42 دقائق
الحرب حوّلت بعض طلاب لبنان إلى ضحايا... في الرابع ابتدائي ولا يجيدون القراءة! - رصيف22
الخميس، 29 أكتوبر 2026

كانت رييا، البالغة من العمر 11 عاماً، تذهب إلى مدرستها في حارة صخر في جونية خمسة أيام في الأسبوع، فيما كانت حرب عام 2026 تُسمع من حولها أكثر مما تُرى.
كانت أصوات الطائرات والغارات على بيروت تصل إلى منطقتها، حيث امتلأت الفنادق بعائلات نازحة من مناطق الحرب. لكن ذلك لم يمنعها من متابعة دروسها بشكل شبه طبيعي. تتذكّر ذلك اليوم الذي سقطت فيه شظايا صاروخ اعتراضي فوق منزلها في ساحل علما، وحالة الرعب التي عاشتها. لكنها عادت إلى المدرسة في اليوم التالي، حيث تلقّت مع زملائها تدريباً على كيفية التصرف في مثل هذه الحالات.
تختلط مشاعر هذه الطفلة بين الامتنان لكونها أنهت عامها الدراسي بشكل سليم، وبين الحزن على الأطفال الذين لم يتمكّنوا من الجلوس على مقاعد الدراسة بسبب الحرب، كما تقول في حديثها إلى رصيف22. فهي تدرك أنّ التعليم من بُعد ليس بديلاً مكتملاً عن المدرسة، لأنّ وجود المعلمة والزملاء والتفاعل داخل الصف جزء أساسي من التعلّم.
أما ساجد، ابن السابعة عشرة، فعاش تجربةً أكثر اضطراباً. يستذكر في حديثه إلى رصيف22، لحظات النزوح الأولى من الضاحية الجنوبية في آذار/ مارس 2026، حين ترك كتبه خلفه وانتقل مع عائلته إلى بيت في الجبل.
يعدّد ساجد صعوبات العام الدراسي الفائت، من التعليم من بُعد، مروراً بالإنترنت المتقطع، وصولاً إلى المنهج غير المكتمل والدوام غير الثابت. فالطفل الذي يرى أنّ الظلم لحق بتلامذة لبنان منذ جائحة كورونا، وجد أنّ الحرب الأخيرة دخلت أيضاً في تفاصيل حياته، وشتّتت تركيزه بين السعي إلى الوصول إلى الإنترنت من جهة، والتفكير في أقاربه الموجودين تحت الخطر من جهة أخرى. برغم ذلك، نجح في النهاية.
في بلد واحد، يتقاسم طفلان تجارب تعليميةً مختلفةً بفعل الجغرافيا والظروف الاجتماعية. الظلم الذي تحدّث عنه ساجد يطرح السؤال حول ما يراكمه قطاع التعليم من تفاوت في ما يتعلمه الطلاب، وفي قدرتهم على مواصلة تعليمهم.
ما عاشته رييا وساجد لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تعود إلى ما قبل حربَي إسرائيل على لبنان في 2023 و2026. فالقطاع التعليمي دفع ثمن الأزمات المتتالية التي خسر فيها طلاب القطاع الرسمي بشكل أساسي نحو 600 يوم تعليمي خلال السنوات الست التي سبقت الحرب، وفقاً لمديرة مركز الدراسات اللبنانية د. مها شعيب، مع احتساب فترات التعليم من بُعد ضمن الأيام التعليمية الفعلية، بمعزل عن نوعيتها ومدى فعاليتها، والتي لم تتعدَّ، بحسبها، 15%.
بدأت الأزمة، وفق ما تقول شعيب في حديثها إلى رصيف22، منذ الـ2016 مع تقليص أيام التعليم وحذف جزء من المناهج، في ظلّ مساعٍ لخفض النفقات. وكان وزير التربية آنذاك، الياس بو صعب، قد نفى حصول تقليص في الأيام التعليمية، موضحاً أنّ الهدف كان إراحة الأساتذة والتلاميذ، وأنّ الأيام المتاحة فعلياً لتنفيذ المناهج لا تتعدّى 140 يوماً، فيما صُمّمت المناهج لتوزيعها على 170 يوماً.
