ساعة واحدة
لماذا نفتتن بجرائم القتل؟… مسلسل "القصة الكاملة" وأسئلة الترفيه والأخلاق - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

لماذا نحن مهووسون/ مدمنون/ مغرمون بالقصص المستوحاة من جرائم حقيقية؟ سؤال يتكرر بصيغ مختلفة في الكثير من المقالات والدراسات الثقافية التي تحاول تفكيك هذا الشغف المتنامي الذي تغذيه منصات البث العربية والأجنبية وحلقات البودكاست والنصوص الأدبية.
يعود السؤال للواجهة مع كل عمل رائج ينتمي لهذا النوع، مثلما يحدث الآن مع مسلسل "القصة الكاملة" على منصة "شاهد"، ومنه تنطلق نقاشات أوسع تنفتح على كيفية اشتباك الدراما مع قضايا العنف، وأخلاقيات سرد المآسي، وما تفعله هذه القصص بأرواحنا وبنية مجتمعاتنا.
ينضم مسلسل "القصة الكاملة"، إنتاج مجدي الهواري، إلى موجة من المسلسلات المستمدة من ملفات المحاكم والوقائع الحقيقية التي شغلت الرأي العام المصري، أبرزها مسلسل "ساعته وتاريخه"، في امتداد لتيار عالمي واسع الانتشار. يتبنى المسلسل القالب الأنطولوجي، ويضم موسمه الأول 5 حكايات, كل منها يقع في 3 حلقات، مع تبدل فرق المؤلفين والمخرجين والأبطال من حكاية إلى أخرى. ومع عرض أول حكايتين، تجاوز النقاش حدود التقييم الفني ليصطدم بأسئلة أخلاقية وحقوقية ملحة، وبالأخص في حكاية "ما لم يُحكَ عن بني مزار".
قبل التعمق فيما يقدمه المسلسل الجديد، ربما علينا التوقف عند المصدر الذي استقى منه قصصه. على الصعيد العالمي، استلهمت بعض مسلسلات الجريمة الحقيقية، بنوعيها الروائي والوثائقي، حكاياتها وعناوينها من تحقيقات صوتية بارزة. صناعة هذا النمط من البودكاست رائجة في ذاتها، بعضها يميل للإثارة لتوليد متابعين، والبعض الآخر يمتد أثره أحياناً ليغير حياة مُدانين، ويعيد فتح ملفات مغلقة مثل بودكاست "serial" وقصته الشهيرة مع قضية عدنان سيد التي تحولت لاحقاً إلى السلسلة الوثائقية The Case" Against Adnan Syed".
يسير مسلسل "القصة الكاملة" على نفس الخطى، مستنداً إلى بودكاست يقدمه صانع المحتوى سامح سند، يستعرض خلاله قضايا حقيقية في إطار قصصي مشوق، يحظى بمتابعة عالية عبر يوتيوب، وإن غلب على السرد في كثير من الأحيان طابع الوعظ المباشر والتعليقات المتحفظة.
يقول سند إنه يُعدّ حلقاته اعتماداً على مصادر متنوعة تشمل الاستعانة بمتخصصين في الطب الشرعي والبحث الجنائي ومتابعة سير التحقيقات الرسمية، فضلاً عن الكتابات التاريخية الموثوقة. لكن بصرف النظر عن انحيازه الواضح للسردية الأمنية، يبقى السؤال حول إمكانية صياغة عمل فني يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد جمع الوقائع ليتجاوز الاستهلاك السريع للدراما. هذا بالتحديد ما وضع صناع العمل في اختبار صعب، لأنه يطرح تساؤلات حول حدود الإثارة والترفيه.
تقول الناقدة السينمائية رحمة الحداد لرصيف22: "أظن أن تحويل جرائم القتل تحديداً مادةً للتسلية أمر إشكالي مبدئياً، لأنه يعتمد على الإثارة والتهويل وصياغة سرديات غير مطابقة للحقيقة بغرض إثارة الجدل وتحقيق مشاهدات. وانتقال هذا للدراما يضاعف بالضرورة طابعه الإثاري الذي لا يولي عناية كافية لتحري الدقة وإظهار الحساسية اللازمة نحو الحوادث بقدر ما يركز على خلق سرديات تبرر الجرائم وتصنع من الجاني شخصية ثلاثية الأبعاد استغلالاً للشغف الجماهيري الشائع محلياً وعالمياً".
