لماذا تركز سوريا على التنقيب البحري حالياً؟
لكونه يمثل فرصة أسرع لجذب الاستثمارات والشركات العالمية.
ما أهمية دخول قطر للطاقة إلى السوق السورية؟
يمنح دمشق دعماً مالياً وسياسياً في ملف إعادة بناء قطاع الطاقة.
تسعى دمشق إلى استعادة حضورها النفطي عبر بوابة الاستكشاف البحري شرقي المتوسط، بعد سنوات الحرب والعقوبات وتضرر البنية التحتية، عبر شراكات تجمع التمويل الخليجي والخبرة الغربية.
وتعكسُ عودة شركات غربية كبرى إلى السوق السورية، بدعم من شركة "قطر للطاقة"، تحوّلاً في مقاربة الاستثمار الطاقي داخل سوريا، حيث تمتزج رهانات الثروة البحرية شرق المتوسط بمحاولات إعادة دمج دمشق تدريجياً في شبكات الاقتصاد والطاقة الإقليمية.
وفي خطوة تعكس تنامي الاهتمام الدولي بقطاع الطاقة السوري، أعلنت "قطر للطاقة" و"توتال إنرجيز" الفرنسية و"كونوكو فيليبس" الأمريكية، في 12 مايو، توقيع مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول للتعاون في استكشاف النفط والغاز في "البلوك 3" قبالة الساحل السوري قرب اللاذقية.
ووفق بيانات الشركات، تشمل الاتفاقية إجراء مراجعة فنية لتقييم إمكانات المنطقة البحرية، إلى جانب وضع إطار للمناقشات الفنية والتجارية بين الشركاء، ضمن تحركات الحكومة السورية الجديدة لإعادة تنشيط قطاع الطاقة وفتح المجال أمام الشراكات الدولية.
ويقع "البلوك 3" ضمن حوض الشام البحري في شرق البحر المتوسط، قبالة مدينة اللاذقية، وتتراوح أعماق المياه فيه بين 100 متر و1700 متر، ما يعزز احتمالات وجود مكامن غازية ونفطية تحتاج إلى تقنيات متقدمة واستثمارات ضخمة لتطويرها.
وخلال مراسم التوقيع في الدوحة، قال وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ"قطر للطاقة" سعد الكعبي، إن الاتفاقية تعكس استمرار تنفيذ استراتيجية الشركة للنمو الدولي واستكشاف فرص تطوير أعمال النفط والغاز إقليمياً وعالمياً، مؤكداً التطلع للعمل مع الشركة السورية للبترول والشركاء الدوليين لتقييم هذه الفرصة.
بدوره قال نائب الرئيس الأول للاستكشاف والإنتاج في "توتال إنرجيز" لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جوليان بوجيه: إن الشركة "سعيدة بالدخول في هذه الشراكة الجديدة" مع الشركة السورية للبترول.
ونوّه بأن العلاقة بين الجانبين امتدت من عام 1988 حتى عام 2011، قبل مغادرة الشركة البلاد التزاماً بعقوبات الاتحاد الأوروبي على نظام بشار الأسد آنذاك.
ويتزامن الاتفاق الجديد مع تصاعد اهتمام شركات الطاقة العالمية بالمشاريع السورية منذ الإطاحة بنظام الأسد، أواخر عام 2024، في وقت تحاول فيه دمشق إعادة تموضعها على خريطة الطاقة الإقليمية بعد سنوات العزلة.
ووفق "رويترز"، اختارت شركة "شيفرون" الأمريكية، في 11 مايو، موقع أول مشروع سوري للتنقيب عن النفط والغاز في المياه العميقة، على أن تبدأ العمليات الفنية خلال الصيف المقبل، في مؤشر على تسارع التحركات الدولية نحو قطاع الطاقة السوري البحري.
كما وقّعت الشركة السورية للبترول، خلال فبراير الماضي، مذكرة تفاهم مع "شيفرون" و"باور إنترناشيونال" القطرية لتطوير أول مشروع بحري للنفط والغاز في سوريا، بينما سبقتها اتفاقية أخرى في نوفمبر 2025 مع "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا إنرجي" لتطوير حقول غاز وإطلاق برامج استكشاف جديدة، بحسب وكالة الأنباء السورية.
وتحاول دمشق بالتوازي إعادة تنشيط الحقول البرية المستعادة، إذ استعادت الحكومة السورية، خلال يناير وفبراير الماضيين، السيطرة على حقول رئيسية في شمال شرقي البلاد، بينها حقل العمر النفطي، أكبر حقول سوريا، وحقل طابية للغاز في دير الزور، وفق بيانات مؤسسة "وود ماكنزي".
وفي مارس الماضي، أعلنت الشركة السورية للبترول إعادة تشغيل مجموعة الضخ الرئيسية في حمص بعد توقف استمر 12 عاماً، في خطوة تستهدف تعزيز إمدادات المصافي ومحطات توليد الكهرباء.
