في منتزه على أطراف إحدى ضواحي ديترويت، العاصمة الاقتصادية لولاية ميشيغان، اجتمعت مجموعة من أعضاء الحزب الديمقراطي في الدائرة العاشرة للاحتفال بانتهاء المنافسة الحامية التي جمعت بين هيلي ستيفنز، المرشحة التقليدية ذات الانتماء الصهيوني- وهذا الاسم سيتكرر معنا وسيشغلنا- وبين عبدول السيد، المرشح التقدمي.
كان هذا حفلا خاصا بعنوان "الوحدة ومداواة الجراح الانتخابية ولمّ الشمل". حضرت هيلي، التي كانت قد التقت عبدول يوم 5 أغسطس/آب على مائدة إفطار الوحدة، بحضور قيادات الحزب والمرشحين الفائزين، وأعلنت دعمها لعبدول، وأعلنت أنها ستقف خلف مرشح الحزب الذي فاز عليها. وكان من المقرر أن يحضر عبدول، لكنه اعتذر لتعارض الموعد مع مناسبة سابقة.
كان رئيس الدائرة حريصا على أن يقدمني إليها، وقد قام بذلك فور وصولها، فتبادلنا التحية، وحرصت على تحيتها وتقدير جهودها، وقد تلقت ذلك بحفاوة، ولكنني كنت في الوقت نفسه حريصا على أن أوجّه إليها برسالة ما، فقلت لها: "ربما لو كانت عناوين الخطاب الانتخابي أقرب إلى ما يهم مواطني ميشيغان، بدلا من الالتباس الذي نشأ بسبب الحديث عن بلد آخر وحكومة أخرى، والاهتمام بواقعهم بدلا من أحلام بعيدة، لربما كانت النتيجة مختلفة".
ابتسمت ولم تعلق، وحرصت على التقاط صورة سيلفي معي، وطلبت مني بيانات التواصل مستقبلا عن طريق فريقها.
يعني هذا أن اللقاء الأول كان مباشرا، ولكنه بالتأكيد ترك انطباعا سنتحدث عنه لاحقا.
إن فوز عبدول، المتوقع بقوة وفقا لما أراه، ترك داخلها إحساسا بالغربة الشديدة، ورغبة في استعادة الاهتمام والاحتفاظ بمكان على مسرح العمل السياسي
لم أقتنع بأنها تجاوزت الأزمة والهزيمة بهذه السرعة، أو أن الروح الرياضية- التي ما زالت، وستظل لوقت ليس بالقصير، أسيرة إحساس الغضب والفشل- قد حضرت معها اليوم.
هذا الفشل ليس خاصا بها، رغم أنها سببه المباشر، بل يخص تيارا تمثله داخل الحزب، وهو تيار المؤسسة العميقة والتقليدية. ويمثل خسارة لعقيدة فكرية تعتنقها وتفتخر بها، وهي الصهيونية. ويمثل أيضا خصاما، ولو مؤقتا، مع إسرائيل التي كانت تتباهى بأنها تزورها في أحلامها وتتحدث معها، وربما أكثر من ذلك؛ لا نعرف، فنحن لسنا بعالمين بتأويل الأحلام!
كان حديثها في هذه المناسبة، رغما عنها، محاولة غير مكتملة، في أحسن الأحوال، لإذكاء الحماس والمصالحة (ظاهريا)، والحديث عن الوحدة، وأن دعم عبدول وباقي المرشحين هو الواجب المتبقي لها في دورتها الحالية، التي تنتهي في يناير/كانون الثاني. وهي محطة بجانب محطات أخرى في مشوارها، منها تكليفها من قبل إدارة الرئيس أوباما بالعمل على مشروع لإنقاذ صناعة السيارات أثناء أزمة عامي 2008-2009. (وكانت قد استخدمت ذلك في إعلاناتها وكأنه تزكية لها من أوباما!). ولكن خالجني شك في إخلاصها، وريبة في كلماتها.
كان الشك والظن اللذان صاحباني يومها مقدمة لما عشته يقينا أنا والملايين في أمريكا، وبالتحديد في ولاية ميشيغان، تحت تأثير الصدمة التي أحدثتها هيلي صباح الأحد الماضي بظهورها الإعلامي مع مرشح الحزب الجمهوري لمقعد مجلس الشيوخ، مايك روجرز، في مواجهة عضو حزبها وغريمها السابق -ويبدو أنه ما زال كذلك- في الحزب الديمقراطي، عبدول السيد، الذي عانقته وتعهّدت بدعمه.
جاءت صباحا في زيارة للكنيسة، ربما بحثا عن كفارة الخطيئة التي ترتكبها في حق حزبها وناخبيها السابقين والحاليين، وفي حق الوعد والعهد اللذين قطعتهما ثم خرجت عنهما.