بعد ثلاثة أعوام تقريباً، بدأت الأزمة المالية وتبعتها انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، فالانهيار المالي، ما تسبّب في انهيار قيمة رواتب القطاع العام ومعه القدرة الشرائية للأساتذة، مما أدى إلى انتقال عدد من الطلاب في التعليم الخاص إلى الرسمي نتيجة ارتفاع كلفة الأقساط، ليجدوا أنفسهم في قطاع يعاني بدوره من اضطرابات متكررة.
أصابت الأزمة المالية الأساتذة والطلاب على حدّ سواء. يقول رئيس رابطة التعليم الأساسي في لبنان حسين جواد، في حديثه إلى رصيف22، إنّ ما حصّله الأساتذة مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، نتيجة سنوات من النضال، زال بشحطة قلم نتيجة الانهيار المالي منذ عام 2019، ولم يعد بدل النقل يغطّي كلفة انتقال المعلم إلى المدرسة.
في النتيجة، وفي ظلّ تعذّر تحسين الرواتب وزيادة التضخم وتراجع الأحوال المادية للمعلمين، انعكس الأمر على الطلاب عبر تقليص أيام التدريس إلى أربعة أيام، وهو ما أدّى بطبيعة الحال إلى تراجع مستوى التدريس وأحدث فاقداً تعليمياً، يفيد جواد بأننا قد نحتاج إلى أكثر من عام تدريس كامل لتعويضه.
وبينما كان نظام التعليم في لبنان يعمل على التعافي من سنوات من الاضطرابات، بحسب اليونيسف، اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان في الـ2023 ومن ثم في الـ2026، ودخلت الأزمة مرحلةً أكثر تعقيداً بسبب نزوح أعداد كبيرة من الأطفال وانقطاعهم عن التعليم وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء، بالرغم من رفض وزيرة التربية ريما كرامة هذا الأمر بحسب شعيب.
مع تراكم هذه الأزمات، اتسعت الفجوة التعليمية. وتضيف منظمة اليونيسف إلى ما سبق أزمة اللاجئين السوريين وذلك ردّاً على مجموعة من الأسئلة المرتبطة بأزمة التعليم في لبنان، طرحناها عليها في رصيف22.
كما تفيد اليونيسف بأنّ أزمة النازحين كانت جزءاً من الضغوط المتواصلة على نظام التعليم في لبنان، والذي بات ضحية الوضع الاقتصادي. فبالنسبة إلى الأسر الأكثر ضعفاً، أثّرت تكاليف النقل والمواد المدرسية وغيرها من النفقات المرتبطة بالتعليم بشكل متزايد على قدرة الأطفال على الالتحاق بالتعليم والاستمرار فيه، كما ظلّت معدلات عدم الالتحاق بالمدرسة مرتفعةً، ولا سيّما بين الأطفال السوريين المقيمين في لبنان، إذ يُقدّر أنّ نحو 60% من الأطفال السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و18 عاماً كانوا خارج المدرسة.
في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بدأت المواجهات في جنوب لبنان، لتضيف بُعداً جغرافياً جديداً إلى أزمة التعليم القائمة أصلاً. أدى إغلاق المدارس والنزوح في المناطق المتضررة إلى تعرّض الأطفال في الجنوب لاضطراب إضافي مقارنةً بالأطفال في المناطق التي تمكّنت فيها المدارس من العمل بصورة أكثر انتظاماً.
ومع استمرار الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد لبنان، أُغلقت بحلول نيسان/ أبريل 2024، أكثر من 70 مدرسةً في جنوب لبنان، ما أثّر على نحو 20 ألف طالب، فيما اختلفت مدة الإغلاق من مدرسة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، تبعاً لتطور الوضع الأمني، بحسب اليونيسف أيضاً.
ومع إغلاق المدارس، وجد أكثر من 10 آلاف طفل نازح في الجنوب والنبطية أنفسهم خارج مناطقهم الأصلية، فسُجّلوا في المدارس الرسمية والخاصة القريبة من أماكن إقامتهم. كما دعمت اليونيسف تكاليف النقل للأطفال النازحين لتسهيل إعادة تسجيلهم وتمكينهم من الوصول إلى المدرسة ومتابعة تعليمهم.
