4 أشهر
بعد رفع العقوبات.. كيف هي مقاربة واشنطن للملف السوري في 2026؟
الثلاثاء، 6 يناير 2026
مع بداية عام 2026، لا يدخل السوريون عامًا جديدًا بالمعنى التقليدي للكلمة. لا احتفالات واسعة ولا وعود كبيرة، بل حسابات يومية أكثر إلحاحًا: سعر الخبز، عدد ساعات الكهرباء، واستمرارية العمل في اقتصاد بالكاد يتنفّس. في هذا السياق المعيشي الضاغط، يبرز القرار الأميركي المتعلق بإلغاء «قانون قيصر» بوصفه تطورًا يتجاوز طابعه الإجرائي، ليطرح سؤالًا أوسع مع مطلع العام الجديد: هل نحن أمام تحوّل فعلي في مقاربة واشنطن للملف السوري، أم مجرد إعادة ضبط للأدوات بهدف منع الانهيار من دون فتح أفق حل شامل؟
لم يكن القرار الأميركي المتعلق بإلغاء «قانون قيصر» مجرّد خطوة تقنية أو استجابة ظرفية، بل جاء ليعكس تحوّلًا أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع الملف السوري. فبعد سنوات من الاعتماد على العقوبات كأداة ضغط رئيسية، تبدو الولايات المتحدة وقد انتقلت إلى نمط مختلف من الانخراط، يقوم على إدخال العامل الاقتصادي في صلب إدارة الاستقرار، لا بوصفه مدخلًا لحل سياسي شامل، وإنما كوسيلة لضبط التدهور ومنع الانزلاق نحو فوضى أوسع.
هذا التحوّل لا يعني تبدّلًا في الأهداف الاستراتيجية الأميركية بقدر ما يعكس إعادة ترتيب للأدوات بما يتلاءم مع واقع بات أكثر استقرارًا نسبيًا وأقل قابلية للتجاهل. فالعقوبات، رغم تأثيرها العميق على الاقتصاد السوري، لم تُنتج تغييرات سياسية جوهرية، في حين أسهمت في تعميق التدهور المعيشي، وتآكل البنى الإنتاجية، وارتفاع كلفة الإدارة اليومية للاقتصاد، ما أوجد بيئة أكثر هشاشة على المستويين الاجتماعي والأمني.
تُقرأ إعادة الإعمار في الحسابات الأميركية بوصفها وظيفة أمنية بلباس اقتصادي، أكثر منها مشروعًا تنمويًا.
في هذا السياق، يصبح إدخال الاقتصاد في المعادلة وسيلة لإدارة الاستقرار لا لإطلاق مسار تعافٍ اقتصادي شامل. فالمقاربة الأميركية لا تشير إلى استعداد لدعم إعادة إعمار واسعة أو فتح الباب أمام تدفّق استثمارات كبرى، بل تكتفي بالسماح بتحسينات تدريجية ومضبوطة في القطاعات الأساسية، بما يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة، ويحدّ من التدهور الذي قد يتحوّل إلى عامل تفجير أمني أو سياسي يصعب احتواؤه لاحقًا.
على المستوى العملي، لا تُترجم هذه التحوّلات إلى تغييرات دراماتيكية في حياة السوريين، بل إلى فروقات صغيرة ولكن ذات دلالة: ورشة أُعيد فتحها بعد سنوات من التوقف، معمل يعمل لساعات أطول، أو حيّ يستعيد جزءًا من خدماته الأساسية. هذه التحسينات المحدودة لا تعني تعافيًا اقتصاديًا، لكنها تُشكّل الفارق بين الانهيار الكامل والاستمرار الهش، وهو الفارق الذي يبدو أنه بات محور الاهتمام الأميركي في هذه المرحلة.
وتقوم هذه المقاربة على استخدام الاقتصاد كأداة تنظيم وضبط، من خلال التحكم بمسارات التمويل، وتوسيع أو تضييق هوامش الحركة أمام الفاعلين الاقتصاديين، وربط أي تحسّن ملموس بدرجة من الاستقرار الأمني والإداري. فبدل العقوبات الشاملة التي تُضعف الجميع من دون تمييز، تتيح هذه الآلية لواشنطن التأثير بشكل أكثر انتقائية، يسمح بتخفيف الضغوط في قطاعات محددة، مع الإبقاء على القدرة على التدخل والتعديل عند الحاجة.
ومن هذا المنظور، تُقرأ إعادة الإعمار في الحسابات الأميركية بوصفها وظيفة أمنية بلباس اقتصادي، أكثر منها مشروعًا تنمويًا. فإعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه، وتحسين البنى التحتية الخدمية، وإطلاق مشاريع محدودة لتوليد فرص عمل، تُعدّ وسائل لتقليص دوافع الاضطراب الاجتماعي وتعزيز القدرة على الضبط، من دون الانخراط في مسارات اقتصادية واسعة يصعب التحكم بإيقاعها أو آثارها السياسية.
