلة جامعة، والسيارة العائلية إلى سيارة شخصية أو سيارة صديق، والطريق إلى المدرسة إلى طريق نحو البحر. وصارت للأغاني وجوه: أول حب، أول خيبة، صديق كنا نظن أننا سنراه كلّ يوم إلى الأبد، وضحكات نسينا أسبابها ولم ننسَ أصحابها.
كنّا نظنّ أننا نحفظ الأغاني. لم نكن نعرف أن الأغاني كانت تحفظنا! ولعلّ ذلك ليس مجرّد مبالغة عاطفية، فحتى بعض الأبحاث أظهرت أنّ الموسيقى تستطيع استدعاء ذكريات شخصية مرتبطة بأحداث وأشخاص وسياقات من حياة المُستمع. كأننا لا نُخزّن اللحن وحده، بل نُخزّن معه الطريق والوجوه والشخص الذي كنّاه حين سمعناه، فبعض الأغاني لا تُعيد إلينا الماضي، بل تُعيد إلينا العُمر الذي تركناه داخلها.
وهنا تلتقي ذاكرتي الصغيرة بذاكرة جيل كامل. والأغنية التي تعيدني إلى حافلة مدرستي قد تُعيد شخصاً في دمشق، أو القاهرة، أو عمّان، أو الخليج إلى حافلة أخرى. "كساندرا" التي تفتح باب بيت طفولتي تستطيع، بالاسم نفسه أن تفتح آلاف الأبواب.
لكلّ منا حكايته، لكن نحن جيل الثمانينيات والتسعينيات عشنا جزءاً من حكاياتنا على الموسيقى التصويرية نفسها. كنّا غرباء، لكن ذاكرتنا كانت تعرف بعضها.
وربما لهذا يستطيع اثنان من جيلنا أن يلتقيا للمرة الأولى، ثم تكفي أغنية أو شارة مسلسل كي يسقط بينهما ثلاثون عاماً من المسافة. يشعران أنّ أحدهما يعرف شيئاً عن الآخر. لم يجلسا في الصالون نفسه، لكنهما انتظرا الحلقة نفسها. لم يركبا حافلة المدرسة ذاتها، لكنهما غنّيا الأغاني نفسها.
نحن جيل كانت لنا، من دون أن نعرف، ذاكرة عربية مشتركة.
نحن جيل لم تجمعه مدينة واحدة ولا طفولة واحدة، ومع ذلك لدينا أشياء نتذكرها كأننا كبرنا معاً، ولا يعني ذلك أن أيامنا كانت أجمل. لم تكن كذلك دائماً. كنا نملّ وننتظر ونتمنى أن نكبر بسرعة. وقد كبرنا. أمضينا طفولتنا ننتظر الحياة التي نعيشها الآن، ثم أمضينا جزءاً من هذه الحياة نشتاق إلى الأيام التي كنا ننتظر فيها أن تبدأ.
ولعلّ هذا ما يجعل النوستالجيا التي تستحضرها الموسيقى غريبة إلى هذا الحدّ، فهي لا توقظ الذكرى وحدها، بل ترتبط، وفق الأبحاث، بالشعور بالترابط الاجتماعي والمعنى واستمرارية الحياة، كأنّ أغنية قديمة تستطيع أن تمدّ خيطاً خفياً بين الشخص الذي كنّاه والشخص الذي أصبحناه.
ولهذا، عندما أسمع أغنية قديمة، لا أريد العودة إلى التسعينات فعلاً، بل أريد شيئاً أكثر استحالة. أريد أن أدخل ذلك البيت مرة أخرى. أن أرى التلفزيون في مكانه القديم، وأسمع صوتاً من المطبخ، وأجد أخوتي في الغرفة المجاورة. أن أرى أبي وأمي كما كانا، قبل أن أعرف أنّ الأمهات والآباء أيضاً يكبرون، وأنّ البيوت تتغيّر، وأنّ الأشخاص الذين نراهم كل يوم قد يصبحون يوماً أشخاصاً نشتاق إليهم.
ربما لا نشتاق إلى طفولتنا لأننا كنا أصغر، نشتاق إليها لأن كل الذين نحبهم كانوا أصغر أيضاً.
أريد أن أركب حافلة المدرسة وأجلس في مقعدي القديم. أن تبدأ الأغنية فيغنّي الجميع. ولا أريد أن أخبرهم أننا سنفترق، وأنّ بعضنا سيعيش بعيداً، وأنّ هذه الرحلة العادية ستصبح يوماً شيئاً نتمنى لو امتلكنا منه دقيقة إضافية.
كبرنا ونحن نظن أن أجمل ما في الطريق هو الوصول. احتجنا سنوات لنعرف أن بعض أجمل ما عشناه كان الطريق نفسه. أريد فقط أن أجلس معهم وأغنّي، فالنوستالجيا ليست دائماً رغبة في العودة إلى زمن مضى. أحياناً هي رغبة في زيارة الأشخاص الذين تركناهم هناك.
وربما هذه هي الحكاية الأجمل عن جيل الثمانينات والتسعينات. لكلّ منا بيت وحافلة ومدينة مختلفة، لكن أغنية واحدة تستطيع أن تجمع كل تلك الطرق، واسم مسلسل واحد يستطيع أن يضيء آلاف الصالونات في اللحظة نفسها.
Loading ads...
ربما نحن آخر جيل عربي لا يحتاج أفراده إلى أن يعرفوا بعضهم بعضاً كي يتذكروا معاً. يكفي أن تُشغّل لنا "تملّي معاك". تنتهي الأغنية، وأعود إلى حياتي وسيبقى البيت في مكان ما من الذاكرة، كما كان: التلفزيون مضاء، الأهل أصغر، الجميع ما زالوا هناك، وصوت يأتي من الصالون: "يلّا... بلّش المسلسل".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





