5 ساعات
ما وراء بيئة الاختبار: نظرة على لحظة انطلاق قطاع التقنية المالية في الخليج
الثلاثاء، 21 أبريل 2026

ملخص: يشهد قطاع التقنية المالية تحولاً من شركات ناشئة تسعى لمنافسة البنوك إلى جزء أساسي من النظام المالي العالمي بإيرادات تقترب من نصف تريليون دولار. كما أدى تراجع التمويل بين 2021 و2024 إلى تعزيز الانضباط والتركيز على الربحية، ما دعم المنصات الكبرى المتوافقة تنظيمياً وحسّن هوامش أرباحها. وفي المرحلة الحالية يقود القطاع توجه نحو الاستدامة والابتكار، مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي والتمويل المضمن والتمويل على السلسلة.
إشارة إلى التطورات الأخيرة في قطاع التقنية المالية، فقد كانت هذه الشركات، حتى وقت قريب، تمثل عنصراً ناشئاً يتسم بجرأة الطموح، مع محدودية في تحقيق الأرباح، وسعي حثيث لإزاحة البنوك التقليدية بغضّ النظر عن التكلفة. أما في المرحلة الحالية، فلم تعد هذه الشركات تدور في فلك النظام المصرفي، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ منه. كما تقترب إيراداتها من نصف تريليون دولار. وتتسم هذه المرحلة الجديدة بقدر أعلى من التنظيم؛ إذ يضع المستثمرون الربحية والنمو المستدام على رأس أولوياتهم.
أدى تباطؤ التمويل خلال الفترة 2021–2024 (حيث انخفض تمويل الأسهم بنحو 75% من عام 2021 إلى 2024) إلى إعادة ضبط توقعات التسعير وتعزيز الانتقائية. ومع ذلك، فقد أسهم أيضاً في تعزيز المنصات الرائدة في المنطقة، التي باتت تحظى بتقييمات مرتفعة بفضل حجمها ومواءمتها للوائح التنظيمية وتحسن هوامش أرباحها.
نمت إيرادات قطاع التقنية المالية بنحو 14% سنوياً خلال هذه الفترة، وبنحو 20% في عامي 2024 و2025. وعلاوةً على ذلك، فإن نحو 70% من شركات التقنية المالية العامة أصبحت مربحة اليوم. وتشكّل المدفوعات الرقمية العمود الفقري للتجارة العالمية، فيما تتيح منصات الإقراض الوصول إلى التمويل للأسر والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. كما تُسهم تقنيات إدارة الثروات في إتاحة الاستثمار، في حين تدعم البنية التحتية بين الشركات مجموعة واسعة من العمليات، بدءاً من تسوية المعاملات المالية بين الدول وصولاً إلى الالتزام بالمعايير.
أما التمويل المضمن، فقد حول تجار التجزئة والأسواق الإلكترونية إلى موزعين للخدمات المالية، وقد أسهم ذلك في فتح مصادر إيرادات كانت حكراً على البنوك في السابق.
بعد تجاوز فترات تراجع التمويل والتدقيق التنظيمي، يشهد القطاع تحولاً من التوسع السريع إلى التركيز على الاستدامة والتدفقات النقدية. ومع إسهام الذكاء الاصطناعي في إعادة تعريف الإنتاجية، وبروز التمويل على السلسلة كمؤشر على أسواق قابلة للبرمجة، يقف قطاع التقنية المالية عند مرحلة جديدة تتسم بانخفاض النزعة التمردية وارتفاع وتيرة إعادة الابتكار.
في دول مجلس التعاون الخليجي، شهد تمويل قطاع التقنية المالية تحولاً من زخم المراحل المبكرة إلى قصة رأسمالية أكثر نضجاً وتنوعاً. وقد تميزت السنوات الأولى من العقد بتسارع ملحوظ، حيث بدأت جولات رأس المال الجريء الأكبر حجماً في دعم منصات المدفوعات، وخدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً"، والمصارف الرقمية.
وبحلول عامي 2023–2024، شهدت المنظومة توقفاً طبيعياً أسهم في إعادة ضبط التقييمات، وتحويل تركيز المستثمرين نحو اقتصاديات الوحدة، والحوكمة، والنمو المستدام، بدلاً من التركيز الحصري على اكتساب العملاء.