وأُنشئت مراكز للتعلّم الرقمي في مراكز "مكاني" في النبطية وصور لدعم استمرارية التعلّم من بُعد. كما أنشأت اليونيسف، بالتنسيق مع الوزارة، مراكز للتعلّم الرقمي في مواقع أكثر أماناً وسهولةً للوصول إليها في الجنوب، أتاحت للطلاب الذين أُغلقت مدارسهم في المجتمعات المحيطة مواصلة تعلّمهم من خلال توفير مساحة آمنة للوصول إلى منصات وموارد التعلّم الرقمي.
لكن لا تتوافر بيانات واضحة حتى اللحظة حول عدد أيام التدريس التي فُقدت خلال هذه الفترة، كما لا تتوافر بيانات دقيقة حول معدلات الحضور. وتشير الأدلة، في المقابل، إلى تعطّل الوصول إلى التعليم نتيجة الأوضاع الأمنية وحركة النزوح، بحسب اليونيسف.
صحيح أنّ الوزارة سهّلت بدعم من اليونيسف وشركاء التعليم، تسجيل الأطفال النازحين في المدارس الأقرب إلى أماكن إقامتهم، واستخدام التعلّم من بُعد عند تعذّر التعليم الحضوري، للحفاظ على استمرارية التعلّم، لكن ذلك لم يكن وحده كافياً.
تقول اليونيسف إنه لا يمكن للتعلّم من بُعد أن يحلّ بالكامل محل التعليم الحضوري الآمن والمنتظم، ولا سيّما بالنسبة إلى الأطفال الذين يواجهون محدوديةً في الوصول إلى الإنترنت أو الأجهزة الإلكترونية أو توافر بيئة مناسبة للتعلّم. ولذلك، لا يقتصر قلق المنظمة على عدد أيام الدراسة التي فُقدت، بل يشمل أيضاً خطر أن تؤدّي الاضطرابات المتكررة وغير المتكافئة إلى توسيع أوجه عدم المساواة القائمة بين الأطفال.
كان شهر أيلول/ سبتمبر من العام 2024، "الأكثر دمويةً" على لبنان، إذ شهد في يومه الثالث والعشرين موجة تصعيد إسرائيلية وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأعنف منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023. هذا التصعيد فرض ضغوطاً هائلةً على نظام التعليم في لبنان، مع نزوح عشرات الآلاف من العائلات من جنوب لبنان، وتحويل مئات المدارس إلى مراكز إيواء جماعية، وتأخّر إعادة فتح المدارس إلى 4 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه لدوام قبل الظهر و25 منه لدوام بعد الظهر.
فاقمت هذه العوامل أزمة التعليم التي كانت موجودةً أصلاً، إذ قدّر قطاع التعليم أنّ 300 ألف طفل كانوا بحاجة إلى دعم للوصول إلى التعليم مع بداية التصعيد، وقدّرت اليونيسف في العام الدراسي 2024/ 2025 أنّ نحو 62% من الأطفال غير اللبنانيين، و10% من الأطفال اللبنانيين، خارج التعليم لكن من دون أن تأخذ هذه الأرقام في الاعتبار الاضطرابات الناتجة عن الحرب الإسرائيلية على لبنان.
أما بالنسبة إلى الضرر الذي لحق بالصروح التربوية الرسمية، فتقول بيانات اليونيسف التي حصل عليها رصيف22، إنّ السلطات اللبنانية افتتحت أكثر من 800 مركز إيواء في ذروة التصعيد الإسرائيلي، كان معظمها في المدارس الرسمية، كما تعرّضت نحو 500 مدرسة كانت تُستخدم سابقاً كمراكز إيواء جماعية لأضرار طفيفة.
لكن بعد تأجيل بدء العام الدراسي وتعليق الدروس مؤقتاً على المستوى الوطني، أُعيد فتح أكثر من 805 مدارس من أصل 1،126 مدرسةً رسميةً في لبنان في المناطق التي سمحت فيها الظروف بالتعليم الحضوري بحلول نهاية عام 2024، فيما بقي عدد كبير من الطلاب خارج مدارسهم بسبب تضرّرها كلياً أو جزئياً.
