في عام 2001، حين كان الإنترنت لا يزال يتلمس طريقه إلى حياة الناس، ظهرت "ويكيبيديا" بفكرة بدت شديدة البساطة، موسوعة يكتبها البشر لبعضهم بعضا، وتظل المعرفة فيها مفتوحة ومتاحة للجميع.
على مدى أكثر من عقدين، تحولت تلك الفكرة إلى أحد أكبر مستودعات المعرفة على الإنترنت. ملايين الصفحات، وملايين التعديلات، ومتطوعون في أنحاء العالم يكتبون ويصححون ويوثقون ما سيصبح لاحقا مادة مرجعية لملايين القراء.
لكن الإنترنت الذي جعل "ويكيبيديا" تكبر، يعيد اليوم تشكيل علاقتها بمستخدميها. فمع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، باتت المعرفة التي راكمها محررو "ويكيبيديا" على مدى سنوات تدخل في صلب أنظمة قادرة على تقديم الإجابات مباشرة إلى المستخدم، من دون الحاجة إلى أن يفتح صفحة الموسوعة أو يتنقل بين مصادرها.
ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، تغير موقع "ويكيبيديا" في منظومة المعرفة الرقمية إلى مصدر تعتمد عليه الآلات، بينما قد تصبح زيارات البشر إليها أقل حضورا.
خلف موسوعة "ويكيبيديا" تقف مؤسسة "ويكيميديا"، المنظمة غير الربحية التي تدعم الموسوعة ومشروعات المعرفة الحرة التابعة لها. وتوظف المؤسسة، التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقرا لها، نحو 700 شخص في 39 دولة، يعمل معظمهم عن بعد، في مجالات من بينها هندسة البرمجيات والتمويل والاتصالات.
لكن المؤسسة نفسها تشهد تغيرات تعكس ضغوطا أوسع داخل منظومة المعرفة الرقمية. ففي الولايات المتحدة، صوت أكثر من 200 موظف في مؤسسة "ويكيميديا"، بأغلبية 158 صوتا مقابل 14، لصالح الانضمام إلى نقابة عمال الاتصالات الأمريكية (CWA)، في أول تنظيم نقابي من هذا النوع في تاريخ المؤسسة.
وبحسب موظفين تحدثوا إلى موقع "وايرد" التقني، لم تكن الرواتب والمزايا العامل الرئيسي وراء التحرك، بقدر ما كان هناك استياء من بعض القرارات المتعلقة بالتوظيف والفصل وإعادة الهيكلة، ورغبة في أن يكون للعاملين صوت أقوى في هذه القرارات.
مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت ملايين الصفحات التي كتبها البشر وراجعوها ونقحوها هدفا لعمليات الزحف وجمع البيانات التي تستخدمها شركات الذكاء الاصطناعي في تدريب نماذجها.
وفي الوقت نفسه، تتراجع زيارات البشر المباشرة إلى "ويكيبيديا"، وهذا يخلق معادلة صعبة، إذ إن المحتوى الذي تنتجه ويكيبيديا مفتوح ومتاح للجميع، لكن تشغيل البنية التحتية التي تحفظه وتوصله إلى المستخدمين ليس مجانيا.
وتقول مؤسسة "ويكيميديا" إن مشروعاتها، وفي مقدمتها "ويكيبيديا" و"ويكي داتا" (Wikidata) و"ويكيميديا كومنز" (Wikimedia Commons)، أصبحت من المصادر المهمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، بفضل طبيعة المعرفة الموجودة فيها، التي أنشأها البشر ونظموها وراجعوها على مدى سنوات.
لكن الاستخدام واسع النطاق لهذه البيانات يفرض بدوره ضغطا على البنية التحتية للمؤسسة ويرفع تكاليف تشغيلها. وبينما تحمل المتبرعون تاريخيا الجزء الأكبر من عبء التكاليف، تستفيد الشركات التجارية أيضا من البيانات نفسها على نطاق واسع.
ومن هنا جاءت "ويكيميديا إنتربرايز" (Wikimedia Enterprise)، وهي خدمة تجارية أطلقتها مؤسسة "ويكيميديا" عام 2021 لتوفير وصول واسع النطاق ومنظم إلى بيانات مشروعات "ويكيميديا" للشركات والمؤسسات التي تحتاج استخدامها بكميات كبيرة.
وتؤكد المؤسسة أن المحتوى نفسه سيظل مجانيا ومفتوحا، لكن الشركات التي تحتاج إلى الوصول إليه على نطاق تجاري واسع ستدفع مقابل البنية التحتية والخدمة التي تتيح هذا الوصول.
وبحسب المؤسسة، تمكنت الخدمة من استرداد كامل استثمارها الأولي وأصبحت تسهم في استدامة المؤسسة، مع وضع سقف لإيراداتها لا يتجاوز 30% من إجمالي إيرادات مؤسسة "ويكيميديا"، بما يبقي التبرعات المصدر الرئيسي للتمويل.