فيما ترى الناقدة السينمائية أريج جمال أن الاستعانة بهذا البودكاست تحديداً مثلت مؤشراً مقلقاً من البداية، لأن صاحبه يعمل في وسيط مختلف تماماً عن الوسيط الدرامي، ويجنح نحو تقديم الجرائم بأسلوب مخفف، لكن الأجدر بالسيناريست أن يتجاوز هذا النطاق الضيق، ويرجع إلى التغطيات الإعلامية ويستعين بباحثين نفسيين ومتخصصين في علم الاجتماع والجريمة ليصوغ سرداً متماسكاً.
وتضيف لرصيف22: "في الوضع المثالي، ينبغي أن تكون الجرائم الحقيقية مُلهمة للخيال الدرامي لا مقيدة له؛ فعلى سبيل المثال، لم يلتزم صناع مسلسل 'Monster' بالوقائع حرفياً وإنما أتاحوا لأنفسهم مساحة أرحب للخيال والرؤى الفنية المغايرة التي تتداعى معها أسئلة حول النفس البشرية".
تنتهج قصة "لعبة جهنم"، التي كتبتها نجلاء الحديني وأخرجها إسلام خيري، مساراً سردياً خطياً تتقاطع فيه ثلاث شخصيات: ضحية وجانيَين. يبدأ البناء من تفاصيل عيشهم المعتادة، ليصل إلى التقاء الجانيين في الفضاء الرقمي وتورط أحدهما مع الآخر في لعبة تحديات مقابل المال، تتصاعد خلالها وتيرة العنف والإجرام حتى تنتهي بقتل طفل وتشريحه. جريمة استدعت الانتباه لكونها تكشف عن جانب مظلم من الإنترنت وجرائمه غير المألوفة، خاصة وأن المحرض الأساسي فيها قاصر، بينما من اقترف القتل رجل بالغ.
يستعين السيناريو بالإطار العام للجريمة ليتعمق عبره في فهم التكوين النفسي والظروف الأسرية للجانيين، والصورة التي يصدرانها لمحيطهما الاجتماعي. يتم تقديم الاثنين بنمط متطابق تقريباً، يظهر علاء (محمد فراج)، جالساً في الجامع الذي يخدم فيه محاطاً بمجموعة من الشباب ينضم إليهم الضحية الصغير طالباً الالتحاق بالدروس، فيما يظهر المراهق سليم (عمر رزيق) في مدرسته بإحدى الدول العربية، يلقي كلمة بالإنكليزية أمام الفصل احتفالاً بالعام الهجري الجديد. يتأسس المشهدان على المفارقة ذاتها وهي تستر الإجرام خلف واجهة دينية وأخلاقية، بشكل مباشر.
يستند العمل في بناء خلفيات الشخصيتين على صياغة مبسطة تستعيد طفولة الجانيَين عبر فلاشباك. نشأ علاء في بيئة فقيرة تحت سطوة أب عنيف وصارم، ظهرت نزعاته العدوانية مبكراً في سلوكيات مثل محاولة خنق الحيوانات. سلوكيات تلقى عليها عقاباً شديداً حتى هرب من أبيه متخذاً من الكذب والتحايل وسيلة للعيش، ومستعداً للتخلي عن أي شيء مقابل المكسب. أما سليم، الذي نشأ في أسرة ميسورة الحال، فتعود إحدى اللحظات المؤسسة في طفولته إلى شجار مع شقيقه حول لعبة، انتهى بارتطام الأخير بالأرض. وبدلاً من محاولة إنقاذه، ظل سليم يتأمل الدماء المحيطة به حتى مات. وفي مشهد مواجهته مع أبيه لاحقاً، يعزو ما حدث إلى انشغال والديه الدائم عنهما. وهو ما قاده للاتجاه إلى الإنترنت والغوص في الشبكة المظلمة، مستكشفاً انجذابه إلى الأذى والسادية.
