ينتمي معرض الكتاب، الذي انتهى مؤخراً في دمشق، إلى سلالة معارض الكتاب في إدلب أكثر مما يشكل استعادة لتقاليد المعرض السنوي، الذي كانت تشهده العاصمة بتنظيم من المكتبة الوطنية التي كانت تسمّى "مكتبة الأسد".
ولا يعود ذلك فقط إلى التخلّص من المعالم الأسدية له، كما يقول منظّموه الجدد، بل إلى سمات عديدة نعرضها هنا، خاصة وأن الملامح الحربية التعبوية للمعرض لم تتضح إلا في السنوات الأخيرة من عمر النظام المخلوع، وبالتحديد بعدما فقد صفة "الدولي" واقتصرت المشاركات، في نسخه الأخيرة، على دور النشر المحلية، وانعدمت المشاركات العربية بسبب الأوضاع الأمنية وانهيار العملة وقيود العقوبات. فحمل وصف "السوري" وتقلصت مساحة أجنحته وتراجع عدد كتبه.
أمّا معرض إدلب للكتاب فقد انطلق في أيلول 2021، وأقيمت دورته الثانية في آب 2022، والثالثة في أيلول 2024. ومنذ نشأته بدا أن هدف قيادة "هيئة تحرير الشام" من تنظيمه هو إرسال إشارات الاعتدال للخارج، بوصفها جماعة تتغيّر عن النهج السلفي الجهادي وتستنكر وصفها بالإرهاب.
لا ترجع مورثات المعرض الجديد إلى ذلك القديم بسبب إدارته وفريقها فحسب، مع عدم الاستفادة من خبرات القسم الخاص بذلك في المكتبة الوطنية وتهميشها؛ بل أساساً إلى العقلية التي شقت طريق معرض إدلب..
وبالنظر إلى وظيفته السياسية حظي المعرض بدعم مالي وإداري واضحين، وكان من المهام الأثيرة لزيد العطار (أبو عائشة، أسعد الشيباني) وفريقه الذي ضم أسماء ستشتهر خلال السنة الفائتة؛ كعبيدة الأرناؤوط الذي ظهر في البداية كمتحدث رسمي باسم "الأمانة العامة للشؤون السياسية" ثم ممثلها في حمص، وكان أمين النسخة الثانية من المعرض، وسعد نعسان، ممثل "الشؤون السياسية" في حلب قبل أن يصبح نائباً لوزير الثقافة، ومديراً للنسخة الدمشقية "الاستثنائية" للمعرض كما كان مديراً لنسخته الإدلبية الأخيرة.
لا ترجع مورثات المعرض الجديد إلى ذلك القديم بسبب إدارته وفريقها فحسب، مع عدم الاستفادة من خبرات القسم الخاص بذلك في المكتبة الوطنية وتهميشها؛ بل أساساً إلى العقلية التي شقت طريق معرض إدلب، وهي الدعاية عبر الكتاب الذي لا يعود، والحال هذه، أعلى أولويات معرضه بل مبرره فقط.
إذ لم يكن أمام إدلب وقتئذ، لتنفي عنها صفة السواد، سوى تنظيم معرض "حضاري" يُسخّر له كل إعلام المنطقة وكوادرها الأكاديمية والأدبية، ويُدعى إليه أكبر عدد ممكن من الضيوف والمؤثرين من الخارج كانوا يُستقبلون بحفاوة بالغة بهدف استثمار تصريحاتهم خلال المعرض وبعده.
أما معرض دمشق فقد مشى خطوات إضافية باتجاه الكرنڤال الذي أرادت منه الحكومة عرض أذرعها وإنجازاتها. فلم تقتصر على تخصيص جناح لوزارة الثقافة، حوى "النارنجة والبحرة والموزاييك والسيف الدمشقي"، بل تعدته إلى وزارات ذات علاقة ما؛ كالتعليم العالي والبحث العلمي، والتربية والتعليم، والإعلام، وأخرى غير معنية مباشرة بالكتاب؛ كالدفاع، والداخلية، والأوقاف، والسياحة، والرياضة والشباب، والطوارئ والكوارث.
