Loading ads...
المربع نت – هل نحن فعلًا أمام نهاية عصر “السيارة الأيقونة”؟ سؤال لم يكن مطروحًا بهذا الشكل قبل عشرين أو حتى عشر سنوات، لكنه اليوم يفرض نفسه بقوة مع كل كشف جديد، وكل تقرير مبيعات، وكل منصة تصميم تتحول إلى نسخة مكررة مما سبقها.لفهم ما يحدث الآن، يجب أولًا أن نحدد ما نعنيه بالسيارة الأيقونة. السيارة الأيقونية ليست مجرد طراز ناجح أو سيارة ذات مبيعات مرتفعة، بل منتج يتجاوز وظيفته الصناعية ليصبح رمزًا ثقافيًا. سيارة تُعرف من ظلها، تُسمع من نغمة محركها، وتُستدعى في الذاكرة حتى لمن لم يقُدها يومًا. سيارات مثل بورش 911، فيراري F40، نيسان جي تي ار R34، مرسيدس جي كلاس القديمة، تويوتا لاندكروزر 70، وحتى سيارات أكثر تواضعًا مثل فولكس واجن بيتل أو بيجو 205 GTI.هذه السيارات لم تكن أيقونية لأنها كانت مثالية، بل لأنها كانت صادقة. صادقة في هويتها، في هدفها، وفي حدودها. لم تحاول أن تكون كل شيء للجميع، ولكن اليوم، المشهد مختلف تمامًا.ماذا حدث للسيارات الأيقونية؟أول ضربة حقيقية لعصر الأيقونات جاءت من العولمة الصناعية. المنصات المشتركة أصبحت القاعدة لا الاستثناء. نفس الهيكل، نفس قاعدة العجلات، نفس الأنظمة الإلكترونية، تُلبس تصاميم مختلفة وتُباع تحت شعارات متعددة. الفارق بين سيارة وأخرى أصبح في الإضاءة الأمامية، شكل الشاشة، وربما إعداد نظام التعليق. هذه المقاربة نجحت تجاريًا، لكنها قتلت التفرد.عندما تقود سيارة اليوم، نادرًا ما تشعر أنك في عالم مختلف جذريًا عن سيارة أخرى من نفس الفئة. الأصوات متشابهة، العزل متقارب، الإحساس العام “مُهندَس” بعناية ليكون آمنًا، هادئًا، ومحايدًا. وهذا الحياد هو عدو الأيقونة الأول.الضربة الثانية جاءت من القوانين. الانبعاثات، السلامة، الضوضاء، الاستهلاك. كلها عوامل مفهومة ومبررة، لكنها دفعت الشركات إلى حلول متشابهة. محركات أصغر، شواحن توربينية، نغمات صناعية، وعلب تروس أوتوماتيكية تزيل أي علاقة ميكانيكية حقيقية بين السائق والسيارة. لم يعد هناك مجال كبير للجنون الهندسي، ولا للمجازفة.حتى السيارات الرياضية، التي كانت آخر معاقل الأيقونية، أصبحت اليوم أكثر “تهذيبًا” من اللازم. بورش 911 لا تزال عظيمة، لكنها لم تعد مفاجئة. جي تي ار الحالية مذهلة بالأرقام، لكنها فقدت تلك الشخصية الخام التي صنعت أسطورتها. فيراري الحديثة أسرع من أي وقت مضى، لكنها أقل خوفًا، أقل تمردًا.الكهرباء تخلط جميع الأوراق!السيارة الكهربائية، بطبيعتها، تزيل واحدًا من أهم عناصر الأيقونية: الصوت. ليس فقط الصوت، بل الإحساس بالتدرج، بالتفاعل، بالخطأ. السيارات الكهربائية متشابهة في التجربة الأساسية. تسارع قوي، صمت شبه كامل، وزن مرتفع، وسلوك يمكن توقعه. قد تختلف الأرقام، لكن الإحساس واحد.لهذا نرى أن معظم السيارات الكهربائية، حتى الفاخرة منها، لم تصنع أيقونات حقيقية حتى الآن. تسلا موديل اس كانت ثورية، لكنها لم تصبح أيقونة عاطفية. بورش تايكان رائعة هندسيًا، لكنها لم تخلق هوية مستقلة في الوجدان. وحتى السيارات الخارقة الكهربائية مثل ريماك، تُحترم أكثر مما تُحب.العامل الرابع هو تغيّر علاقة الناس بالسيارة نفسها.الجيل الجديد لا يرى السيارة كامتداد للشخصية كما كان الحال سابقًا. السيارة اليوم أداة، خدمة، أو منتج مؤقت. الاشتراك، التأجير، البيع السريع، كلها أصبحت طبيعية. فكرة الاحتفاظ بسيارة عشر سنوات وبناء علاقة معها باتت نادرة. كيف تُولد أيقونة في عالم لا يمنحها الوقت لتترسخ؟