يبدو هذا المسعى في كتابة الشخصيات وارتدادها إلى الطفولة صياغة دائمة الحضور في إنتاجات الجرائم الحقيقية، لكن يتوقف باحثون عند الاتكاء على الربط بين صدمات الصغر وارتكاب الأفعال الإجرامية لما فيه من اختزال؛ حيث يرى الكاتب مارك سيلتزر أن التعرض للإساءة في الطفولة صار أحد الأطر التفسيرية لفهم القاتل المتسلسل، لدرجة أنه، على سبيل المقال، يفترض كحقيقة مسبقة حتى وإن كان لا دليل عليها. لا يقتصر تأثير هذا التصور على الطريقة التي يفهم بها الجمهور القاتل المتسلسل، بل يمتد إلى الكيفية التي يفهم بها القاتل ذاته. هذه الآراء لا تنفي أثر الطفولة ولكن ترفض إضفاء هالة رومانسية تمنح الجناة مبرراً مريحاً، وتتجاهل الفساد الأخلاقي الفردي وتعقيدات البشر.
حاول "لعبة جهنم" الإشارة إلى ما هو أبعد من الطفولة المعذبة خاصة في شخصية سليم، لكن الانشغال بالجريمة نفسها وإثارتها حال دون التعمق في ذلك. هذا ما دفع رحمة الحداد للقول لرصيف22 بأن المسلسل وقع في الفخ الذي تقع فيه هذه النوعية من الأعمال، حين تصر على إيجاد أسباب منطقية مباشرة تفسر النتائج، كاعتبار أن التعرض للعنف في الطفولة يؤدي بالتبعية إلى خلق مجرم عنيف، موضحة: "هذا الطرح وإن كان يحمل جزءاً من الحقيقة، فهو ينتج شخصيات شديدة السطحية والبساطة، ويعتمد بالأساس على الأدرينالين الناتج عن الحماس لرؤية العنف، أو على مشاعر النفور التي تثيرها هذه الحكايات، وهو استغلال غير حساس بطبيعته".
أما الخيار الإشكالي الأهم، فيكمن في المفارقة بين الواقع والدراما، لأن علاء الحقيقي (الذي يحمل اسماً مختلفاً)، ظهرت عليه علامات الثراء بعد تنفيذه عدة مهام عبر الإنترنت، وعاد إلى الحارة بسيارة وهاتف محمول حديثين، كما يروي سامح سند في بودكاسته. أما في المسلسل، فقد ظل علاء يتخبط بين الديون وملاحقات أصحابها وتهديدات الطرد من البيت، حتى أحكمت الحاجة قبضتَها عليه وانساق إلى قتل الصغير حسن بعد رفض طلب سليم عدة مرات. يبدو هذا المسار بأنه ينطوي على تبرير خفي يخفف من بشاعة اختياره، ويمنحه مسوغاً يفسر سقوطه.
في المقابل، يُحسب للمسلسل عدم تهميش شخصية الضحية حسن، يتأسس حضوره وعلاقته بعلاء من المشهد الافتتاحي ويمتد عبر الحلقات الثلاث متخللاً تفاصيل حياته اليومية داخل أسرته الصغيرة ، ولعبه في الشارع، وشجاراته، وأحلامه التي يطمح إليها، وسط حضور عالم المنطقة الشعبية وعلاقات أفرادها. لكن يصبغ هذا الخط الدرامي بنبرة استعطاف واضحة؛ بالتركيز على عجز والده ومعاناة أمه في خدمة البيوت وقصر اليد الذي يحرمه من شراء حذاء رياضي جديد، وكأن كونَه ضحيةً ليس كافياً. في المجمل، بدا المسلسل في خياراته محملاً بتقديرات متباينة، منها نقاط قوة في مقدمتها الأداءات التمثيلية وأخرى ضعف كما أشرنا.
تصفه أريج جمال لرصيف22 بأنه "مسلسل مصري تقليدي فيه الكثير من 'الصعبانيات' مع إضافة عنصر الجريمة. إلا أنه امتلك وعياً بسياق عوالم الشخصيات، وتحديداً في تصوير الحي الشعبي".