وفي هذا المهرجان عُرضت أسلحة محلية الصنع استُخدمت في معركة "ردع العدوان"، وشارك مدنيون وعسكريون في أمسية شعرية "فريدة من نوعها" بعنوان "لقاء بين السيف والقلم"، وقدّمت وزارة الدفاع محاضرتين بعنوان "الجيش منظومة معرفة ووعي" و"القيادة العسكرية الحديثة وإدارة الأزمات"، وألقى معاون وزير الداخلية ثالثة عن "الأمن الحديث: شراكة بين المؤسسة والمجتمع في ظل التطور العلمي"، في حين لم تحتج وزارة الأوقاف إلى تدخل كبير مع سيادة الطابع الإسلامي على أكثر المحاضرين واختتام كل يوم، تقريباً، بحفل من الإنشاد الديني.
ونظّمت وزارة الرياضة جلسة حوارية عن "واقع الرياضة الكروية السورية"، وقدّمت عرض فنون قتالية ضمت الكاراتيه والجودو والتايكواندو ورياضة الباركور، أمّا "الهيئة العامة للرقابة والتفتيش"، التي شاركت بجناح أيضاً، فألقى رئيسها محاضرة عن "النزاهة والتفتيش وأثرها على الاقتصاد".
ورصد قسم الأطفال "فرحة عيون الأمهات" وهن يشاهدن بهجة أبنائهن بالمسرحيات الخاصة وبناء الماكيتات، كما عرض قسم الفنون التطبيقية الخط العربي والنحت وتنزيل الميناء الباردة على الزجاج، فيما قدّم أحد الأجنحة وجبة "السوشي" معرّفاً بالثقافة اليابانية.
وكما جرت العادة مؤخراً، اهتمت إدارة المعرض بدعوة صانعي محتوى من العرب وبعض الأجانب، "ما يضفي طابعاً دولياً ويعزز الحضور الثقافي للمعرض" وفق رأيها، كما نظّمت رحلات لصانعي محتوى سوريين تتابعت وفودهم على زيارة المعرض من المحافظات، في حين أعطت الفرصة لكتّاب شبان، لم يسيروا أبعد من المؤثرين كثيراً، لإلقاء محاضرات في التنمية الذاتية، أو لعرض خواطر بصيغة القصة، كما شهد الشعر ازدهاراً واضحاً في أمسيات جماعية يومية.
لعل من حسنات المعرض أنه حوى جناحاً كردياً لأوّل مرة، وأن كتبه عُرضت من دون أي رقابة كما صرّحت إدارته..
وبقي لبعض المثقفين المحترفين المعروفين حضور عابر وسط الزحام الذي شهد ألف فعالية كما قالت الإدارة الشغوفة بالكمية، في حين كان النجوم الحاضرون من الكتّاب الإسلاميين ذوي الرواج كأيمن العتوم وأدهم الشرقاوي وجهاد الترباني، ومع هذه الأسماء برز حضور أردني وفلسطيني أضيف إلى ذلك السعودي والقطري، الدولتين اللتين حلّتا ضيفتي شرف، فضلاً عن مشاركات من الكويت ولبنان وغيرهما.
لعل من حسنات المعرض أنه حوى جناحاً كردياً لأوّل مرة، وأن كتبه عُرضت من دون أي رقابة كما صرّحت إدارته، وإن كانت طبيعة علاقاتها ومراسلاتها والدُور التي دعتها أضفت عليه طابعاً تراوح بين أن يكون محافظاً إلى إسلامياً، وإلى هذا الفضاء تنتمي الكتب التي دخلت البلاد بعد منع مديد، كما افتخرت الإدارة وإعلامها وضيوفها، وهو أمر هام لكنه بدهي في ظل الجو العام السائد، ولا يكفي وحده دليلاً على الحريات التي بحث المصورون طويلاً على إثبات لها فعثروا على المختلف على رفوف في الزوايا.
Loading ads...
ربما نردّد يوماً مع شارة مسلسل الحكايات العجائبية (كان يا ما كان)، التي استعارها منظّمو حفل الافتتاح: هل حدثت هذي الأحدوثة حقاً في تلك الأيام؟!
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




