على الرغم من التحسن الهائل الذي اعترى الوضع الأمني في سوريا بشكل عام منذ سقوط نظام الأسد، لم يختف التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة، بل تطور، إذ على مدار سنين، عمل التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة بموجب استراتيجية نجحت في تجريد ذلك التنظيم من الأراضي التي كان يسيطر عليها، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تقض على تنظيم الدولة، بل ضمنت بقاء التنظيم في بعض مناحيها.
والآن، وفي ظل التحديات الكثيرة التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، عاد ملف تنظيم الدولة إلى الواجهة ليمثل حالة طارئة عاجلة، ولتحسين فرص النجاح، تحتاج سوريا لمساعدة عسكرية مباشرة من دولة مسلمة، مثل تركيا أو السعودية، ضمن التحالف الدولي.
فشل التحالف الدولي
قبل انهيار النظام البائد، نجح التحالف الدولي في إنهاء سيطرة تنظيم الدولة على مناطق شاسعة، إلا أن ما حدث بعد ذلك أتى على شكل ترتيبات مرتجلة قصيرة الأمد منعت تنظيم الدولة من استعادة سيطرته على تلك الأراضي، لكنها فشلت في تفكيكه.
أما الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذا النهج فقد كان الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب، إذ في الوقت الذي كان لقسد مصلحة واضحة في محاربة تنظيم الدولة، فإنها استفادت سياسياً أيضاً من استمرار وجود هذا التنظيم، أي أن تنظيم الدولة أضحى بالنسبة لقسد المصدر الأساسي للشرعية الدولية، كما أصبح قناته الرئيسة التي يحصل من خلالها على دعم عسكري ومالي من أميركا بصورة مستمرة. ومن هذا المنظور، فإن الإبقاء على تنظيم الدولة ضعيفاً، من دون القضاء عليه نهائياً، يصب في المصالح الاستراتيجية لقسد.
تجلى ثاني أكبر فشل على هذا الصعيد في التعامل مع المخيمات التي تؤوي عائلات تنظيم الدولة، إذ على مدار سنين، لم تخرج الولايات المتحدة ولا قسد بحل قانوني أو سياسي شامل بالنسبة لهؤلاء الناس، ثم إن معظم القاطنين في تلك المخيمات يحملون الجنسية السورية، ويأتي بعدهم العراقيون وغيرهم من حملة الجنسيات الأجنبية الأخرى. وعلى الرغم من تنفيذ بعض عمليات الإجلاء إلى العراق وإلى دول ثالثة، لم تكن تلك الحلول مجدية.
وتأتي تلك المسؤولية في لحظة انتقالية هشة، إذ بخلاف قسد، لم تحصل الحكومة السورية على مليارات الدولارات من التمويل الأميركي، أو على دعم عسكري مستمر من أميركا، بل صار من واجب دمشق تمويل عمليات محاربة الإرهاب من ميزانية محدودة مرهقة بالأصل بسبب متطلبات إعادة الإعمار.
على الصعيد العملي، تحولت عدة مخيمات إلى حواضن للتطرف بحكم الأمر الواقع، حيث مارست شبكات تنظيم الدولة نفوذها داخل تلك المخيمات، وأخذت تلقن الأطفال عقيدة تنظيم الدولة بما يرفده بجيل جديد من المقاتلين. أما على الصعيد القانوني، فقد كان الوضع إشكالياً هنا أيضاً، إذ احتجز معظم قاطني تلك المخيمات من دون أن توجه لهم أي تهمة رسمياً، ومن دون أن يخضعوا لإجراءات قضائية شفافة، كما لم يكن هنالك أي شيء واضح حيال ضلوعهم كأفراد في أي عمل إجرامي. وبمرور الوقت، أطلقت قسد سراح العديد من المحتجزين، أو أنهم هربوا في ظل عمليات الانسحاب التي افتقرت إلى التنسيق.
في وقت سابق، بررت واشنطن تعاملها المحدود مع دمشق معللة ذلك بالعقوبات وعدم ثقتها بنظام الأسد، ولكن بعد تشكيل حكومة جديدة، ورفع العقوبات، لم تقدم سوى القليل لمعالجة المشكلات البنيوية في المخيمات والسجون، كما لم تتخذ أي إجراء مفيد إلا عند اقتراب الاقتتال من مقار الاحتجاز.