كيف يروي صانع الدراما قصة جريمة حقيقية بشعة ظل الجاني مجهولاً؟ هذا اختبار واجهه صناع فيلم "زودياك" (Zodiac) لديفيد فينشر، إنتاج 2007، حينما قرروا تناول سلسلة جرائم قتل غامضة وعشوائية روعت منطقة خليج سان فرانسيسكو الأمريكية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات ارتكبها قاتل مجهول أطلق على نفسه لقب "زودياك".
لم يخترع السيناريو حلاً للجريمة، وإنما جعل من تتبع الأدلة المادية والوثائق مساراً للحكاية، استناداً إلى كتابات وتحقيقات من بينها كتاب رسام الكاريكاتير روبرت غراي سميث الذي أسرته القضية، ليصبح النص السينمائي دراسةً حول الهوس والإحباط اللذين يلتهمان حياة المحققين والصحافيين خلال السعي نحو الحقيقة مع التركيز على المشتبه الرئيسي الذي توافرت ضده عدة قرائن، دون حسم نهائي.
واجه صناع قصة "ما لم يحكَ عن بني مزار"، كتابة هاني سرحان وإخراج أحمد نادر جلال، الاختبارَ ذاته مع واحدة من أبشع الجرائم التي أحدثت رجة واسعة في نهاية عام 2005، وقيدت ضد مجهول؛ حيث عُثر على عشرة أشخاص من ثلاث عائلات مختلفة مقتولين بوحشية داخل منازلهم مع وجود حمام بجوار الجثث، في عزبة شمس الدين، صعيد مصر. يختار السيناريو أن يروي القصة من عينَي محقق يفتش وراء الحقيقة، حتى يصير مستنزفاً فيتتبع الخيوط وتُضنيه قلة النوم. لكن بدلاً من بناء مسار التحقيق على الأدلة وما تتيحه من احتمالات، جاء السيناريو مستسلماً لما راج من شائعات حول الجريمة معيداً تدويرها درامياً بشكل يُسهم في ترسيخها.
يفتتح المسلسل أحداثه من وقت اكتشاف الجريمة، مصوراً الجثامين بشكل متحفظ، ثم يقود البحث حول الجاني/ الجناة إلى سرد غير خطي وقفزات زمنية، وذلك عبر الست رئيفة (عارفة عبد الرسول) التي يتقاطع سبيلها مع المحقق (أحمد عبد الوهاب). من البداية تقدَّم لنا هذه المرأة على اعتبار أنها "شوّافة" أحلامُ منامِها لا تخيب، وقد أنذرت قريتها بما سيحدث قبل الواقعة بأسبوع. يزورها المحقق على مدار ثلاث حلقات لتقص عليه ثلاث صرخات سمعتها عن جريمة لم يسمع أحد فيها أصواتَ استغاثة؛ صرخات كلٌّ منها يدور حول ما شاع من خرافات بشكل حافل بالإثارة.
تبدو الخيارات السردية مُصاغة بطريقة تخضع فيها مفردات العلم لمنطق الخرافة؛ ففي الحكاية الأولى، نحن أمام دكتور، يفترض أن لديه معرفة علمية، لكنه يلهث وراء الدم لإرضاء الجني حارس الكنوز طمعاً في مال لعلاج ابنه. وفي الثانية، نتعرف على شاب عانى من طنين في أذنه ولجأ إلى أطباء الناحية، لكن العجز عن إيجاد علاج مع تدهور حالته دفعه إلى دجالة تقنعه بأن خلاصه لن يتحقق إلا بالدم. أما الثالثة، تحكي عن عريس رفض أعمال الدجل والشعوذة، لكن عروسه تدفع الثمن بفعل عمل سفلي يحتاج دماً كثيراً لإبطال مفعوله. وهكذا، تتداخل العقلانية مع الخرافة في صورة قد تلامس بعض ما يحدث فعلاً على أرض الواقع، لكن من دون مساءلة كافية لهذا التداخل أو حساسية في معالجته.