هذا الفشل ليس خاصا بها، رغم أنها سببه المباشر، بل يخص تيارا تمثله داخل الحزب، وهو تيار المؤسسة العميقة والتقليدية. ويمثل خسارة لعقيدة فكرية تعتنقها وتفتخر بها، وهي الصهيونية. ويمثل أيضا خصاما، ولو مؤقتا، مع إسرائيل التي كانت تتباهى بأنها تزورها في أحلامها وتتحدث معها
وفي سياق كل ما سبق، أعلنت دعم روجرز، وأن صوتها له، وبررت ذلك بردة فعل تراكم أثرها بسبب عدة مواقف لعبدول، تصفها بأنها معاداة للسامية، كما أعادت اجترار مواقف قديمة منسوبة إلى عمه وأقاربه، تصفها بأنها أيضا معادية للسامية، وكأنها لم تكن على علم بها عندما كانت تنافس في الانتخابات التمهيدية، وقبل أن تعلن دعمها له علنا بعد هزيمتها.
وظهرت في لقاء تلفزيوني تبرر موقفها، وتقول إن هذا الأمر كان ثقلا على كتفيها، وإنها أرادت التخلص منه بما يتفق مع قناعتها وقناعات الكثيرين؛ لأن ما قامت به عبّر عما يشعرون به، بل وحيّوها عليه!
خرجت في هذه المقابلة لتبرر ما لا يمكن تبريره، وأحدثت ضررا أكثر مما أرادت إصلاحه. وقالت أيضا إن صوتها كله ديمقراطي، باستثناء منصب مجلس الشيوخ، وهو منصب -لو كنتِ تذكرين- عظيم، وله أثر كبير -لو كنتِ تعرفين-؛ فهذا هو مقعد مجلس الشيوخ الذي له شأن في ولاية ميشيغان وفي مستقبلها.
وبررت ما قامت به بأنه كان رد الفعل الأخير على إعلان أطلقته مؤسسة مستقلة لدعم عبدول، الذي رفض محتواه علنا. راكمت هيلي آثارا سيئة وسلبية في علاقتها مع حملة عبدول منذ أغسطس/آب، حتى إن الحملة أصدرت بيانا الأسبوع الماضي تطلب منها عدم الحضور أو المشاركة في فعالياتها الانتخابية.
كان الشك والظن اللذان صاحباني يومها مقدمة لما عشته يقينا أنا والملايين في أمريكا، وبالتحديد في ولاية ميشيغان، تحت تأثير الصدمة التي أحدثتها هيلي صباح الأحد الماضي بظهورها الإعلامي مع مرشح الحزب الجمهوري لمقعد مجلس الشيوخ، مايك روجرز، في مواجهة عضو حزبها وغريمها السابق -ويبدو أنه ما زال كذلك- في الحزب الديمقراطي، عبدول السيد، الذي عانقته وتعهّدت بدعمه
أرى أن رغبة الثأر الشخصي غلبت على كل رغبة أخرى، وأن اقتراب موعد انصراف الأضواء عنها إلى الناجح الجديد في دائرتها أو في مقعد مجلس الشيوخ، واقتراب انفضاض السوق الانتخابي الذي شهد ذروة نشاطه بوصول أوباما ولقائه، راعيها السابق في مهمتها في البيت الأبيض، مع غريمها السابق والحالي، وربما المستقبلي، عبدول، كل ذلك جعلها تشعر بأن السوق سينفض على غير ما تحب وتتمنى.
إن فوز عبدول، المتوقع بقوة وفقا لما أراه، ترك داخلها إحساسا بالغربة الشديدة، ورغبة في استعادة الاهتمام والاحتفاظ بمكان على مسرح العمل السياسي.
ومحاولة إعادة تقديم أوراق اعتمادها إلى من لم يفلح دعمه لها أصلا في إنجاحها، رغم سخائه، وأعني بذلك "إيباك"، لوبي الدعم لإسرائيل.
كما ترغب في تغيير ارتباطها السياسي إلى الحزب الجمهوري، كعربون ولاء لعلها تجد، بما قامت به، مكانا في الصف الأول في حزب يتراجع إلى المركز الثاني أصلا في معظم السباقات وفي غالبية السياقات.
قامت بهذا الآن لأنها رأت أنها الفرصة الأخيرة، لكنها أساءت انتهازها، ولم تفلح في استثمارها بشكل يسمح لها بدور ثانوي مؤقت وعودة مؤكدة، كان يمكن أن تكون أفضل في مستقبل عملها السياسي، في حزبها الذي أعلن طردها وخسرت فريقها الذي استقال بشكل جماعي!
وكان يمكن أن تستثمر ما سجلته في هذا الحزب من خبرة وإنجاز كانا كفيلين، مع الوحدة الحزبية والالتزام بالوعود، بإيجاد دور لها ومكان مهم في المستقبل.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