وتشير أرقام اليونيسف إلى أنّ عدد المدارس التي تضرّرت جرّاء الحرب الإسرائيلية على لبنان في الـ2024 بلغ 325، وأظهرت التقييمات التي أجرتها المنظمة ووزارة التربية والتعليم العالي أنّ ما لا يقلّ عن 11 مدرسةً دُمّرت بالكامل، وتسع مدارس دُمّرت جزئياً، فيما تعرّضت أكثر من 100 مدرسة لأضرار متوسطة إلى جسيمة، وقد تعذّر تأهيل وبناء عدد كبير من المدارس بسبب تجدّد الحرب الإسرائيلية في الـ2025/ 2026.
أعاقت الأضرار المادية الضخمة وصول جزء كبير من طلاب لبنان إلى حقهم في التعلم، برغم تكييف أساليب التعليم في ظلّ إغلاق المدارس أو استخدامها كمراكز إيواء. اعتمدت الوزارة مجموعةً من التدابير التي تتيح للأطفال مواصلة تعلّمهم في ظلّ الظروف الطارئة، شملت اعتماد Hub Schools لتسجيل الطلاب النازحين في مدارس رسمية قريبة من أماكن نزوحهم، وتنظيم الدوام المدرسي على فترات متعددة، وتوفير خيارات للتعلّم المدمج، بجانب توزيع المواد التعليمية والكتب المدرسية، والاستفادة من منصة "مدرستي" الرقمية، وإنشاء مراكز رقمية متصلة بالإنترنت ومراكز للتعلّم لدعم وصول الأطفال إلى فرص التعلّم واستمراره.
لكن برغم ذلك، بقي جزء كبير من الطلاب غير قادر على الوصول إلى التعليم. فتجربة التعليم أونلاين، بحسب رئيس رابطة التعليم الأساسي في لبنان حسين جواد، كارثية لأنّ أدواته غير متوافرة بشكل مستدام، من الإنترنت إلى الكهرباء والأجهزة الإلكترونية، لافتاً إلى أنّ الحرب الإسرائيلية لم تترك آثارها على طلاب الجنوب فقط، إذ إنّ مدارس في الضاحية وبيروت والجبل تحوّلت بدورها إلى مراكز نزوح.
أما بالنسبة لليونيسف، فلم يقتصر القلق على إمكانية استمرار التعلّم من الناحية التقنية، بل شمل أيضاً ما يعنيه النزوح المتكرر والعنف والاضطراب بالنسبة إلى تعلّم الأطفال ورفاههم وحمايتهم. فالتعليم في حالات الطوارئ هو أيضاً استجابة للحماية، إذ توفّر المدارس للأطفال الشعور بالاستقرار والروتين والتفاعل مع أقرانهم، فضلاً عن التشبيك مع الخدمات الأساسية الأخرى.
في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، تم التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، ترافق مع عودة تدريجية إلى القرى الحدودية. يومها، ظنّ القطاع التعليمي أنه سيلتقط أنفاسه، لكن الحرب الإسرائيلية على لبنان التي استعرت في آذار/ مارس 2026، أي بعد أشهر معدودة على بدء العام الدراسي، لم تسمح بتحقق التعافي.
التقييم السريع الذي يركّز على الأطفال لعام 2026، أظهر أنّ 29% من الأطفال الذين واصلوا الالتحاق بالتعليم لم يتمكنوا من التعلّم بصورة كاملة، وغالباً بسبب صعوبة التركيز والضغوط النفسية، بحسب اليونيسف. وأفادت 76% من الأسر بأنّ تلبية احتياجات أطفالها التعليمية أصبحت أكثر صعوبةً. كما أظهر تقييم آخر أنّ اضطرابات التعلّم كانت واسعة الانتشار بين الأطفال في سنّ الدراسة خارج مراكز الإيواء، إذ أفاد 48% من الأسر في الأماكن التي شملها المسح عن اضطرابات شديدة في التعلّم لدى الأطفال.
وتشير شعيب إلى أنّ إحدى الدراسات التي يعمل عليها المركز أظهرت وجود طلاب في الصف الرابع لا يستطيعون القراءة. ولا تقتصر المشكلة على التعليم الرسمي، إذ تُظهر دراسات تُجرى في كليات التربية أنّ بعض طلاب الجامعات لم يحصلوا في مراحل تعليمهم السابقة على التعليم الأساسي المطلوب.