لا تفضي الحكايات الثلاث إلى معلومات حقيقية توضح علاقتها بمقتل الضحايا، بل إنها تشتت السرد وراء ملاحقة شخصيات لا يصل إليها المحقق لأسباب مختلفة، وتورطه في تتبع جرائم جانبية بعيدة عن القضية الأساسية. فهي تغذي الفضول فقط، وتساعد في رسم صورة بصرية لعالمين: عالم الواقعة الجنائية والتحقيقات المقتضبة، وعالم الحكايات الشعبية المُغرق في الرعب الفلكلوري والذي يتجلى في مشاهد طقسية بطيئة الإيقاع، كتقديم طفل وقتله قرباناً لاستخراج الكنوز وفك رصدها.
تتبدى إشكالية في طبيعة العلاقة بين المحقق وأهل القرية؛ نراه في بداية التحقيقات يطرح أسئلة حول الدوافع التقليدية للجريمة كالثأر أو الشرف أو تجارة الأعضاء، ويأتي الرد الجمعي بأنها قرية هادئة. يناشده أحد أهالي الضحايا "إحنا غلابة، وملناش ضهر، وممكن عادي حقنا يضيع"، لكن المحقق يشعرنا بأنهم يخفون شيئاً عنه.
ومع انخراطه في البحث ورفضه نظرية العميد الذي جاء لمعاونته على حل اللغز، وركن إلى تفسير قاصر وجانٍ غير مقنع ليغلق القضية، ينزلق المحقق إلى متاهة الخرافات حتى ينتهي به المطاف إلى مواجهة الرجل ذاته الذي استنجد به سابقاً، قائلاً بصرامة: "محدش ضيع حقكم غيركم". وكأن المسلسل ينتهي إلى تحميل القرية وأهلها مسؤولية ضياع العدالة بعد المرور العابر على التقصير الأمني وغرق المحقق في الحكايات بدلاً من البحث عن أدلة. ويختتم الأمر بتقريره بأن وقوع الجريمة ليس سوى مسألة وقت حين يصبح الجهل إيماناً والخرافةُ حقيقةَ.
لا يقدم المسلسل أي مسارات مقنعة تفتح آفاقاً لفهم القضية، مما يدفع للتساؤل حول دلالة الاسم الذي اختاروه للقصة. يقول الصحافي والناقد محمد نبيل لرصيف22: "ربما يكمن ما لم يُحك عن بني مزار في شخصية الضابط تحديداً، فإذا عدنا إلى ما نُشر عن الحادثة منذ عام 2006 وحتى صدور حكم البراءة نرى اتهامات طالت الجهاز الشرطي في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. وقد ورد ذلك في حوار نشرته صحيفة 'المصري اليوم' مع والد المتهم، وآخر نشره موقع 'اليوم السابع' مع المتهم عقب تبرئته. يتباين هذا السياق مع ما يقدمه المسلسل، الذي يصوغ رحلة ضابط يسعى إلى كشف الحقيقة لتنتهي رحلته بانتصار وجهة نظره في العمل، بعدما يُبرأ المتهم. وهنا يظل الأمر مفتوحاً على احتمالين: إما أن صناع العمل انحرفوا عن الوقائع المنشورة واختاروا مساراً تخييلياً لا تتضح دلالاته، أو أنهم امتلكوا معلومات لم يُكشف عنها في التغطيات الصحافية المتاحة، وهو ما قد يجعل هذا المسار نفسه هو ما لم يُحك عن بني مزار".
وفي هذا الصدد، ترى أريج جمال أن معالجة القصة تقدم طرحاً مؤسفاً لا يراعي السياق، في حين أن الصحافة وقتها ركزت على تهميش الصعيد وإقصائه، مضيفة: "إلقاء اللوم على الناس وكأن القرية 'الظالم أهلها'، أمر غير حقيقي، بل يدل على غياب الرؤية والحرية. والحقيقة أن مسلسلات الجريمة تحتاج إلى مساحة من حرية التفكير والتعبير، وهي مساحة غير متوفرة للأسف في العالم العربي بأكمله؛ لكي نناقش كيف تصل الجرائم إلى هذه الدرجة من التعقيد وما الذي ساهم في ذلك".
