في كثير من المؤسسات، لا يُقاس مستوى الخوف بعدد الشكاوى أو الاستقالات، بل بعدد الكلمات التي لم تُقل، والأفكار التي لم تُطرح، والأخطاء التي لم يُعترف بها. فحين يصبح الصمت هو اللغة السائدة داخل بيئة العمل، قد يبدو كل شيء منظمًا ومنضبطًا من الخارج، بينما تتآكل أسس الأداء الحقيقي من الداخل.
في السنوات الأخيرة، تحولت عبارة "ثقافة الأداء" إلى شعار مفضل لدى كثير من الإدارات التنفيذية. لكن خلف هذا الشعار تختبئ رؤيتان مختلفتان تمامًا: الأولى ترى الأداء في تمكين الموظفين وتطوير قدراتهم، والثانية تربطه بالضغط المستمر والخوف والمنافسة القاسية. والسؤال هنا: أيهما يمثل ثقافة الأداء الحقيقية؟
في أذهان كثير من المديرين التنفيذيين، تعني ثقافة الأداء زيادة أعباء العمل، والتركيز "الشرس" على النتائج، وتقييد الأصوات المعارضة، والتخلص من الموظفين الذين لا يُصنفون ضمن "الأفضل".
وغالبًا ما يُقدَّم هذا النهج باعتباره رفضًا للإدارة "الناعمة"، حتى وإن كانت تلك "النعومة" لا تتجاوز إظهار التعاطف بشكل شكلي.
في المقابل، عرّفت شركة الاستشارات العالمية "باين آند كومباني" ثقافة الأداء بأنها البيئة التي يُمكَّن فيها الموظفون، ويُزوَّدون بالموارد اللازمة للنجاح، ويتمتعون بالأمان الكافي للتعلم من أخطائهم وتجربة أفكار جديدة.
فأي التعريفين أقرب إلى الواقع؟ هل ثقافة الأداء هي تلك القائمة على الصرامة والإقصاء، أم تلك التي تقوم على التمكين والثقة؟
كلا الطرفين يستخدم المصطلح نفسه، لكن أحدهما فقط يستند إلى أدلة علمية وبحوث موثقة.
التاريخ يقدم أمثلة واضحة على الفارق. فقد ادعت شركة "إنرون" أنها تمتلك ثقافة أداء عالية، قبل أن يتبين أن المنافسة الداخلية الشرسة دفعت الموظفين إلى اللجوء لأساليب محاسبية مضللة قائمة على أرباح وهمية.
كما رفعت "ويلز فارجو" شعار الأداء المرتفع، قبل أن تكشف التحقيقات أن الجمع بين أهداف شبه مستحيلة والتهديد المستمر بالفصل أدى إلى فتح حسابات مصرفية وهمية دون علم العملاء.
ومن منظور علم النفس التنظيمي، يمكن التمييز بين نوعين مختلفين تمامًا من ثقافة الأداء:
هذا النوع من الثقافة يستثمر في القدرات المعرفية والتحفيزية للإنسان. فقد أظهرت أبحاث العالمة إيمي إدموندسون أن الأمان النفسي يعزز التعلم وتصحيح الأخطاء وتدفق المعلومات بصدق داخل المؤسسات.
كما أثبتت دراسات إدوارد ديسي وريتشارد رايان أن الدوافع الذاتية والاستقلالية تزيد من الابتكار والإبداع. وأظهرت أبحاث كارول دويك أن عقلية الإتقان تشجع التعلم والاستكشاف، بينما تبقى الثقة العنصر الذي يحافظ على تماسك المؤسسات وقدرتها على العمل بفعالية.
لكن بدلًا من تعزيز الأداء، تؤدي هذه البيئة إلى تآكله تدريجيًا، خصوصًا على المدى الطويل.
تؤثر الضغوط المزمنة بشكل مباشر على القشرة الجبهية للدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن الحكم السليم والتفكير المنطقي والإبداع واتخاذ القرارات المعقدة. وبذلك تصبح القدرات العقلية الضرورية للابتكار والعمل الجيد أولى ضحايا ثقافة الخوف.
كما أظهرت دراسة تحليلية شاملة نُشرت عام 2024 أن الخوف يؤدي إلى تراجع الأداء الوظيفي والسلوكيات الإيجابية داخل المؤسسة، بينما يزيد من السلوكيات السلبية مثل الاحتيال والتخريب وإخفاء المعلومات. وهي النتائج ذاتها التي عانت منها شركات كبرى عندما جعلت الخوف جزءًا من منظومتها الإدارية.
كذلك تدفع التقييمات عالية المخاطر الموظفين إلى الحذر بدلًا من التميز. فبدلًا من خوض تحديات جديدة وتطوير مهاراتهم، ينشغل كثيرون بضمان بقائهم الوظيفي وتحسين صورتهم أمام الإدارة. ويصبح الهدف تجنب الخطأ لا تحقيق الإنجاز الحقيقي، والظهور لا إضافة القيمة.
لكن كيف يمكن معرفة ما إذا كانت المؤسسة التي تتحدث باستمرار عن ثقافة الأداء تمتلك بالفعل ثقافة أداء حقيقية؟
الإجابة بسيطة: ابحث عن مؤشرات الإدارة بالخوف، وأنصت إلى الصمت.
فالصمت داخل المؤسسات ليس دائمًا دليلًا على الانسجام، بل قد يكون أكثر الإشارات وضوحًا على وجود الخوف.
وعندما تعاقب المؤسسة الصراحة، وتكافئ التلاعب بالمؤشرات، وتحصر القرار في صوت أو صوتين فقط، وتضعف القدرات الذهنية لموظفيها تحت وطأة الضغوط المستمرة، فإنها لا تبني ثقافة أداء، مهما رفعت من شعارات.
إنها ببساطة ثقافة خوف.
Loading ads...
المصدر: "سايكولوجي توداي"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