ويؤكد الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي أن دخول شركة "قطر للطاقة" إلى السوق السورية يمثل تحولاً جذرياً في المشهد الاستثماري، حيث يسهم وجود شركة بهذا الثقل العالمي في تحفيز كبرى الشركات الدولية لتنفيذ مشاريع مماثلة في البلاد.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن "الخبرات الطويلة التي تمتلكها قطر للطاقة في مجالات التنقيب والاستخراج كفيلة بنقل قطاع الطاقة السوري من حالته البدائية والمتهالكة إلى مرحلة متقدمة، مما يشكل ركيزة أساسية في عملية بناء وإحياء الاقتصاد الوطني".
ويرى قضيماتي أن قطاع الطاقة في سوريا يحتاج بشدة إلى إعادة هيكلة وتطوير شامل، مشيراً إلى غياب الدراسات الدولية الموثقة حول الاحتياطيات الحقيقية في المياه الإقليمية، رغم وجود تقارير تشير إلى مخزونات هائلة من الغاز الطبيعي لم تُكتشف بعد.
ويبيّن الباحث أن دخول استثمارات تقودها شركات ضخمة لها ارتباطات عالمية لا يمكن أن يتم بمعزل عن تفاهمات دولية وضمانات مالية وسياسية مدروسة، مما يمهد الطريق لتجاوز العقبات والمخاطر التي كانت تواجه المستثمرين سابقاً.
ولفت إلى أن هذا الاستثمار سينعكس إيجاباً على قطاعات حيوية أخرى كالمصارف، حيث ستضطر القنوات المالية الرسمية لمواكبة التعاملات الدولية، إضافة إلى تطوير أسطول النقل البري والبحري لضمان عمليات التصدير والتسويق بكفاءة عالية.
ويشير قضيماتي إلى أن النظام في السابق كان يفرض قيوداً صارمة على دخول الشركات الدولية، مما حال دون توفر بيانات دقيقة حول حجم الثروات في البحر السوري، واصفاً الاحتياطيات المحتملة بأنها قد ترتقي لمستوى الاكتشافات الكبرى.
ويعتقد أن بدء استخراج الغاز السوري سيغير من تموضع الدولة في خريطة الطاقة العالمية، حيث ستقدم سوريا نفسها كمورد جديد يتمتع بموقع استراتيجي مباشر على البحر، مما يقلل من حدة الأزمات الجيوسياسية التي تضرب إمدادات الطاقة العالمية.
ويضيف أن الدور الجديد لسوريا كمصدر للطاقة سينعكس بالفائدة المباشرة على الاقتصاد المحلي والشعب السوري، خاصة في ظل توجه الدولة نحو تصفير المشكلات مع الجوار، مما يعزز من قيمة الاستقرار الاستثماري في المستقبل القريب.
ويؤكد قضيماتي أن وجود استثمار بهذا الحجم سيسرع من وتيرة الإجراءات التنظيمية والتشريعية في سوريا، مما يفتح الأبواب على مصراعيها أمام تدفق رؤوس الأموال الأجنبية في مختلف القطاعات المرتبطة بالبناء والإنتاج.
وكانت سوريا تنتج نحو 380 ألف برميل نفط يومياً قبل اندلاع الحرب عام 2011، إضافة إلى 316 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بينما كان قطاع النفط والغاز يشكل نحو ربع إيرادات الدولة السورية.
لكن سنوات الحرب الممتدة لنحو 14 عاماً أدت إلى تراجع حاد في الإنتاج نتيجة خروج الحقول عن سيطرة الحكومة وتضرر البنية التحتية وتعطل استثمارات الشركات الأجنبية، ما دفع دمشق لاحقاً إلى إعادة الانفتاح على الشركات الدولية لإعادة بناء قدراتها النفطية والغازية.
وفي عام 2011، كانت "توتال إنرجيز" تنتج نحو 53 ألف برميل من المكافئ النفطي يومياً في سوريا، معظمها من الغاز الطبيعي، قبل انسحابها من السوق السورية بفعل العقوبات الأوروبية.
وتتركز أبرز الحقول النفطية السورية في محافظتي دير الزور والحسكة، بما يشمل حقول العمر والتنك والجفرة والتيم والرميلان والسويدية، فيما تنتشر الحقول الغازية الرئيسية في وسط البلاد وشرقي حمص، مثل الشاعر وحيان وجزل والفرقلس، إضافة إلى منشآت غاز مرتبطة بدير الزور.
Loading ads...
ومع تصاعد الاهتمام الإقليمي والدولي بقطاع الطاقة السوري، تبدو دمشق أمام فرصة لإعادة توظيف مواردها النفطية والغازية ضمن معادلات الاقتصاد والسياسة معاً، غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية على توفير بيئة مستقرة للشركات الأجنبية وسط تعقيدات العقوبات والأمن والتنافس الإقليمي في شرق المتوسط.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






