في غضون أيام قليلة فقط تحولت شركت "سبيس إكس" إلى حديث الأسواق العالمية بعد أكبر اكتتاب عام أولي في تاريخ "وول ستريت"، وخلال أيام معدودة تدافع المستثمرون على أسهم الشركة المملوكة لإيلون ماسك، الذي أصبح أول تريليونير في التاريخ.
الإقبال الكثيف على أسهم الشركة لم يعكس فقط شهية المستثمرين تجاه قطاع الفضاء التجاري، بل أعاد رسم حدود الثروة والنفوذ في عالم التكنولوجيا.
لكن خلف هذا الصعود السريع تبرز أسئلة أكبر؛ هل يعكس تقييم "سبيس إكس" قوة حقيقية في نموذج أعمالها، أم أننا أمام موجة مضاربة جديدة تقودها رهانات المستثمرين على المستقبل؟ وما الذي يعنيه دخول شركة فضاء خاصة بهذا الحجم إلى الأسواق العامة بالنسبة لـ"وول ستريت"، وقطاع التكنولوجيا؟
منذ إعلان الطرح كان واضحاً أن "سبيس إكس" لا تستعد لاكتتاب تقليدي، ووفق وكالة "رويترز" (3 يونيو 2026)، فقد حددت الشركة سعراً ثابتاً يبلغ 135 دولاراً للسهم، في خطوة غير معتادة في أسواق المال، بهدف جمع 75 مليار دولار عبر بيع أكثر من 555 مليون سهم، مع تقييم يقارب 1.75 تريليون دولار.
وبحسب تقرير الوكالة، فقد تجاوزت طلبات المستثمرين 250 مليار دولار أثناء عملية التسويق، وهو ما رفع معدل التغطية إلى ما بين 3.5 و4 مرات حجم الطرح.
كما قرر مديرو الاكتتاب لاحقاً تفعيل خيار "الغرين شو"، وشراء 83.3 مليون سهم إضافية، لترتفع حصيلة الطرح إلى أكثر من 85.7 مليار دولار، متجاوزة بأكثر من الضعف الرقم القياسي السابق المسجل باسم أرامكو السعودية عام 2019.
هذه الأرقام الضخمة منحت الاكتتاب زخماً إعلامياً واستثمارياً استثنائياً، وجعلته حدثاً عالمياً يتجاوز حدود قطاع التكنولوجيا أو الفضاء.
وفور بدء الاكتتاب رسمياً في الأسواق (الجمعة 12 يونيو) ارتفع السهم إلى نحو 172 دولاراً في أولى جلسات التداول، ليصل بحلول جلسة الثلاثاء 16 يونيو إلى أكثر من 212 دولاراً، قبل أن يتراجع بحلول الخميس 18 يونيو لمستوى 177 دولاراً، ما عزز التساؤلات حول سر هذا الإقبال الاستثنائي.
ELON MUSK: "It is certainly hard to believe that little company that started in a warehouse in El Segundo is now going public. It was the largest IPO ever, and let me tell you, if people had told me this was gonna happen, I was like, man, you must be smoking some really good… pic.twitter.com/NAcJ9UkDqT
— DogeDesigner (@cb_doge) June 12, 2026
يصعب الحديث عن نجاح الاكتتاب دون التوقف عند اسم إيلون ماسك، فبالنسبة إلى شريحة واسعة من المستثمرين لا يمثل شراء سهم "سبيس إكس" استثماراً في شركة واحدة بقدر ما يمثل رهاناً على سجله في بناء شركات غيرت قطاعات كاملة، من السيارات الكهربائية إلى المدفوعات الرقمية.
وبحسب نانسي تنغلر، الرئيسة التنفيذية لشركة "لافر تنغلر" للاستثمارات، في مذكرة نشرتها "سي إن بي سي عربية" في 12 يونيو 2026، فإن المقارنة الأقرب لـ"سبيس إكس" ليست مع شركات التكنولوجيا التقليدية، بل مع "أمازون"، التي نجحت في خلق أسواق جديدة بالكامل.
كما قالت تنغلر: إن "المستثمرين ينظرون إلى الشركة باعتبارها مشروعاً طويل الأجل، يمتد أفقه إلى خمس أو عشر سنوات، وليس مجرد فرصة مضاربة قصيرة الأجل".
لكن جاذبية "سبيس إكس" لا تتوقف عند ماسك وحده -بحسب "رويترز"- فالمستثمرون يشترون منظومة متكاملة تضم إطلاق الصواريخ، وشبكة "ستارلينك" للإنترنت الفضائي، ومشاريع الاستكشاف، والبنية التحتية للاقتصاد الفضائي المستقبلي.
وتستند الشركة في قوتها إلى هيمنتها على قطاع الإطلاقات الفضائية، إلى جانب النمو التجاري لخدمة "ستارلينك"، التي ينظر إليها محللون باعتبارها المصدر الأبرز للإيرادات والأرباح.
