في السنوات الأخيرة، عاد الجدل إلى الواجهة حول ما إذا كان هناك ارتباط بين التوحد والختان وخاصة بعد تصريحات مثيرة للجدل أطلقها أحد المسؤولين الأمريكيين، زاعمًا أن استخدام دواء "تايلينول" (Tylenol) لتخفيف الألم بعد الختان قد يكون سببًا في زيادة معدلات الإصابة باضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder - ASD). هذا الادعاء أثار ضجة كبيرة بين الناس وأعاد طرح أسئلة قديمة عن العلاقة المحتملة بين التوحد والختان، وهل يمكن أن يكون الألم الناتج عن العملية أو الأدوية المستخدمة سببًا في اضطرابات النمو العصبي عند الأطفال؟
لكن، هل فعلاً هناك أدلة علمية تدعم هذا الربط؟ وما رأي العلماء والخبراء في هذه المسألة؟ هذا المقال يحاول تبسيط الصورة، وشرح ما تقوله الأبحاث الموثوقة حول علاقة التوحد والختان، بعيدًا عن المبالغات والجدل المبني على أساس غير علمي.
بداية الجدل حول التوحد والختان
بدأ الجدل حينما تحدّث أحد المسؤولين الأمريكيين عن دراستين تثبتان أن الأطفال الذين يخضعون للختان في وقت مبكر لديهم ضعف احتمال الإصابة بالتوحد مقارنة بغيرهم، مشيرًا إلى أن السبب المحتمل هو إعطاؤهم دواء "تايلينول" لتخفيف الألم.
لكن اللافت أنه لم يذكر أي مصدر علمي محدد لتلك الدراسات. وعندما بحث الخبراء في الأمر، تبين أنه يشير إلى دراستين قديمتين؛ الأولى نُشرت عام 2013 قارنت بين نسب الختان في ثماني دول، والثانية من الدنمارك عام 2015، ربطت بين التوحد والختان عند الأولاد في الفئة العمرية من صفر إلى تسع سنوات. مع ذلك، أجمع الخبراء في علم الأعصاب واضطرابات النمو على أن هذه الدراسات كانت مليئة بالأخطاء المنهجية، ولا يمكن الاعتماد عليها لإثبات علاقة سببية بين التوحد والختان.
لماذا تعتبر هذه الدراسات غير دقيقة؟
في الدراسة الأولى عام 2013، قام الباحثون بمقارنة نسب الختان في ثماني دول فقط، ثم ربطوا ذلك بنسبة انتشار التوحد في تلك الدول. المشكلة أن عدد الدول (ثمانٍ فقط) قليل جدًا لتأسيس علاقة علمية موثوقة بين متغيرين بهذا التعقيد.
كما تجاهلت الدراسة عوامل كثيرة قد تؤثر في معدلات التوحد، مثل متوسط عمر الأمهات والآباء عند الإنجاب، والعوامل الوراثية، ومستوى الوعي الصحي والتشخيص المبكر في كل دولة. وهذه العوامل جميعها قد تفسر الاختلاف في نسب التوحد، دون أن يكون للختان أي علاقة.
أما الدراسة الثانية، التي نُشرت في الدنمارك عام 2015، فقد تابعت أكثر من 340 ألف طفل، منهم حوالي 5000 حالة توحد. وخَلَص الباحثون إلى أن الأطفال الذين خضعوا للختان كانت لديهم زيادة طفيفة في احتمال الإصابة بالتوحد، خاصة قبل سن الخامسة.
لكن عند مراجعة الدراسة بدقة، أشار خبراء آخرون إلى أن العينة لم تشمل جميع حالات الختان، خصوصًا تلك التي تُجرى لأسباب دينية خارج المستشفيات. كما أن العلاقة كانت موجودة فقط في الفئة العمرية الصغيرة، ثم اختفت عند الأطفال الأكبر سنًا، ما يشير إلى احتمال وجود عوامل أخرى لم تُؤخذ بالحسبان.
بمعنى آخر، حتى إن وُجدت علاقة إحصائية بين التوحد والختان في بعض الحالات، فهذا لا يعني أن الختان يسبب التوحد فعلاً، لأن العلاقة لا تعني السببية (Correlation does not imply causation).
ما هو التوحد؟
التوحد (Autism Spectrum Disorder - ASD) هو اضطراب نمائي عصبي يؤثر في طريقة تفاعل الفرد مع الآخرين، وفي مهارات التواصل والسلوك. تظهر أعراض التوحد عادة خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل، وقد تشمل صعوبات في التواصل البصري، أو تكرار الحركات، أو حساسية مفرطة تجاه الأصوات أو اللمس.
ولا يوجد سبب واحد معروف للتوحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية. فحتى اليوم، لم يُثبت أن أي لقاح أو دواء أو إجراء طبي مثل الختان يمكن أن يسبب التوحد. لهذا فإن ربط التوحد والختان بشكل مباشر، دون أدلة قوية، يُعد من التبسيط المفرط لقضية علمية معقدة.
هل يمكن أن يكون الألم سببًا في التوحد؟
يرى بعض الباحثين أن الألم الشديد في مرحلة الطفولة المبكرة قد يؤثر على الدماغ النامي. فدراسات سابقة على الحيوانات أشارت إلى أن الألم المبكر يمكن أن يغيّر استجابة الدماغ للضغط النفسي (Stress Response) في مراحل لاحقة من الحياة.
