7 أشهر
مكبّ نفايات "الشيخ سعيد".. كارثة بيئية تهدّد الأحياء الجنوبية في حلب
الجمعة، 7 نوفمبر 2025
على الأطراف الجنوبية لمدينة حلب، لم يعد حيّ الشيخ سعيد يشبه ما كان عليه يوماً، فحيث كانت البساتين تمتدّ خضراء وتتعانق كروم العنب مع أشجار التين، باتت اليوم سحب الدخان الكثيف هي المشهد اليومي الذي يخيّم على المكان.
هنا، في هذه البقعة التي تحوّلت من واحة طبيعية إلى مكبّ ضخم للنفايات، يعيش عشرات الآلاف من السكّان بين أنقاض الروائح الكريهة والغازات السامة التي لا تهدأ.
في هذا الحي الذي يضم نحو 25 ألف نسمة، لا يقتصر الخطر على القاطنين داخله، بل يمتدّ إلى الأحياء الجنوبية المجاورة التي يسكنها مئات الآلاف من الحلبيين، فمع كل فجرٍ جديد، تتصاعد ألسنة اللهب من مكبّ النفايات الذي يُحرق بشكل شبه يومي للتخلّص من التراكمات، مطلقةً غازات كثيفة تحتوي على مركّبات الكربون وأكاسيد الكبريت والنتروجين.
هذه المواد، التي يعرفها الأطباء بكونها من أشدّ الملوّثات ضرراً على الجهاز التنفسي، باتت جزءاً من هواء الأهالي، فيما تزداد حالات الربو والحساسية بين الأطفال وكبار السن يوماً بعد آخر.
"كارثة بيئية جنوبي حلب"
يقول لؤي المبارك، وهو أحد سكان حيّ الشيخ سعيد، لـ موقع تلفزيون سوريا: "ليس الدمار وحده ما يمنع الناس من العودة إلى بيوتهم، بل الأدخنة والغازات القادمة من المكبّ الذي تمدّد خلال السنوات الماضية بشكل عجيب حتى وصل إلى مشارف منازلنا".
وتابع: "الدخان المتصاعد على مدار اليوم، القادم من مكبّ النفايات ومن معامل صناعة البطاريات وصهر الرصاص، لا يزعجنا نحن فقط، بل يصل أثره إلى أحياء العامرية وباب النيرب والسكري وتل الزرازير والراموسة أيضاً".
وأوضح أنّ مكبّ النفايات الرئيسي في مدينة حلب، قبل اندلاع الثورة السورية، كان يقع جنوبي المدينة قرب بلدة حريبل، بعيداً عن الأحياء السكنية، لكن منذ عام 2012، ومع تصاعد المعارك وقطع الطرق، توقفت شاحنات النظافة عن الوصول إلى المطمر القديم في تل الضمان".
كذلك أشار المبارك إلى أنّ "مجلس مدينة حلب –الذي كان يتبع للنظام آنذاك– بدأ بإلقاء النفايات على أطراف المدينة الجنوبية، ومع استعادة النظام السيطرة على كامل أحياء حلب، نهاية عام 2016، تضخّمت كميات النفايات، وتحوّل المكبّ المؤقت إلى جبل ضخم من القمامة يمتدّ حتى حدود حي الشيخ سعيد".
أمّا فيصل حاج إبراهيم، أحد أبناء الحي، فيؤكد في حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا: "كبار السن من أهل الشيخ سعيد كانوا يروون لنا أن أطراف الحي كانت من أجمل مناطق حلب، تغطيها البساتين ويُنعشها الهواء النقي.. اليوم تغيّر كل شيء، تحولت المنطقة إلى بؤرة ملوثة".
وتابع: "قبل المكبّ، كان معمل الإسمنت هو الكارثة الأولى، إذ كان يغطّي الحي بطبقة رمادية من الغبار كل يوم، لكنّه توقف عام 2012، وإن عاد إلى العمل فستتضاعف الكارثة".
"حلب ملوثة"
مصادر محلية متابعة للشأن البيئي في حلب، أفادت لـ موقع تلفزيون سوريا بأنّه "إذا لم يُنقل مكب النفايات في الشيخ سعيد ويُعاد توزيع معامل الإسمنت والمناطق الصناعية وفق مخططات بيئية حديثة، فإنّ حلب مقبلة على أزمة صحية شاملة، وأنّ معدلات التلوث الحالية والمتوقعة خلال السنوات المقبلة، قد تتجاوز حدود الأمان العالمية بأضعاف".
وآخر الدراسات الرسمية حول الوضع البيئي في حلب تعود إلى العام 2006، حين أكّدت تقارير وزارة البيئة أن نسب العوالق الهوائية الكلية تجاوزت الحدود المسموح بها وفق المواصفات السورية، وحينها، سجّلت القياسات الميدانية ارتفاع تراكيز أكاسيد الكبريت والنتروجين وهباب الفحم، خصوصاً في أحياء الشيخ سعيد والشقيف والمناطق الصناعية المجاورة.