كما عزز دخول الذكاء الاصطناعي من جاذبية الشركة بعد اندماجها مع "xAI" التابعة لماسك، المطورة لروبوت المحادثة "غروك"، في صفقة قدرت قيمة أعمال الذكاء الاصطناعي بنحو 250 مليار دولار.
ومنذ ذلك الحين باتت "سبيس إكس" تُقدم للمستثمرين كمنصة تجمع بين الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية.
وقال كيث سنايدر، كبير المحللين في شركة "CFRA" للأبحاث الاستثمارية لـ "رويترز" (8 يونيو 2026)، إن "سبيس إكس" تمثل أول فرصة حقيقية للمستثمرين للدخول المباشر في قطاع الذكاء الاصطناعي عبر الأسواق العامة، في ظل عدم إدراج شركات مثل أوبن إي آي" و"أنثروبوتيك" حتى الآن.
ورغم الزخم الكبير، لا يتفق الجميع على أن الحماسة الحالية مبررة بالكامل، ووفق تقرير للكاتب محمد يوسف في موقع "الجزيرة نت" (12 يونيو 2026)، فإن جزءاً مهماً من قصة "سبيس إكس" يقوم على "وعود مستقبلية" أكثر من اعتماده على نتائج مالية قائمة بالفعل.
وأشار التقرير إلى أن "الشركة لا تزال تسجل خسائر في بعض قطاعاتها الرئيسية، وأن جزءاً كبيراً من تقييمها يستند إلى تقنيات وأسواق لم تتشكل بعد بشكل كامل".
من جانبها نقلت وكالة "رويترز" عن مؤسسة "مورنينغ ستار" تقديراً يضع القيمة العادلة للشركة عند نحو 780 مليار دولار فقط، أي أقل بكثير من التقييم الذي دخلت به إلى السوق.
وأشارت إلى أن "السهم يتداول عند مضاعفات مرتفعة للغاية مقارنة بإيراداته الحالية، بينما تعتمد توقعات النمو على مشاريع مستقبلية تشمل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الفضائية وسوقاً محتملة تصل قيمتها إلى 28.5 تريليون دولار".
ولهذا يرى بعض المحللين أن السوق لا تشتري أداء "سبيس إكس" الحالي، بل تشتري ما يمكن أن تصبح عليه خلال العقد المقبل.
في المحصلة لا يبدو أن الإقبال الهائل على اكتتاب "سبيس إكس" نابع من عامل واحد، بل من تلاقي عدة رهانات كبرى في سهم واحد، إيلون ماسك، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، وشبكة ستارلينك، والطموحات المرتبطة باستكشاف المريخ والبنية التحتية الرقمية المستقبلية.
ويرى المستشار والمدرب المالي غازي المهايني، المدير التنفيذي لشركة "أكسايبر" لخدمات المالية والاستثمار، أن ثمة عديداً من العوامل تقف وراء الإقبال الاستثنائي على أسهم "سبيس إكس".
ويضيف المهايني أن التقييم الحالي لـ"سبيس إكس" لا يستند فقط إلى الأداء المالي الراهن، بل يعكس بدرجة كبيرة توقعات المستثمرين للمستقبل، لافتاً إلى أن جزءاً مهماً من القيمة مرتبط بالتدفقات النقدية الحالية من خدمات الإطلاق ومنظومة "ستارلينك".
- الجزء الأكبر من القيمة يمثل رهاناً على توسع الاقتصاد الفضائي عالمياً، وعلى قدرة الشركة على تحويل التكنولوجيا الفضائية إلى خدمات تجارية واسعة النطاق.
- تطور الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة يزيد من أهمية البنية التحتية الفضائية والاتصالات العالمية، ما يمنح "سبيس إكس" فرص نمو إضافية، لذلك يمكن القول إن التقييم يجمع بين أساس تشغيلي قوي وبين توقعات مستقبلية مرتفعة جداً.
- استمرار الزخم بعد الإدراج سيعتمد على قدرة الشركة على تحقيق معدلات نمو تتوافق مع التوقعات المرتفعة الحالية، وفي المدى القصير قد نشهد طلباً قوياً مدفوعاً بندرة الفرص الاستثمارية في قطاع الفضاء، لكن على المدى المتوسط والطويل ستصبح النتائج المالية والتشغيلية هي العامل الحاسم.
- أبرز المخاطر التي تواجه الشركة تتمثل في ارتفاع التقييم مقارنة بالأرباح الحالية، والمخاطر التقنية المرتبطة بالمشروعات الفضائية، والتحديات التنظيمية في مختلف الدول، إضافة إلى المنافسة المتزايدة في قطاع الاتصالات الفضائية.
Loading ads...
- كما أن أي تباطؤ في نمو "ستارلينك"، أو تأخر في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية قد يؤدي إلى ضغوط على سعر السهم مستقبلاً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

فرنسا تستعد لموجة حر جديدة وسط مخاوف من ارتفاع الوفيات
منذ ثانية واحدة
0