وفي عام 2025، عاد المسار إلى الصعود مجدداً؛ حيث سجلت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة نشاطاً تمويلياً أقوى مقارنة بفترة الركود السابقة (2023–2024)، كما ارتفعت أعداد الصفقات، وعاد رأس المال في المراحل المتأخرة إلى السوق.
وقد أسهم هذا الزخم المتجدد في ترسيخ قائمة متنامية من شركات التقنية المالية أحادية القرن في المنطقة، لا سيما في قطاعي "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" والمدفوعات، مع وصول عدد من المنصات إلى تقييمات بمليارات الدولارات واستعدادها المحتمل للطرح العام خلال السنوات القادمة.
بشكل أساسي، يتجه رأس المال حالياً نحو النماذج التي تتمتع بمسارات أوضح لتحقيق الربحية، بما في ذلك المدفوعات، والبنية التحتية، والتمويل المضمن، وممكنات الخدمات المصرفية المفتوحة، والمصارف الرقمية الخاضعة للتنظيم. وفي الوقت ذاته، تواصل مصادر الإيرادات الأساسية التوسع؛ حيث تتزايد معدلات انتشار المدفوعات الإلكترونية، وتتجه عمليات إقراض الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة نحو التحول الرقمي.
وتشير هذه الديناميكيات مجتمعة إلى أن تمويل التقنية المالية في دول مجلس التعاون الخليجي يدخل مرحلة أكثر استدامة، مدعومة ليس فقط بالتوقعات الإيجابية، بل أيضاً بحجم السوق، وتحسّن اقتصاديات الوحدة، والنمو الهيكلي في مصادر الإيرادات.
يسهم الجيل الجديد من شركات التقنية المالية في المنطقة في الكشف عن مصادر إيرادات لم تستغلها البنوك التقليدية بشكل كاف. ولا يقتصر تميّز هذه الشركات على استراتيجياتها فحسب، بل يمتد إلى هياكلها التشغيلية؛ حيث تعتمد نماذج تشغيلية مرنة، وبنية تحتية قائمة على الحوسبة السحابية، وتتبنى حزمًا تقنية رشيقة تسمح لها بإطلاق المنتجات وتطويرها وتوسيع نطاقها بتكلفة وتعقيد أقل مقارنة بالبنوك التقليدية.
وفي المقابل، لا تزال العديد من البنوك التقليدية مقيدة بعمليات متراكمة وأنظمة تقنية قديمة، ما يجعل الابتكار السريع أكثر صعوبة وارتفاعاً في التكلفة.
يُعدّ التمويل المضمّن التحول الأبرز في القطاع؛ فبدلًا من مطالبة العملاء بزيارة البنوك، تقوم شركات التقنية المالية بدمج خدمات المدفوعات والإقراض والتأمين مباشرة ضمن الرحلات الرقمية، سواءً عند إتمام عمليات الشراء في التجارة الإلكترونية، أو عبر تطبيقات الأجهزة المحمولة، أو ضمن الأسواق الرقمية بين الشركات.
وفي دول مجلس التعاون الخليجي، يُتوقع أن ينمو التمويل المضمّن من قطاع متخصص محدود القيمة في أوائل عشرينيات القرن الحالي إلى فرصة تُقدّر بمليارات الدولارات بحلول عام 2030. وتُجسّد نماذج "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" المموّلة من التجار في كلٍّ من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية هذا التحول. وبدلًا من الاعتماد الحصري على هوامش الفائدة، تعتمد هذه النماذج على تعزيز معدلات إتمام عمليات الشراء عند نقاط البيع، إلى جانب توظيف نماذج اكتتاب ائتماني قائمة على تحليل البيانات.
يسهم النظام المصرفي المفتوح في توسيع نطاق الفرص بشكل أكبر؛ حيث تمكن الجهات التنظيمية من تبادل البيانات بصورة آمنة، وتعزز بيئات متكاملة تتيح لشركات التقنية المالية تطوير أدوات إعداد الميزانيات، ونماذج ائتمانية بديلة، وحلول تمويلية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بالاستفادة من البنية التحتية المصرفية. ويتيح ذلك لهذه الشركات تحقيق إيرادات قائمة على الرسوم وبناء علاقات مباشرة مع العملاء، وهي مجالات لم تستغلها البنوك سابقًا بالشكل الكافي.