في تقريرها حول تأثير الحرب الإسرائيلية على لبنان على القطاع التربوي في لبنان، فنّدت وزارة التربية خسائر القطاع من كل جوانبها؛ في النصف الأول من العام 2026، تسببت موجة التصعيد واسع النطاق من قبل إسرائيل، في نزوح نحو 1.2 مليون شخص، بينهم قرابة 20% من المتعلمين، فيما انقطع نحو 27% من المتعلمين عن تعليمهم. ومع تحوّل 433 مؤسسةً تعليميةً رسميةً إلى مراكز إيواء، لم تعُد الحرب تهدّد سلامة الأطفال فحسب، بل باتت تهدّد قدرتهم على الوصول إلى التعليم والاستمرار فيه.
كان الأثر مباشراً أيضاً على المجتمع التربوي نفسه. فبحسب بيانات وزارة التربية والتعليم العالي: أفادت 60 مدرسةً بفقدان 86 معلماً ومعلمةً أو إصابتهم نتيجة القصف الإسرائيلي، وهي حصيلة موثّقة تمثّل حدّاً أدنى وليست حصيلةً وطنيةً شاملة. كما نزح نحو 20% من المتعلّمين و12% من المعلّمين، فيما واصل عدد كبير منهم التدريس ودعم المتعلمين برغم نزوحهم.
وبالنسبة إلى الأطفال، أفادت بيانات الوزارة بأنّ استمرار التسجيل في المدرسة لم يكن يعني بالضرورة استمرار التعلّم. فقد شهد نحو 27% من المتعلمين على المستوى الوطني انقطاعاً في تعليمهم، وواجه نحو 200 ألف متعلم في المناطق المتأثرة بالحرب صعوبات كبيرةً في متابعة تعليمهم، فيما لم يتمكن قرابة 100 ألف من العودة إلى مدارسهم بسبب الأضرار أو الدمار أو انعدام الأمن أو النزوح. وحتى حين استمرّ التعليم، واجه كثيرون نقصاً في الأجهزة والإنترنت والدعم المنتظم.
وتضرّرت البنية التعليمية نفسها على نطاق واسع. فمن أصل 1،089 منشأةً جرى تقييمها في المناطق التي أمكن الوصول إليها، بحسب بيانات الوزارة، تأثرت 436 منشأةً، أي نحو 40%، بهجوم واحد على الأقل منذ 2 آذار/ مارس 2026، وصُنّفت 101 منها ضمن الأضرار الشديدة أو الدمار. وتركزت الأضرار بصورة خاصة في الجنوب والنبطية، حيث سُجّل في المحافظتين معاً تضرّر 286 منشأةً تربويةً.
لكن الخسارة لم تقتصر على الصفوف والمباني. فالحرب الإسرائيلية على لبنان تركت أثراً على حماية الأطفال ورفاههم، كما طالت بصورة خاصة المتعلمين ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة، إذ نزح نحو 26% منهم، ما حرم كثيرين من خدمات العلاج والأجهزة المساعدة والنقل والدعم المتخصص. وضمن بيانات حماية التلميذ المسجلة لدى الوزارة، شكّلت حالات إيذاء النفس ومحاولات الانتحار 5.9% من حالات العنف المبلغ عنها، والأفكار الانتحارية 3.7%.
عن هذه المعاناة تقول مديرة مدرسة صريفا المتوسطة الرسمية الواقعة في جنوب لبنان، سميرة نجدي، في حديثها إلى رصيف22، إنّ التعلّم online كان الأصعب بسبب تعذّر وصول بعض الطلاب إلى الإنترنت أو حتى إلى هاتف. وتضيف أنّ "معظم الطلاب كانوا محرومين من التعليم وغير مستعدين نفسياً للتعلّم، حتى إنّ بعضهم كان يرفض تناول الطعام، وبعضهم قال لنا: 'أنا راح بيتي، ليش بدّي أدرس؟ أنا بدّي اشتغل'. لذلك كنّا أحياناً نفتح الفيديو وZoom مع الأطفال، ليس فقط للتعليم، بل لمساعدتهم على الخروج من الأزمة، ونقول لهم: 'رح نرجع عالمدرسة'".
