شهر واحد
تفاوض تحت القصف.. ما السيناريوهات المحتملة لمحادثات لبنان و"إسرائيل"؟
الأحد، 19 أبريل 2026
شهدت العاصمة الأميركية واشنطن، يوم الثلاثاء، محادثات مباشرة بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، بالتوازي مع التصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر على الأراضي اللبنانية، وسط انقسام حاد بالمواقف بين الفرق والأحزاب السياسية اللبنانية بين مؤيد ورافض لها.
في الوقت نفسه، وبعد ساعات فقط من المحادثات استهدف الاحتلال الإسرائيلي بلدتي السعديات والجية الساحليتين جنوبي بيروت، خارج مناطق نفوذ حزب الله، بالتزامن مع تصعيد مستمر في الجنوب حيث تجاوز عدد القتلى 2000 شخصاً منذ مطلع آذار الماضي وآلاف الإصابات إلى جانب دمار هائل في البنى التحتية.
وفي ختام أول جلسة تحضيرية للمحادثات المباشرة بين لبنان و"إسرائيل" شارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، كما ضم الاجتماع، الذي استغرق أكثر من ساعتين، سفيرة لبنان في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى.
ورغم أن البيانات الرسمية لا تكشف تفاصيل ما حدث خلال المفاوضات، خاصة أن لبنان بموقف حرج وضعيف ولا يفاوض من موقع قوة، أمام التغول الإسرائيلي بعد الحرب، وعدم حياد الوسيط الأميركي، إلا أن ما رشح يشير إلى وقف الأعمال العدائية ووقف إطلاق نار ونزع سلاح حزب الله.
ولابد من الإشارة إلى أن حزب الله المدعوم من إيران يرفض مسار التفاوض المباشر الذي قد يؤدي إلى التطبيع، إلا أن الحزب كان جزءاً من ملف ترسيم الحدود اللبنانية - الإسرائيلية التي انطلقت في عهد ترمب بـ 14 تشرين الأول 2020، وكانت المرة الأولى التي يجري فيها مفاوضات بين بيروت وتل أبيب منذ 30 عاماً، والتي كانت تعني ضمناً "اعترافاً بوجود دولة إسرائيل".
ومنذ إطلاق مشروع "اتفاقيات أبراهام" للتطبيع بين الاحتلال الإسرائيلي ودول المنطقة العربية برعاية أميركية، أو ما يمكن القول إنه مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لم تزد عدد الدول الملتحقة به بعد عام 2020 (شمل الإمارات والبحرين والمغرب والسودان)، حيث يسعى ترمب بالشراكة مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى زيادة عدد هذه الدول التي توقع اتفاقيات تطبيع أو ما يراها كثيرون "اتفاقيات إذعان" تزيد من توسع ونفوذ "إسرائيل" بالمنطقة العربية.
ورغم أن ترمب يزعم أنه قد حقق السلام في الشرق الأوسط بعد عودته إلى البيت الأبيض عام 2025 بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في غزة، إلا أنه ما لبث أن شن هجوماً عسكرياً مشتركاً مع "إسرائيل" ضد إيران، شمل لبنان بعد ساعات قليلة (من جانب جيش الاحتلال فقط).
ويأتي التعريف اللبناني لهذه المفاوضات من خلال مبادرة طرحها الرئيس جوزيف عون، بنيت على إرساء هدنة كاملة تتوقف بموجبها الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى دعم الجيش اللبناني لوجستياً لتمكينه من السيطرة على المناطق التي تهاجمها إسرائيل حالياً، ونزع سلاح حزب الله.
المبادرة تنص مبدئياً على مباشرة لبنان والاحتلال بمفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق.
اللافت أن بنيامين نتنياهو استجاب للمبادرة، معلناً أنه أمر ببدء محادثات مع لبنان في أقرب وقت بناء على طلبات متكررة من بيروت، وعلى أساس ذلك، عقدت المفاوضات التمهيدية بين كل من سفيري لبنان تل أبيب في مقر الخارجية الأميركية بواشنطن.
ومن المعروف أن التفاوض مع الخصوم، أمر طبيعي، لكن في حالة لبنان الراهنة هناك حالة من الانقسام الشاقولي بين الفرقاء، وبالأخص بين حزب الله والأحزاب اللبنانية المسيحية التي يبدو أنها هي من تقود المفاوضات بالشراكة مع أحزاب لبنانية أخرى سنية ودرزية وشيعية قد لا تظهر متشجعة للخطوة لكنها ضمن الخط الحكومي وتطالب بتطبيق الاتفاق ونزع سلاح حزب الله والسير في خط التفاوض.
ورغم أن المبادرة طرحت على لسان الرئيس اللبناني إلا أن المؤشرات والظروف توضح الدفع الأميركي لحدوث هذا النوع من التفاوض وسط تدخلات خارجية واسعة في الشأن اللبناني وملف بهذا الحجم وفي فترة حرجة من تاريخ إحدى بلدان الطوق والذي عاش حرباً أهلية ونزاعات ما زال لها تأثير مباشر على قراره وسيادته.
ومن هنا يريد المفاوض اللبناني أن يحصل على حد للحرب قبل أي تفاوض موسع، مع إنهاء تدخل حزب الله وإيران في قرار السلم والحرب في لبنان، وإعادة سيطرة الجيش اللبناني على كامل الأرض.
