تتحرك دمشق خلال الأسابيع الأخيرة ضمن مقاربة تضع علاقتها بكلّ من موسكو وواشنطن تحت مراجعة دقيقة، بعد جولة لقاءات شملت محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم نقاشات متقدمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة واشنطن.
ويمكن أن يشير هذا التسلسل إلى رغبة في إعادة تنظيم موقع الدولة الجديد داخل شبكة العلاقات الدولية المؤثرة في الملف السوري، عبر قراءة أكثر تحديداً لما يفرضه الواقع المستجد داخل البلاد، وما يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة. كما أنه من الطبيعي أن تتعامل دمشق مع المسارين الروسي والأميركي بوصفهما مسارين منفصلين ومترابطين في الوقت نفسه، لأن كل منهما يحمل مطالب مختلفة وأدوات تأثير متباينة.
ومن خلال هذا التوازن الحذر، يمكن أن تسعى دمشق إلى بناء مساحة عمل تتيح لها إعادة تنظيم موقعها في السياسة الخارجية دون الانتقال إلى خيارات حادة أو الالتزام الكامل برؤية طرف واحد. كما يعكس هذا الأسلوب توجهاً من أجل اختبار نموذج يوفّر أكبر قدر ممكن من المرونة، مع الإبقاء على القدرة على التفاعل مع التحولات التي تشهدها الساحة السورية خلال الفترة الأخيرة.
تنظيم علاقة دمشق مع موسكو
قد يكون اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع مع فلاديمير بوتين قد أتاح لكل من دمشق وموسكو استعادة النقاط التي شكّلت إطار التواصل السياسي خلال المرحلة السابقة، وفتح المجال أمام نقاشات ترتبط بالمرحلة المقبلة داخل سوريا. ومن الطبيعي في الوقت ذاته أن تكون موسكو قد تابعت بقلق التطورات التي تُظهر دخول أطراف دولية وإقليمية أخرى إلى مساحات كانت تُدار حصراً عبر قنواتها.
لهذا جاءت الرسائل الهادئة التي قدّمتها دمشق في موسكو لتعيد تأكيد أهمية الدور الروسي، مع طرح تصور أوسع لطريقة إدارة العلاقات الخارجية، بما يعكس رغبة في استيعاب الظرف الدولي دون صدام أو قطيعة. هذا النمط ينشئ مستوى من التفاهم قابل للتطوير، ويمنح دمشق مساحة تستطيع عبرها إعادة النظر في أدوات النفوذ التي تتعامل بها موسكو على الأرض.
هنا يظهر مفهوم "الاستقلالية المقيدة" كأحد المفاتيح المفهومية التي تساعد على تفسير سلوك الدول حين تتحرك داخل نطاقات نفوذ تفرض قيوداً متفاوتة على القرار الوطني، ويستند هذا المفهوم إلى فكرة أن الدولة لا تمارس استقلاليتها بشكل مطلق، ولا تعمل أيضاً تحت تبعية كاملة، بل تشتغل ضمن مجال وسط يسمح بمزيج من المبادرة والحسابات المفروضة.
وفي الحالة السورية، تتضح ملامح هذا النموذج من خلال هوامش الحركة التي تُبنى في العلاقة مع موسكو وواشنطن، حيث لا بد أن تُدار القرارات الخارجية وفق قراءة دقيقة لحدود الممكن، مع محاولة الحفاظ على قدر من الحرية السياسية التي تمنح القدرة على المناورة، ويُظهر هذا الإطار كيفية تنظيم دمشق خياراتها الخارجية ضمن حدود ما تتيحه الظروف الدولية، لأنه يعكس طريقة التعامل مع القيود دون الوقوع داخل بنيتها بشكل كامل، ومع الفرص دون تحويلها إلى التزامات واسعة يصعب تعديلها لاحقاً.
الانخراط مع واشنطن
على الجهة المقابلة فإن اللقاءات التي جرت في واشنطن تمنح المشهد بعداً مختلفاً، لأنها جاءت في مرحلة يتغير فيها تصور الولايات المتحدة لدورها في الشرق الأوسط. ويظهر من التفاصيل أن واشنطن لا تبحث بالضرورة عن اتفاق شامل، بقدر ما تبحث عن نقاط اشتباك دبلوماسي يمكن أن تُبنى عليها تفاهمات جزئية تتصل بالأمن الإقليمي، وانتشار القوى المسلحة، وإدارة الحدود.