كما بدأت المؤسسة في فرض حدود على معدل الوصول إلى واجهات برمجة التطبيقات العامة أمام المستخدمين الكبار، مع استمرار إتاحة الوصول إليها. والهدف في جوهره هو الفصل بين مبدأ المعرفة الحرة والمفتوحة من جهة، والتكاليف التي تترتب على استخدامها على نطاق تجاري واسع من جهة أخرى.
لكن الخطر، في نظر داريشز يميلنياك، أستاذ الدراسات التنظيمية في جامعة كوزمينسكي وعضو مجلس أمناء "ويكيميديا" بين عامي 2015 و2026، لم يعد افتراضيا.
ويؤكد يميلنياك، في حديثه للجزيرة نت، أنه يقدم هذا التحليل باسمه الشخصي ولا يتحدث نيابة عن مؤسسة "ويكيميديا"، مستندا إلى خبرة امتدت عقدا داخل مجلس أمناء المؤسسة.
ويشير إلى أن مؤسسة "ويكيميديا" أفادت في أواخر عام 2025 بانخفاض مشاهدات الصفحات من جانب البشر بنحو 8% على أساس سنوي، ويربط ذلك إلى حد كبير بتحول طريقة وصول الناس إلى المعلومات، إذ باتت محركات البحث وروبوتات المحادثة تقدم إجابات تستند إلى محتوى ويكيبيديا من دون أن ترسل المستخدم بالضرورة إلى الموسوعة.
والنتيجة، بحسبه، ليست مجرد انخفاض في أرقام الزيارات، بل تراجع في عدد الأشخاص الذين قد يكتشفون زر تعديل، أو يلاحظون خطأ في مقال، أو يقررون التبرع للمشروع. وهذه السلسلة من القراء إلى المحررين والمتبرعين، هي في رأيه إحدى الآليات التي أبقت "ويكيبيديا" حية طوال ربع قرن.
ويرى يميلنياك أن العلاقة بين "ويكيبيديا" ومحركات البحث لم تكن جديدة ولا متكافئة أصلا. فقد استفادت "غوغل" لسنوات من محتوى "ويكيبيديا" في منتجاتها، كما أظهرت أبحاث وجود اعتماد متبادل لافت بين الطرفين، إذ تظهر روابط "ويكيبيديا" في نسبة كبيرة من نتائج البحث، بينما كان البحث أحد المصادر الرئيسية للزيارات إلى الموسوعة.
غير أن الفارق الآن هو أن محركات البحث كانت تستفيد من "ويكيبيديا" وفي الوقت نفسه ترسل المستخدمين إليها، بينما لا تفعل أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي ذلك في الغالب.
لكن المشكلة الأعمق، بحسب يميلنياك، لا تتعلق بحجم الزيارات بقدر ما تتعلق بالعملية التي تنتج المعرفة. ويقول "الذكاء الاصطناعي قد يحتاج إلى محتوى ويكيبيديا، لكنه لا يستطيع أن يحل محل ما يفعله الويكيبيديون، وهو النقاش والاختلاف والوصول إلى صيغة يمكن التوافق عليها".
فالمقال في "ويكيبيديا"، في هذا التصور، ليس مجرد نص نهائي، بل نتيجة عملية طويلة يتجادل خلالها أشخاص يختلفون في آرائهم وتفسيراتهم، وتبقى آثار هذا النقاش محفوظة في صفحات النقاش وسجلات التعديلات.
وهنا يرى يميلنياك أن هناك شيئا مهما قد يغيب عن نماذج الذكاء الاصطناعي، فهي تتدرب على مخرجات هذه العملية، أي على النصوص التي انتهى إليها المجتمع، لكنها لا تصل بالضرورة إلى العملية نفسها التي أنتجت تلك النصوص.
ويضيف أن هناك أدلة على أن النماذج التي تتدرب على مخرجات مولدة آليا ومعاد تدويرها قد تتدهور جودتها، ما يجعل وجود مصادر بشرية أصلية ومتجددة للمعرفة مسألة تتجاوز مجرد توفير بيانات تدريب جديدة.
من ثم، فإن إضعاف المجتمع البشري الذي يقف وراء ويكيبيديا قد ينقلب، بحسب تحليل يميلنياك، على شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، إذ قد تصبح أكثر اعتمادا على "ويكيبيديا" في الوقت الذي تسهم فيه منتجاتها في إضعاف البيئة البشرية التي تنتج المعرفة التي تحتاج إليها.
ويترك يميلنياك مدى إدراك شركات الذكاء الاصطناعي لهذا الخطر سؤالا مفتوحا، لكنه يعتقد أن بعض الشركات الأكثر وعيا بدأت تدركه بالفعل، قبل أن يصبح التعامل معه أكثر صعوبة.