وللحفاظ على صلة الأطفال بالتعليم، لجأت الوزارة إلى التعليم الحضوري ومن بُعد والتعليم المدمج، مستفيدةً من Microsoft Teams ومنصة "مدرستي" ومحتوى المركز التربوي للبحوث والإنماء. كما أُنشئت مدارس محورية جمعت في مكان واحد الدعم الأكاديمي والنفسي والاجتماعي وخدمات التعليم الدامج. وفي موازاة ذلك، واصل 195 اختصاصياً تقديم الدعم بصورة حضورية أو مدمجة، فيما قدّم 123 اختصاصياً الدعم عبر الإنترنت، بينهم نحو 90 اختصاصياً نازحاً.
اليوم، مع انطلاق العام الدراسي الجديد، تنتقل الاستجابة من محاولة إبقاء التعليم قائماً إلى معالجة ما خلّفته الحربان الإسرائيليتان الأخيرتان على لبنان وما سبقهما من أحداث. تقول مديرة الإرشاد والتوجيه في وزارة التربية، د. هيلدا خوري، إنّ حرب 2026 جاءت في وقت كان فيه النظام التربوي يعالج أصلاً فجوات موثقةً في نواتج التعلم. فقد أظهر التقييم الوطني الذي أجرته وزارة التربية والتعليم العالي والمركز التربوي للبحوث والإنماء خلال 2024-2025 فاقداً في نواتج التعلم في الرياضيات مثلاً يعادل نحو 3.15 سنةً بحلول الصف السادس، فيما لم يكن أكثر من 80% من متعلمي الصف السادس قد أتقنوا القسمة، وواجه نحو 60% منهم صعوبات في الكسور.
ولا يقلل وجود هذه الفجوات السابقة من خطورة الأثر التعليمي لحرب 2026، إذ يمكن لعوامل الحرب أن تؤثر في اكتساب المعارف والمهارات والكفايات، وأن تعمّق الفجوات القائمة أو تؤدي إلى فاقد تعلّمي إضافي.
لذلك تقول خوري لرصيف22، إنّ وزارة التربية والتعليم العالي ستجري تقييماً وطنياً لقياس الفاقد التعلمي وتحديد حجمه وطبيعته والكفايات والمهارات الأكثر تأثراً والفئات التي تحتاج إلى تدخلات أكثر كثافة. وبناءً على نتائجه، ستعمل على تنفيذ برنامج لتعويض ما خسره التلامذة، بالتوازي مع الدعم النفسي والاجتماعي والدعم الإضافي للمتعلمين ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة. ويستند هذا التعافي إلى أنّ معالجة الفاقد التعلمي تتطلب تقييماً مباشراً لنواتج التعلم، ولا تقتصر على تعويض الوقت التعليمي أو استعادة المحتوى الأكاديمي، بل تشمل أيضاً إعادة تهيئة الظروف التي تمكّن المتعلم من التعلّم بفاعلية.
ما تكشفه السنوات الأخيرة هو أنّ التعليم في لبنان لم يعد يواجه أزمات منفصلةً يمكن تجاوز كل منها على حدة، بل مساراً متراكماً يترك أثراً في قدرة النظام نفسه على ضمان الحد الأدنى من تكافؤ الفرص التعليمية. ومع كل انقطاع جديد، لا يخسر الطلاب وقتاً تعليمياً فحسب، بل تتسع الفجوة بين من يملكون القدرة على تعويض ما فاتهم ومن لا يملكونها.
من هنا، فإنّ كلفة الأزمات والحروب الإسرائيلية على لبنان، على التعليم لا تُقاس فقط بما خسرته المدارس خلال الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين، بل بما قد يتركه تراكم هذه الخسائر على مستوى جيل كامل في بلد مفتوح على الأزمات والحروب، واستجابة لا ترتقي إلى حجم الكارثة.
أُنتج هذا التقرير بالشراكة مع مؤسسة سمير قصير، وبدعم من وزارة الخارجية في جمهورية ألمانيا الاتحادية.
Loading ads...
تعبّر الآراء الواردة في هذا التقرير عن رأي الكاتب/ة ورصيف22، ولا تمثّل بالضرورة موقف مؤسسة سمير قصير ووزارة الخارجية في جمهورية ألمانيا الاتحادية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