ينسجم هذا النهج مع ما تُسميه أدبيات بناء السلام وإدارة ما بعد النزاع بـ«إعادة الإعمار الوظيفية»، إذ لا تُطرح عملية البناء بوصفها مسارًا لإعادة هيكلة الاقتصاد أو معالجة اختلالاته البنيوية، بل كوسيلة لتقليص مصادر التوتر المرتبطة بانهيار الخدمات وتفكك البنية التحتية وارتفاع معدلات البطالة. وضمن هذا الإطار، تُستخدم مشاريع إعادة الإعمار المحدودة كأدوات لامتصاص الصدمات، لا كرافعات للنمو المستدام.
كما يرتبط هذا التصور بمفهوم «القدرة الدولتية الدنيا»، الذي يركّز على الحد الأدنى من الوظائف التي يجب أن تكون الدولة قادرة على أدائها كي تبقى قابلة للاستمرار: تشغيل المؤسسات الأساسية، تحصيل الإيرادات، تقديم الخدمات الحيوية، وضبط المجالين الأمني والإداري. وبهذا المعنى، يصبح دعم التحسينات الاقتصادية المحدودة جزءًا من استراتيجية الحفاظ على هذا الحد الأدنى، لا خطوة نحو بناء دولة قوية أو اقتصاد متماسك.
لا يمكن توصيف العلاقة الحالية بين واشنطن ودمشق بوصفها شراكة أو مصالحة، كما لا يمكن اختزالها في إطار صراع مفتوح. إنها علاقة إدارة ملف، تقوم على التعامل مع الوقائع كما هي، وعلى استخدام أدوات اقتصادية وأمنية محسوبة، من دون افتراض حلول كبرى أو تحوّلات جذرية.
غير أن هذا المسار الاقتصادي يبقى وثيق الارتباط بالبعد الأمني، خصوصًا في ظل محاولات تنظيم «داعش» استغلال المرحلة الحالية لإعادة تثبيت حضوره. فالهجمات المحدودة التي شهدتها بعض المناطق لا تعبّر عن عودة التنظيم كقوة سيطرة، بقدر ما تعكس نمط «بقايا التمرّد»، الذي يسعى إلى اختبار الجاهزية الأمنية واستثمار أي فجوة ناتجة عن التحولات الاقتصادية أو الإدارية الجارية.
في أدبيات التمرّد المسلّح، يُشار إلى هذا النوع من العمليات بوصفه «إشارات استراتيجية»، تهدف إلى إرسال رسائل سياسية وأمنية عالية الدلالة ومنخفضة الكلفة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تحركات التنظيم الأخيرة باعتبارها محاولة للعب دور «الفاعل المُفسِد»، أي الطرف الذي يسعى إلى تعطيل أي نمط مستقر من إدارة الأمن أو الاقتصاد، عبر رفع مستوى عدم اليقين وزيادة كلفة أي ترتيبات قائمة.
وفي مواجهة هذا التهديد، يبرز التنسيق الأمني المحدود بوصفه خيارًا عمليًا أكثر منه مشروعًا سياسيًا. فالتقاطع في المصالح بين واشنطن ودمشق في ملف مكافحة «داعش» لا يرقى إلى مستوى الشراكة ولا يلغي الخلافات البنيوية، لكنه يفرض أنماطًا من التعاون البراغماتي، تقوم على تبادل المعلومات وضبط مناطق محددة ومنع تحوّل بعض الجغرافيا إلى مساحات مفتوحة أمام التنظيم.
هذا النوع من التعاون يبقى محكومًا بسقوف واضحة وقابلًا للتعديل وفق تطوّر التهديدات. فالهدف الأميركي يظل مرتبطًا بحماية وجوده المحدود ومنع تمدّد التنظيم، في حين يتركّز الهدف السوري على تثبيت السيطرة الأمنية ومنع إعادة تشكّل الشبكات المسلحة. وبين هذين الهدفين، يتشكّل تقاطع مصالح مؤقت، لا يؤسّس لمسار سياسي جديد، لكنه يسهم في إدارة المخاطر القائمة.
في المحصلة، لا يمكن توصيف العلاقة الحالية بين واشنطن ودمشق بوصفها شراكة أو مصالحة، كما لا يمكن اختزالها في إطار صراع مفتوح. إنها علاقة إدارة ملف، تقوم على التعامل مع الوقائع كما هي، وعلى استخدام أدوات اقتصادية وأمنية محسوبة، من دون افتراض حلول كبرى أو تحوّلات جذرية.
Loading ads...
ومع دخول عام 2026، يفرض هذا النمط من الانخراط سؤالًا مركزيًا: إلى أي مدى يمكن لإدارة الاستقرار أن تبقى بديلًا عن البحث في جذور الأزمة؟ وهل يكفي تخفيف التدهور ومنع الانفجار للحفاظ على استقرار طويل الأمد، أم أن الاستقرار الذي لا يفتح أفقًا سياسيًا واقتصاديًا أوسع يحمل في داخله بذور هشاشته؟ وبين إدارة المخاطر وتأجيل الحلول، يبقى السوريون عالقين في منطقة رمادية: لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي. فهل يكون عام 2026 امتدادًا لهذا التعليق الطويل، أم بداية لاختبار حدود هذه المقاربة نفسها؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