لكن عندما طُبقت هذه الفرضية على البشر، لم يجد العلماء دليلاً واضحًا على أن الألم الناتج عن عملية الختان يمكن أن يؤدي إلى اضطراب مثل التوحد. فحتى لو وُجدت استجابة فسيولوجية للألم، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تتحول إلى اضطراب عصبي دائم. وهذا ما أكده الخبراء الذين راجعوا تلك الدراسات، موضحين أن افتراض الألم الناتج عن الختان أو دواء معين يؤدي إلى التوحد ليس مدعومًا بأي دليل تجريبي واضح. بالتالي، الربط بين التوحد والختان من خلال عامل الألم وحده يبقى فرضية غير مثبتة.
ماذا عن استخدام تايلينول؟
دواء "تايلينول" أو كما يعرف لدينا بالباراسيتامول يحتوي على مادة الأسيتامينوفين (Acetaminophen)، وهي مادة مسكنة وخافضة للحرارة تُستخدم على نطاق واسع لعلاج الحمى والألم عند الأطفال والبالغين. بعض الدراسات القديمة حاولت الربط بين استخدام الأسيتامينوفين أثناء الحمل أو بعد الولادة وبين زيادة خطر التوحد، لكن الأدلة كانت ضعيفة ومتناقضة.
الخبراء يؤكدون أن هذه العلاقة لم تُثبت أبدًا. فالعديد من الأطفال الذين تناولوا هذا الدواء لم يُظهروا أي علامات توحد، والعوامل الوراثية والبيئية أكثر تأثيرًا بكثير من دواء بسيط يُستخدم منذ عقود بأمان. وبالتالي، فكرة أن "تايلينول بعد الختان يسبب التوحد" لا تستند إلى أساس علمي. ولا يوجد دليل على أن الأسيتامينوفين يؤثر على نمو الدماغ بطريقة تؤدي إلى اضطرابات طيف التوحد. من هنا، يصبح القول بوجود علاقة مباشرة بين التوحد والختان بسبب مسكنات الألم غير دقيق إطلاقًا.
ماذا تقول الدراسات الحديثة؟
خلال العقد الماضي، أُجريت مراجعات علمية عديدة على الدراسات التي تناولت موضوع التوحد والختان. وجميعها تقريبًا خَلَصت إلى عدم وجود علاقة سببية بينهما. كما أكدت الهيئات العلمية الكبرى مثل "الجمعية الأمريكية لطب الأطفال" (American Academy of Pediatrics) و"منظمة الصحة العالمية" (World Health Organization) أن الختان إجراء جراحي بسيط وله فوائد طبية مثبتة في بعض الحالات، مثل تقليل خطر العدوى. ولم تشر أي منهما إلى وجود علاقة بين الختان والتوحد.
بل إن بعض الباحثين رأوا أن إثارة موضوع التوحد والختان بشكل غير علمي قد يسبب قلقًا لا داعي له بين الأهالي، ويصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة والفهم.
الختان: ممارسة دينية وطبية
من المهم ذِكر أن الختان (Circumcision) يُجرى منذ آلاف السنين لأسباب دينية وصحية. وفي الطب الحديث، يُعتبر إجراءً آمنًا عندما يتم بطريقة معقمة وتحت إشراف طبي، خاصة مع استخدام التخدير الموضعي (Local Anesthesia).
الألم الناتج عن العملية مؤقت ويُدار عادة بوسائل طبية فعالة. ولا يوجد دليل على أن الأطفال الذين أُجريت لهم عملية الختان يعانون اضطرابات نفسية أو سلوكية طويلة الأمد.
لكن، كما هو الحال مع أي إجراء طبي، من المهم أن يتم الختان وفق المعايير السليمة وتحت إشراف مختصين، مع مراعاة سلامة الطفل الجسدية والنفسية. ورغم أن بعض الدراسات حاولت الربط بين التوحد والختان، فإن المجتمع العلمي لا يرى أن هذا الربط له أساس حقيقي.
رأي الخبراء
أجمع عدد من الخبراء في مجال علم الأعصاب وطب الأطفال على أن الدراسات التي ادعت وجود علاقة بين التوحد والختان تفتقر إلى القوة العلمية الكافية. وأشاروا إلى أن هذه الدراسات لم تتحكم في العوامل المؤثرة مثل الجينات، والبيئة الأسرية، والعمر عند التشخيص، وطرق جمع البيانات.
وأضاف الخبراء أن استخدام دراسات ضعيفة كهذه في النقاش العام قد يكون ضارًا، لأنها تزرع الخوف لدى الأهل، وتُشوش الفهم العلمي الصحيح للتوحد وأسبابه. كما شددوا على ضرورة التمييز بين الارتباط الإحصائي والسببية، مؤكدين أن العلاقة بين التوحد والختان إن وُجدت في بعض الإحصاءات، فهي لا تعني أن أحدهما يسبب الآخر.
في نهاية المطاف، تبقى العلاقة بين التوحد والختان موضوعًا مثيرًا للجدل، لكنه حتى الآن غير مدعوم بأدلة علمية قوية. فالعلم لا يرى أن الختان أو استخدام "تايلينول" يسببان التوحد، بل إن الأسباب الحقيقية للتوحد أكثر تعقيدًا وتشمل عوامل وراثية وبيئية متعددة.
من المهم أن يتعامل الأهل والمجتمع مع هذه المواضيع بحذر، وألّا يعتمدوا على الأخبار المثيرة أو الدراسات غير المحكمة. فربط التوحد والختان دون أساس علمي قد يؤدي إلى قرارات خاطئة أو مخاوف غير مبررة.
Loading ads...
يبقى المطلوب اليوم هو دعم الأبحاث الجادة التي تبحث في الأسباب الفعلية للتوحد، وتحسين طرق التشخيص والعلاج المبكر، بدلاً من مطاردة فرضيات ضعيفة لا تثبتها الأدلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