أما بشأن النموذج الذي تقوم عليه "ويكيبيديا"، فلا يرى يميلنياك أن الحل يكمن في إغلاق المعرفة أو تغيير ترخيصها لمجرد أن شركات الذكاء الاصطناعي أصبحت تستخدمها على نطاق واسع.
ويوضح أن الانفتاح ليس مشكلة كشفها الذكاء الاصطناعي، بل هو جوهر الفكرة التي قامت عليها "ويكيبيديا" أصلا، وإن تقييد إعادة استخدام المحتوى قد يضر بالمستخدمين الأصغر، مثل المدارس والباحثين والمشروعات التي توفر المعرفة دون اتصال بالإنترنت، أكثر مما يضر الشركات الكبرى القادرة على تحمل تكاليف قانونية ضخمة.
لكن ما يمكن أن يتغير، برأيه، هو "الاقتصاد المحيط بالترخيص". وفي هذا السياق، يرى أن "ويكيميديا إنتربرايز" تمثل إحدى الأدوات للتعامل مع المشكلة، فالمحتوى نفسه يظل مجانيا ومفتوحا، لكن الجهات التي تستخدم البنية التحتية على نطاق صناعي ينبغي أن تتحمل جزءا من تكلفتها.
ويرى يميلنياك أن الخدمة يمكن توسيعها، وأن مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى ينبغي أن تنظر إلى مساهمتها في تكاليف البنية التحتية باعتبارها مسؤولية مرتبطة باستخدامها المكثف للمعرفة، لا مجرد شراء خدمة من مؤسسة غير ربحية.
كما أن القضية، في رأيه، لا تتوقف عند المال. هناك أولا مسألة "الإسناد"، فإذا استندت إجابة مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى محتوى "ويكيبيديا"، ينبغي أن يكون واضحا للمستخدم أن هذه المعرفة جاءت من الموسوعة، مع توفير رابط إلى المصدر الأصلي.
ومن وجهة نظره، لا يتطلب ذلك تكلفة تقنية كبيرة، لكنه قد يسهم في إعادة بعض المستخدمين إلى "ويكيبيديا"، والحفاظ على المسار الذي يبدأ بالقارئ وينتهي بمحرر أو مساهم.
أما الأمر الثاني فهو ما يسميه يميلنياك "المساهمة بالمقابل"، فبدل أن تكون العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي ومجتمعات المعرفة علاقة استخراج للبيانات فقط، يمكن أن تقدم الشركات أدوات تساعد المحررين على اكتشاف التخريب والعثور على المصادر، وإتاحة الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي، ودعم الإصدارات اللغوية الأصغر من "ويكيبيديا"، التي يرى أنها أكثر عرضة للمخاطر.
وتنبع أهمية ذلك من خطر أن تتحول المجتمعات التي تنتج المعرفة، حسب تعبيره، إلى "مصادر مجانية للبيانات" لصالح شركات تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات.
لكن معالجة هذه المشكلة لا تعني تحويل المعرفة المفتوحة إلى محتوى مدفوع. فالتحدي هو إيجاد نموذج يسمح ببقاء المعرفة متاحة للجميع، من دون أن تتحمل المجتمعات التي تنتجها وحدها كلفة الاستخدام التجاري واسع النطاق.
ويذهب يميلنياك إلى طرح أكثر جذرية على المستوى الشخصي، إذ يرى أنه إذا درب نموذج ذكاء اصطناعي باستخدام بيانات مرخصة بموجب رخصة "المشاع الإبداعي – نسب المصنف – الترخيص بالمثل" (CC-BY-SA-)، فينبغي، من وجهة نظره، أن يوزع النموذج بموجب الرخصة ذاتها. ويؤكد أن هذا رأي شخصي له، وليس سياسة معتمدة من مؤسسة "ويكيميديا" أو وصفا للقانون القائم حاليا.
في النهاية، قد لا تكون المسألة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل "ويكيبيديا"، بل ما إذا كان سيظل هناك بشر يواصلون كتابة ما تتعلم منه الآلات.
فوراء كل معلومة في "ويكيبيديا" شخص بحث عنها، ومحرر راجعها، وآخر اعترض عليها، ثم نقاش انتهى إلى صيغة يمكن توثيقها. هذه العملية البشرية هي ما يحول المعلومات المتناثرة إلى معرفة يمكن الوثوق بها.
Loading ads...
وفي الوقت الذي تصبح فيه الآلات أكثر قدرة على الوصول إلى هذه المعرفة وإعادة صياغتها، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على المجتمع الذي ينتجها. فالمعرفة المفتوحة لا تعيش على الخوادم وحدها، ولا بالذكاء الاصطناعي، بل بالبشر الذين يختارون أن يضيفوا إليها، ويصححوا أخطاءها، ويختلفوا حولها، ثم يتركوها متاحة لغيرهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