في حين يريد الاحتلال شيئاً أساسياً قبل كل ذلك، وهو نزع سلاح حزب الله، وما يعتبره نتنياهو "تهديد الحدود الشمالية"، إلى جانب رغبة دونالد ترمب بتحقيق التطبيع ودفع لبنان لتكون جزءاً من اتفاقيات إبراهام.
وهنا ستتمكن "إسرائيل" من تحقيق هدفها من الحرب التي تدمر فيها جزء من لبنان، وهجرت مئات القرى، عبر تأمين حدودها بمنطقة عازلة أكبر من المتفق عليه بحكم سير المعركة والخروقات المستمرة، إلى جانب الوصول إلى التطبيع بأسهل مما هو متوقع.
وتمتد المنطقة العازلة في جنوبي لبنان المفترضة "إسرائيلياً"، تمتد وفق رؤيتها حتى نهر الليطاني، على بُعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود، بهدف إبعاد مقاتلي حزب الله ومنع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد شمالها. غير أن هذا الطرح يواجه تعقيدات كبيرة، إذ يرفض حزب الله أي وجود إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية ويشترط انسحابًا كاملًا، في حين تجد الدولة اللبنانية نفسها بين ضغوط دولية لتنفيذ ترتيبات أمنية جديدة، ومخاوف داخلية من تداعيات المساس بتوازنات القوة. وبذلك تبقى فكرة المنطقة العازلة نقطة خلاف مركزية، قد تتحول إما إلى صيغة أمنية مؤقتة تُفرض بقوة الواقع، أو إلى عامل تصعيد إضافي يهدد بتوسيع دائرة المواجهة.
وعلى أرض الواقع، إلى أي درجة يمكن للحكومة اللبنانية أن تنفذ ما يريده الاحتلال الإسرائيلي من نزع سلاح حزب الله، الذي يجد شرعية وجوده بسلاحه وما يطلق عليه "خيار المقاومة" رغم أنه كان شريكاً سابقاً في مسار التفاوض الذي يناقش مسألة ترسيم الحدود.
أما على مستوى السيناريوهات المحتملة، فيمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية ملف التفاوض بين الاحتلال ولبنان:
السيناريو الأول يتمثل في نجاح هذه المحادثات في الوصول إلى اتفاق أمني مرحلي، يقضي بإبعاد حزب الله نسبياً عن الحدود، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني بدعم دولي، وهو سيناريو ممكن فيما لو التزمت إسرائيل به قبل "حزب الله" الذي يرتبط قراره بقرار إيران، ولكن يظل السيناريو هشًا وقابلًا للانهيار مع أي تصعيد.
السيناريو الثاني هو تعثر المفاوضات بسبب تعقيدات الداخل اللبناني ورفض حزب الله شركائه لأي ترتيبات تحدّ من دوره العسكري، ما قد يؤدي إلى عودة التوتر وربما الانزلاق إلى مواجهة أوسع، خاصة في ظل الخروقات الإسرائيلية المستمرة وتحركات الحزب المدفوعة من الرد على اغتيال ما تبقى من قياداته أو التأثير الإيراني على قراراته.
وفي السياق، اعتبر عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" (التابعة لحزب الله) النائب حسن فضل الله في مؤتمر صحفي في مجلس النواب، اليوم الأربعاء، "أن السلطة في بيروت غير مؤهلة وتتغلّب فيها المصالح الفردية وأحياناً الطائفية على حساب الوطن".
ورأى أنها "تُمعن في تقديم التنازلات للعدو ودخلت مساراً خاطئاً يزيد الشرخ بين اللبنانيين"، مشيراً إلى أن "السلطة هي من سحبت الجيش من الجنوب لتتركه فريسةً للاحتلال وتعطيه فرصاً مجانية".
ولفت إلى أنه "رغم تدمير العدو ملعب بنت جبيل، فإنه عجز عن التقاط صورةٍ في داخله"، مشيراً إلى أن "العدو حاول تعويض هزيمته بالميدان في مفاوضات واشنطن".
وبالعودة إلى السيناريوهات في السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنه ممكن على المدى البعيد، فيتعلق بتحول هذه القناة إلى مسار سياسي أوسع، قد يفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية أشمل، خصوصًا إذا ترافقت مع تفاهمات تتعلق بإيران ودورها في المنطقة، وما هو ما يمكن أن يصل لعزل لبنان عن خيارات طهران، والتوصل إلى اتفاق تطبيع يكون حزب الله غير مشترك فيه لكنه لا يعارضه أو يقف في طريق تطبيقه واقعياً.
Loading ads...
وفي المحصلة، لا تمثل هذه المحادثات إنهاء الصراع بشكل فوري أو مباشر أو قريب حتى مقارنة مع ما حصل في سياق اتفاقيات أبراهام مع دول بعيدة ولم تخض حروباً مع الاحتلال، بل بداية مسار معقد لإعادة رسم التوازنات في جنوب لبنان، حيث يبقى العامل الحاسم هو مدى القدرة على نزع سلاح حزب الله ووقف خروقات إسرائيل التي لا تشمل حزب الله فقط بل تدمر لبنان اقتصاداً وعمراناً وشعباً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