في "لعبة جهنم" يُعلق المراهق سليم على جدران غرفته ملصقاً دعائياً لمسلسل "Dexter" الذي يحكي عن سفاح يعمل خبيراً في تحليل آثار الدم لدى الشرطة، وفي الوقت نفسه يقتل المجرمين والسفاحين الذين أفلتوا من العقاب. يبدو سليم معجباً بهذا السفاح مثل كثيرين حول العالم، فهو شخصية تحظى بشعبية واسعة، خاصة وأن المسلسل يمنح القتل مبرراً أخلاقياً ملتبساً، ويضع بطله في منطقة رمادية.
تثير هذه التفصيلة سؤالاً حول الأثر الذي يتركه هذا النوع من المسلسلات في جمهوره، والحد الفاصل بين تصوير العنف درامياً والتطبيع معه. وهو سؤال يعود اليوم مع مسلسل "القصة الكاملة" ذاته، في ظل انتقادات متزايدة لتصاعد العنف على الشاشات، حتى من جانب صناع السينما والتلفزيون. فقد حذرت المخرجة كاملة أبو ذكري، في منشور لها، من أن الإفراط في إنتاج هذا النوع من الأعمال يجعلنا أكثر اعتياداً على العنف، كما إنه قد يحفز السلوك الإجرامي ومحاكاته في الواقع. في المقابل رأى آخرون أن هذه التحذيرات تلقي المسؤولية على الفن وتمثل وصاية على الإبداع.
تعلق رحمة الحداد على الأمر، بأنها ترى القضية أكثر تعقيداً من الانحياز إلى فريق على الآخر. تقول لرصيف22: "من الصعب إنكار أن هذه الأعمال لا تكتفي بتطبيع العنف، بل تحيله إلى محتوى ترفيهي مثير ومحفز. وإذا كنا نتحدث عن مناخ يضمن حرية الإبداع، فيظل من حق النقاد والجمهور لفت الانتباه إلى الطابع الاستغلالي لهذا النوع". وتحيلنا الحداد إلى مقال كُتب عن صعود سرديات القتلة المتسلسلين في تسعينيات القرن الماضي يشير إلى أن الانشغال بالسفاحين يصرف الانتباه عن أشكال أخرى من العنف، مثل الفقر والإهمال والانتهاكات والحروب، فحين يختزل العنف في صورة قاتل فردي، يصبح حكاية مثيرة يسهل تتبعها والخوف منها، فيما تتراجع إلى الخلفية أنظمة وممارسات مؤسسية نعجز عن مواجهتها.
ربما يكون هذا أحد التفسيرات المثيرة للاهتمام حول انتشار مسلسلات الجريمة الواقعية، لكن الأمر يأخذنا إلى طرف آخر من المعادلة يتعلق بذوي الضحايا. حيث يرى كثيرون أنهم يتعرضون للانتهاك مع إعادة تداول مآسيهم وتحويلها إلى مادة للترفيه. وهو أمر محل اختلاف وجدال أيضاً.
يرى محمد نبيل أن قضايا الرأي العام ملك المجتمع وليس الأسر، وهناك قانون خاص بتنظيم الإعلام يثبت الحقوق إذا تجاوز أي طرف المعايير المنصوص عليها. ويضيف: "أعتقد أن منع تداول المعلومات العامة ومناقشاتها هو شكل من أشكال الفاشية، أحفاد صدام حسين يتأذون إذا شاهدوا مشهد إعدامه، لكن ليس الحل هو منع تذكار حادثة إعدام الرئيس العراقي، لكن الحل في يد أولياء أمور، فعليهم تشديد الرقابة على ما يتلقاه أبناؤهم من مشاهد عبر الأجهزة التكنولوجية الخاصة بهم".
Loading ads...
بينما تشدد أريج جمال على أن الفنان الحقيقي ينبغي أن يضع نفسه مكان ذوي الضحايا، ويكون لديه درجة من الحساسية في تناول المآسي، وتستدرك: "بالنسبة إلى قضية بني مزار تحديداً، كان هناك افتقاد تام لهذه الحساسية الأخلاقية لدى صناع المسلسل، ولم يكن الأمر يستدعي خوض هذه المغامرة من الأساس، طالما أنك لا تملك شيئاً حقيقياً لتقوله، وليس لديك رؤية فنية متماسكة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