ولا يقتصر الأثر على زيادة المنافسة، بل يمتد إلى إعادة تعريف مصادر الإيرادات؛ إذ أصبحت الإيرادات التي كانت تُعدّ هامشية في السابق عنصراً محورياً في المرحلة القادمة من نمو القطاع المصرفي في الخليج.
في ضوء ما سبق، شهدت التقييمات استقرارًا ضمن إطار أكثر انضباطًا، مع تركيز أكبر على المقاييس الحقيقية بدلاً من الزخم، وأصبح الطرح العام الأولي أكثر واقعية.
وتظل الأسواق المالية الإقليمية في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة داعمة بشكل عام، فيما يشير المصرفيون إلى وجود مسار مدروس للطرح خلال الفترة ما بين عامي 2026–2028. وفي قطاع "اشترِ الآن وادفع لاحقاً"، تعد شركتا تابي وتمارا أبرز المرشحين إذا كانت ظروف السوق مواتية.
وفي قطاع المدفوعات، تبرز شركات مثل نتورك إنترناشونال وشركات الاستحواذ سريعة النمو مثل هلا وجيديا، في ظل توجهات الدمج والتوسع التي تعزز من جاذبية قصص الاستثمار في الأسهم.
أما شركات البنية التحتية، مثل لين تكنولوجيز وتارابوت، فهي تسهم في بناء ركائز التمويل المفتوح التي قد تدعم الاكتتابات العامة المستقبلية. وفي الوقت ذاته، تمثل البنوك الرقمية، بما في ذلك ويو وبنك إس تي سي ودي 360، شريحة أخرى من المرشحين المحتملين مع نضج قواعد ودائعها ومحافظ إقراضها. ومن المرجح أن يتخذ مسار الطروحات طابعاً انتقائياً ومنظماً، بدلاً من موجة واسعة من عمليات الطرح العام الأولي.
إذا كان الطور الأول من التقنية المالية قد تمحور حول نقل الخدمات المالية إلى القنوات الرقمية، فإن المرحلة التالية تتجه نحو تمكين هذه الخدمات من التفكير والتكيّف بشكل ذاتي. ولا يزال مساعد الذكاء الاصطناعي في مراحله المبكرة، حيث يتركز استخدامه حالياً في مجالات الهندسة والامتثال ودعم العملاء. إلا أن مساره يتجه بوضوح من دعم اتخاذ القرار إلى تنفيذه.
ومع مرور الوقت، يمكن للوكلاء الماليين إدارة التدفقات النقدية، وإعادة موازنة المحافظ الاستثمارية، وتحسين المدفوعات، وحتى إعادة التفاوض على الائتمان، بما يسهم في إعادة تشكيل النماذج الاقتصادية التي كانت تعتمد سابقًا على الجمود والتدخل اليدوي.
في الوقت ذاته، يتجه التمويل القائم على البلوك تشين تدريجياً من مرحلة التجريب إلى بناء البنية التحتية. وتكتسب العملات المستقرة أهمية متزايدة في ممرات المعاملات بين الدول، إلا أن القيمة الأكبر تكمن في الأصول المُرمّزة التي تقلل معوقات التسوية، وتعزز السيولة، وتخفض تكاليف الوسطاء. ومع بلوغ الأصول الرقمية نطاقاً واسعاً، فقد تنتقل المدفوعات والضمانات إلى العمل بصورة واسعة على البلوك تشين، لتنشئ بنية مالية قابلة للبرمجة.
Loading ads...
ولا يقتصر أثر تقارب الوكلاء المستقلين في الذكاء الاصطناعي مع الأصول القابلة للبرمجة على رقمنة التمويل، بل يمتد إلى إعادة تشكيله. ويتمثل التساؤل المطروح أمام القيادات في مدى جاهزية مؤسساتهم للإسهام في تشكيل هذا النظام الجديد، أو التأثر به.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