شاهد أيضًا: وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مزدوجًا. من جهة، ضخمت كل شيء بسرعة، ومن جهة أخرى قتلت الندرة. كل سيارة تُكشف تُستهلَك بصريًا خلال أيام. الصور، الفيديوهات، الآراء، المقارنات. لم يعد هناك وقت للدهشة، ولا مساحة للأسطورة كي تنمو ببطء.هل فعلًا انتهى عصر السيارة الأيقونة تمامًا؟ليس بالضرورة. لكنه تغيّر..الأيقونات المستقبلية، إن وُجدت، لن تولد من الكتالوجات ولا من أرقام التسارع. ستولد من الصدق مرة أخرى. من سيارات تقبل أن تكون محدودة، غير مثالية، وربما غير مناسبة للجميع. سيارات تملك هوية واضحة حتى لو دفعت ثمنها تجاريًا.لهذا نرى بوادر الأيقونية اليوم في أماكن غير متوقعة. في سيارات بسيطة لكن صادقة لأنها اختارت طريقًا واضحًا ولم تتراجع عنه.أول مثال واضح هو تويوتا GR يارس.. هذه سيارة ما كان ينبغي أن توجد أصلًا وفق منطق السوق. هاتشباك صغيرة، بمحرك ثلاثي الأسطوانات، دفع رباعي، وتكلفة تطوير عالية من أجل سباقات الرالي. ومع ذلك، تويوتا أصرت على تقديمها كما هي، دون تسويات كبيرة. GR يارس ليست الأسرع، ولا الأكثر راحة، لكنها تشبه سيارات التسعينات في فلسفتها: سيارة سباقات صُنعت للطريق، لا العكس. هذا النوع من الصدق هو وقود الأيقونية.مثال آخر هو بورش 911 GT3 بناقل يدوي.. نعم، 911 نفسها مؤسسة قائمة بذاتها، لكن GT3 اليدوية بالتحديد تمثل مقاومة صريحة لتيار الأتمتة الكاملة. بورش لم تكن مضطرة لإبقائها، ولا لإعادة الجير اليدوي بعد أن ألغته، لكنها فعلت لأن هناك جمهورًا يريد تجربة محددة، حتى لو كانت أقل سرعة على الورق. هذه السيارة ليست أفضل 911، لكنها الأكثر تعبيرًا عن الفكرة الأصلية.ثم لدينا لوتس إيميرا بمحرك V6.. في زمن تتحول فيه لوتس إلى الكهرباء، قررت أن تقدم سيارة أخيرة بمحرك احتراق تقليدي، خفيفة، منخفضة، وتركز على التوجيه والشاسيه قبل أي شيء آخر. إيميرا ليست مثالية، وتعاني من مشاكل طفولة، لكنها قد تصبح لاحقًا رمز “آخر لوتس الحقيقية”، تمامًا كما أصبحت إليز رمزًا لجيل سابق.ولا يمكن تجاهل سوزوكي جمني..سيارة صغيرة، بسيطة، بمحرك متواضع، وتصميم شبه عسكري. ومع ذلك، أصبحت رمزًا عالميًا لأن سوزوكي لم تحاول تحسينها لتناسب الجميع. لم تتحول إلى كروس أوفر ناعم، ولم تطلب رضا المدن الكبرى. جمني أيقونة لأن هويتها غير قابلة للمساومة.اقرأ أيضًا: هل تبني الصين صناعة سيارات عملاقة بهوامش ربحية شبه معدومة… أم أنها تعيد تعريف معنى الربح نفسه؟ما يجمع كل هذه الأمثلة ليس السعر، ولا الفئة، ولا حتى الأداء. ما يجمعها هو الوضوح. كل واحدة منها تعرف بالضبط ماذا تريد أن تكون، ولا تحاول إرضاء الجميع.وهنا نصل للنقطة الجوهرية: الأيقونة اليوم لا تُصنع في أقسام التسويق، بل في اللحظة التي تقرر فيها الشركة أن تخسر جزءًا من السوق مقابل الحفاظ على هويتها.إذا كانت هناك أيقونات جديدة قادمة، فلن تكون سيارات ممتازة في كل شيء، بل سيارات ناقصة بوعي. سيارات تقول لا أكثر مما تقول نعم.. الخلاصة أن عصر السيارة الأيقونة لم ينتهِ، لكنه لم يعد عصرًا عامًا. لم يعد كل عقد يُنجب عشرات الرموز. الأيقونة اليوم أصبحت استثناء نادرًا، يولد بصعوبة، ويعيش في هامش السوق لا في قلبه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