يمكن أن تنظر دمشق إلى هذه القناة باعتبارها خطاً ضرورياً يسمح بإعادة قراءة موقعها في المعادلة الدولية، ويتيح فرصة لفهم شروط المرحلة السياسية، من دون أن يتجاوز ذلك حدوداً قد تعرّض علاقتها مع روسيا إلى توترات أو انتكاسات غير مرغوبة. وهنا لا بد أن يتم التعامل مع واشنطن من موقع الحذر المحسوب، إذ لا بد لدمشق أن تدرك بأن أي تواصل غير مضبوط قد تُفسّره موسكو كتبدّل استراتيجي، في حين أن واشنطن نفسها لا تمنح إشارات واضحة حول المدى الممكن لهذا الانخراط.
وتقدم أدبيات الدولة الصغيرة نموذج "التموضع الذكي" الذي يفسّر قدرة الدول المتوسطة والصغيرة على تعظيم تأثيرها رغم محدودية الإمكانات، حيث يعتمد هذا النموذج على استخدام المعرفة الدقيقة بالتناقضات الدولية من أجل خلق مسارات متعددة تمنح الدولة قدرة على التفاوض من موقع أفضل. ويظهر أثر هذا النموذج في الطريقة التي تتحرك فيها دمشق بين موسكو وواشنطن، حيث يجري بناء قنوات موازية تساعد على توزيع الضغوط وتوسيع الخيارات، من دون الدخول في مركز واحد تنتج عنه التزامات طويلة. ويتيح هذا التموقع فرصة مراكمة نفوذ نسبي يتجاوز حجمها الفعلي، لأن تعدد القنوات يمنح أدوات إضافية لموازنة الأطراف الكبرى والتحرك وسط شبكة مصالح معقدة. وهنا تتحول السياسة الخارجية إلى مساحة تتجاوز السرديات التقليدية عن المحور الواحد، وتقترب من نموذج مرن يشتغل على تنويع نقاط الاتصال بما يتناسب مع تغير اللحظة الدولية.
سوريا وإدارة التوازن عبر مسارات متوازية
من الطبيعي أن تسعى دمشق إلى إنشاء مساحة تتحرك داخلها من خلال قراءة دقيقة لطبيعة المصالح المتداخلة بين موسكو وواشنطن. فالفكرة تقوم على عدم إنتاج مركز واحد يرتكز عليه القرار الخارجي، وإنما على رسم مسارات متوازية، تمنح كل طرف مؤشرات كافية حول استمرارية العلاقة، مع الحفاظ على هامش يساعد على إعادة ضبط الإيقاع عند كل مفترق جديد. هذه السياسة تمنح قدرة أكبر على إدارة الظرف الدولي، لأن التباينات بين موسكو وواشنطن تساعد على إدخال عناصر مناورة لا تتوفر حين تكون العلاقة محكومة بتوجيه واحد.
ومع ذلك، فإن هذا النموذج يحتاج إلى قدرة مؤسساتية عالية في تحليل اتجاهات السياسة الدولية، ومهارة في تفسير الإشارات القادمة من العاصمتين، وتحديث آليات التواصل بما يضمن عدم إنتاج التباسات تؤدي إلى ضغوط مضادة. لذا فإن بناء هذا النموذج يتم من خلال سلوك متدرج يظهر في نمط اللقاءات وأولويات الخطاب وحدود الاستجابة للطلبات الدولية.
وهنا يقدّم لنا مفهوم "السيادة المتغيرة" إطاراً يساعد على قراءة طبيعة القرار في الدول التي شهدت نزاعات ممتدة أو تحولات بنيوية عميقة. فالسيادة لا تُفهم ضمن هذا الإطار ككتلة صلبة ثابتة، بل كقدرة تتغير تبعاً لتوازن النفوذ الداخلي والخارجي، ولإمكان الدولة في استعادة وظائفها تدريجياً عبر تفاهمات مرحلية.
وتمنح هذه المقاربة زاوية إضافية لفهم حركة دمشق في المرحلة الراهنة، إذ يتم العمل على موازنة حضور القوى الدولية مع محاولة تثبيت الوظائف الضرورية للدولة، ولا يجري التعامل مع السيادة كحدّ صارم مغلق، بل كمسار يُعاد تشكيله عبر خطوات تراكمية في ملفات الأمن، والحدود، والسياسة الخارجية. هذا الإطار يسمح بقراءة أكثر واقعية لحدود الحركة السورية، لأنه يربط بين ما تستطيع الدولة أن تمارسه، وما تُتاح لها ممارسته ضمن الظرف الدولي القائم.
Loading ads...
ختاماً، فإن أدبيات النظم الانتقالية تُفسّر كيفية تشكّل السياسة الخارجية في المراحل التي تمر فيها الدولة بإعادة بناء للشرعية ولتوزيع السلطة بين المؤسسات. ففي مثل هذه السياقات، تعمل السياسة الخارجية كامتداد لعملية التثبيت الداخلي، لأنها تُستخدم لضبط الإيقاع مع القوى الدولية وتحديد مستويات الانخراط التي يمكن للمؤسسات تحملها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