وما يثير القلق على وجه الخصوص في هذا السياق هو نقل أعداد كبيرة من المحتجزين إلى العراق، ومعظمهم مواطنون سوريون، مع أن تجربة مخيم بوكا في العراق، حيث تأسست شبكات القيادة التابعة لتنظيم الدولة تحت نظر السلطات الأميركية والعراقية، تمثل تحذيراً صارخاً في هذا المضمار، ولذلك يتعين على سوريا إعادة مواطنيها إلى أراضيها في أسرع وقت ممكن.
العبء على عاتق دمشق الآن
تغير المشهد، بعد أن أصبح مخيم الهول سيء الصيت تحت سيطرة الحكومة السورية، إلى جانب هروب أو تفرق معظم من كانوا يسكنونه، لذا فإن المسؤولية المتمثلة باحتواء تنظيم الدولة والقضاء عليه تترتب بصورة أساسية على دمشق اليوم.
والأهم من ذلك تغير طبيعة التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة، إذ يبدو التنظيم كمن خسر جلّ قاعدة الدعم الواسعة في الداخل السوري عقب انهيار النظام، ما يؤكد الجدل القديم حول قمع النظام البائد والذي اعتبر دافعاً رئيسياً للتطرف. غير أن تنظيم الدولة يحتفظ بشبكة موسعة من الخلايا النائمة ويعمل على إعادة تنظيمها، وخاصة ضمن بيئات المدن، كما أن عمليات التجنيد يمكن أن تركز اليوم على النساء والأطفال الذين هربوا من تلك المخيمات.
على مستوى العمليات، يرجح لتنظيم الدولة أن يعمل بموجب أسلوبين تكتيكيين أساسيين، أولهما حرب المتمردين الكلاسيكية في المناطق الريفية، ويتمثل ذلك بكمائن وهجمات على غرار حرب العصابات تستهدف قوات الأمن السورية. أما الأسلوب الثاني والأخطر فينطوي على هجمات إرهابية رمزية هدفها إشعال التوتر العرقي والطائفي، إذ كما فعل أسلاف تنظيم الدولة في العراق قبل عام 2013، قد يحاول هذا التنظيم إثارة دوائر العنف الانتقامي عبر استهداف مواقع رمزية، وثمة مؤشرات أولية تؤكد ظهور هذين الأسلوبين.
لماذا تحتاج سوريا لشريك؟
حتى الآن، تعتمد دمشق بشكل كبير على قوات الأمن الداخلي التي تتبع لوزارة الداخلية، وقد أبدت تلك القطعات التزامها وشجاعتها في تنفيذ عملياتها، إلا أن القضاء على شبكات تنظيم الدولة يتطلب وجود إمكانات استخباراتية متطورة، وتقانة متخصصة في المراقبة، وتدريباً في مجال محاربة أي تمرد، إلى جانب القدرة على تنفيذ ضربات قائمة على تنسيق عال، وتلك الإمكانات ماتزال في طور البناء على يد المؤسسات الأمنية السورية، لذا، فإن هنالك سبب وجيه وراء تنفيذ معظم العمليات القسدية لمحاربة تنظيم الدولة بدعم أميركي مباشر.
ولهذا السبب، يجب على دمشق اعتماد ثلاثة أنواع من التعاون مع التحالف الدولي، وهي:
أولاً: ضرورة مأسسة وتوسيع آليات مشاركة المعلومات الاستخباراتية، والتي جرى وضعها وتحديدها إلى حد ما.
ثانياً: لابد من تطوير برامج التدريب الاحترافية لتعزيز إمكانات سوريا في محاربة الإرهاب.
ثالثاً: قد تظهر الحاجة لدعم عسكري محدود وموجه في العمليات التي تنطوي على قدر كبير من المخاطر والتي تنفذ ضد الخلايا التي رسخ تنظيم الدولة وجودها.
Loading ads...
ونظراً للانسحاب الأميركي التدريجي والحساسيات الإقليمية، قد يصبح التعاون مع دول أعضاء في التحالف تنتمي للعالم الإسلامي حلاً أطول استدامة على الصعيد السياسي، إذ نظرياً، بوسع دول مثل تركيا والسعودية تقديم دعم متخصص في مجال محاربة الإرهاب بالتنسيق مع دمشق والشركاء الدوليين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