لاحقاً، أُجريت دراسة بإشراف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، كشفت أن تراكيز الملوثات الغازية في أجواء حلب كانت أعلى بعشر مرات من الحدود التي تعتمدها منظمة الصحة العالمية، وأوصت بضرورة التدخل الفوري لتخفيض نسبة الكبريت في الوقود الصناعي وتحسين أنظمة التهوية في المعامل، لكنّ تلك التوصيات -كما يقول الأهالي- بقيت حبراً على ورق، في ظل غياب أي إجراءات تنفيذية أو رقابة بيئية فعّالة.
طوق من السموم حول المدينة
لا يقف الخطر عند مكبّ الشيخ سعيد وحده، فمعملا الإسمنت في الشيخ سعيد والمسلمية، إلى جانب 15 منطقة صناعية منتشرة داخل المدينة وحولها، تُعدّ من أبرز مصادر التلوث في حلب.
وتضم هذه المناطق أكثر من عشرة آلاف منشأة ومجبل زفتي ومعامل صهر معادن وورش حرق رصاص ومعامل دهانات وأدوية ومنظفات، معظمها يفتقر إلى فلاتر لتنقية الانبعاثات أو محطات معالجة للمياه.
ويمكن القول: إنّ حلب اليوم محاصَرة بطوق من السموم، يمتد من خان العسل إلى المسلمية مروراً بالراموسة والأنصاري والشيخ سعيد، ومع عودة النشاط الصناعي تدريجياً بعد الحرب، تزداد الانبعاثات وتشتدّ المخاطر على السكان.
ولا تقتصر الكارثة البيئية على الهواء، إذ تُصرَف مياه الصرف الصناعي غير المعالجة القادمة من معامل البطاريات والدباغات وصهر المعادن في الراموسة والشيخ سعيد بشكل عشوائي نحو الأراضي الزراعية جنوبي حلب.
وتشير تقارير بيئية سابقة إلى أنّ هذه المياه تحتوي على مركّبات الرصاص والزئبق والكروم، وهي مواد شديدة السمية تتراكم في التربة وتتسرّب إلى المياه الجوفية، حيث يؤكّد مزارعون لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ "الخضار لم تعد كما كانت.. طعمها تغيّر ولونها باهت، حتى الحيوانات لم تعد تقرب بعض الحقول التي نرويها من مياه الصرف".
"صمت رسمي وحلول مؤقتة"
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يتلقَّ موقع تلفزيون سوريا أي رد من مجلس مدينة حلب حول خطط معالجة مكبّ الشيخ سعيد أو نقله إلى موقع بديل.
وتشير مصادر محلية مطّلعة على الشأن البيئي في مدينة حلب، إلى أن موقع تل الضمان ما يزال المرشّح الأنسب جغرافياً وبيئياً لاستيعاب نفايات حلب، شريطة توافر معايير الطمر الصحي فيه، لكنّ هذا الخيار يواجه معارضة شديدة من سكان المنطقة في جبل الحص بالريف الجنوبي، الذين يرفضون تحويل منطقتهم النائية إلى مكبّ جديد للنفايات.
جمعة محمد، أحد أبناء جبل الحص، يقول لـ موقع تلفزيون سوريا: "منطقة جبل الحص وتل الضمان عموماً من أكثر المناطق تهميشاً في ريف حلب، هي مناطق منسية خدمياً، لا تتذكرها محافظة حلب إلا عندما تريد رمي أطنان من القمامة".
وتابع: "النظام السابق قرّر إنشاء مكبّ للنفايات في منطقتنا لتكريس تهميشها وإيذائها أكثر.. على السلطة الجديدة في سوريا أن تجد حلاً لمشكلة النفايات في حلب بعيداً عن تل الضمان، لا أن تنقل الأزمة من مكان إلى آخر".
في ظل غياب الرؤية البيئية لدى مجلس مدينة حلب، يبقى الأهالي في الشيخ سعيد والأحياء المجاورة رهائن لمكبّ يشتعل ليل نهار، تتصاعد منه غمامة رمادية كثيفة تختلط فيها بقايا البلاستيك والمطاط والنفايات الطبية والعضوية، لترسم مشهداً قاتماً يلخّص حال المدينة المنهكة.
Loading ads...
أمّا مكبّ تل الضمان، الذي بدأت عمليات ترحيل القمامة إليه، مطلع شهر تشرين الثاني الجاري، فيشكّل هو الآخر تهديداً بيئياً جديداً لمنطقة نائية تعاني أصلاً من ضعف الخدمات وغياب مشاريع التنمية، حيث يحذّر الأهالي من أنّ المكبّ، إن لم تُتخذ إجراءات بيئية صارمة للحد من أضراره، سيحوّل أراضيهم إلى بؤرة تلوث جديدة، بدل أن يكون خطوة في طريق الحل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


